الدرس في كتاب الحدود 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حد السرقة وضابطها في الشريعة الإسلامية، حيث يشترط في السرقة أن يكون السارق مكلفًا مختارًا وأن يأخذ المال من حرزه بقيمة ربع دينار فصاعدًا. يُفصل أيضًا شروط الحرز والاستثناءات في حالات الاضطرار.
يناقش شروط تطبيق حد السرقة مثل أخذ المال من حرز بقيمة ربع دينار أو أكثر، ويبين أن العبرة بالدينار وليس بالدراهم، ويشرح كيفية تقدير قيمة ربع الدينار بالعملة الحالية. كما يستثني حالات الخيانة والنهب والاختلاس.
يذكر حالات خاصة مثل جحد العارية ووجوب قطع يد السارق فيها، ويشير إلى ثبوت حكم قطع يد السارق في الشرع الإسلامي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام الشوكان، رحمه الله تعالى: باب حد السرقة. قال: من سرق مكلفًا مختارًا من حرز ربع دينار فصاعدًا قطعت كفه اليمنى. فهذا باب حد السرقة، وضابط السرقة مثل ما ذكره هنا المؤلف، أن يسرق مكلفًا مختارًا من حرز. والسرقة هي الأخذ بخفية. وشرعًا عند أكثر العلماء هي الأخذ بخفية من حرز مثله، أن يأخذ ربع دينار فصاعدًا. قال: من سرق مكلفًا. يخرج المجنون والصبي؛ فإنه لا يقام عليهما الحد. مختارًا؛ قال: ليس مكرهًا. وبعض العلماء يقول: ليس مضطرًا. قد جاء عن عمر، رضي الله عنه، أنه عفا عن رجل سرق وهو مضطر، معنى جائع. وهكذا النبي، عليه الصلاة والسلام، في ذلك الذي أخذ من مزرعة بعض الأنصار فرآه، فلما رآه هرب، فجرى خلفه حتى جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن هذا الفتى قد لقي ذعرًا». فجاء الأنصاري واشتكى أن هذا أخذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «ألا طعمته إذ كان جائعًا، وكسوته إذ كان عاريًا؟». معنى بدل ما تفعل هذا وتجري خلفه، انظر إلى أنه ما كانت معه إلا عباءة مثل الإزار فقط. فيقول: لو كنت أطعمته أو كسوته أفضل من أن تفعل هذا. فيدل على أنه عند الاضطرار يجوز أن يأخذ الإنسان حق غيره، ولو كان بغير إذنه إذا اضطر إليه. قال: من حرز. والحرز هو ما يحفظ فيه هذا الشيء، أو ما يحفظ مثله. يعني مثلًا الأموال تحفظ في الأماكن الخاصة بها، مثل الصناديق، مثل الأثاث، وغيرها من هذه الأمور التي تعرف. أماكن الأموال لا توضع أمام الناس. لا يضعها الشخص أمام الناس، يضعها مثلًا في النافذة. هذه الأموال لا توضع في هذه الأماكن، فلهذا لها أماكن توضع فيها. فإن أخذت من تلك الأماكن صارت سرقة. وأما إن أخذت من غير هذه الأماكن، مثلًا إنسان دخل زيارة إلى شخص صديقه أو كذا، فدخل يزوره فوجد مالًا فوق عند النافذة أو كذا فأخذه، فهل هذه سرقة؟ هذه ليست سرقة، لكن تسمى نهبًا أو يسمى اختلاسًا، لكن ما يقام عليه الحد. فلهذا لابد أن يكون من حرز. السيارة مثلًا في حوشها، مثلًا إذا كانت في حوش، أو عادة الناس مثلًا يضعونها عند البيوت، وغيرها من كل شيء له حرز مثله. فإن أخذ من حرزه فإنه يكون سرقة. قال: ربع دينار فصاعدًا. ومما يدل على الحرز؛ لأن هذا الحرز هو قول جمهور العلماء، خلافًا للظاهرية. الظاهرية لا يشترطون الحرز. واستدل على الحرز بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال: سمعت النبي، عليه الصلاة والسلام، وسئل عن الحريسة التي تأخذ من مراتعها. قال: «فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال». وما أخذ من عطنه ففيه القطع، إذا بلغ ما يأخذ من ذلك ثمن المجن. والحريسة معناها التمر الذي يأخذ من مكانه، مرتع معناها أصحاب التمر يجففون التمر في غرف. هذا المكان غالبًا أنه ليس مكان حرز؛ لأنه غالبًا يكون هذه الغرفة تفتح، وغالبًا أمام الناس. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحريسة التي تأخذ من مراتعها، فقال: «فيها ثمنها مرتين». أي يدفع ثمنها مرتين. مثلًا لو كان أخذ عشرة كيلو من هذا التمر، والكيلو مثلًا بألف، أي بعشرة آلاف، يدفع عشرين ألفًا. أي يأخذ من ثمنها مرتين. «وضربه نكال». أي يضرب أيضًا نكالًا، أي يضرب عشر جلدات أو ما دون ذلك. ثم قالوا: ما أخذ من عطنه ففيه القطع. عطنه معناه مكانه المختص به. ففيه القطع؛ أي تقطع يده إذا بلغ ما يأخذ من ذلك ثمن المجن. المجن هو الترس، وهذا الذي يستخدم في الحرب. وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثمنه ثلاثة دراهم. ولهذا اختلف العلماء: هل القطع يكون على ربع دينار أم على ثلاثة دراهم؟ لأن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة دراهم هي ربع دينار؛ لأن الدينار اثنا عشر درهمًا. فالثلاثة دراهم هي ربع دينار. والظاهر أن الأحاديث أكثرها جاءت بالربع دينار. وقد جاء في الصحيحين بحديث عائشة أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا». وفي رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا». معناه إذا سرق ربع دينار أو أكثر من ربع دينار فإنها تقطع يده. ودينار يومئذ كان 12 درهمًا. وجاء في رواية النسائي أن عائشة، رضي الله عنها، قيل لها: وما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. والظاهر أن الأخذ بالدينار هو الأولى. العبرة بالدينار، وليس بالدراهم. معناه لو كان ثلاثة دراهم الآن عندنا ثلاثة دراهم قليل جدًا. معناه ما تبلغ حتى ألف ريال أو أقل. لكن الربع دينار لا زال مستقرًا. فربع دينار مثلًا إذا قلنا على العملة حقنا، والدينار الجرام بستين ألفًا، والدينار يساوي أربع جرامات وربع. معناه الدينار يساوي قرابة مئتين وخمسين. الدينار من الذهب يساوي مئتين وخمسين. معناه بالعملة حقنا ألف ريال سعودي. فربع دينار معناه مئتين وخمسين سعوديًا. ربع دينار مئتين وخمسين. فالدينار لباس معناه الذي أخذه معناه أنه مال، ممكن أنه أكثر من سبعين ألفًا أو حولها. فلهذا تقطع اليد في ربع دينار. أما الثلاثة دراهم كما قلنا: الصحيح أنه لا يقاس بالدراهم، وإنما بالدنانير. وحصل إشكال عند بعض العلماء فيما جاء في الصحيحين، حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ولعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده». فبعضهم تعولها أن البيضة هنا بيضة الحديد التي تلبس على الرأس، القناع الذي يلبس أو على المغفر كما يسمونه. وبعضهم يقول: أن الحبل كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يساوي ثلاثة دراهم. لكن الصحيح أن هذا الحديث ليس على ظاهره. ليس المراد أن من يسرق بيضة تقطع يده، وإنما المراد أن بداية سرقة الشخص يسرق الأشياء الحقيرة، وأن بداية السرقة تكون أشياء يسيرة. يسرق بيضة، يسرق حبل، يسرق كذا. لكن بعد ذلك يتطور ويسرق ما هو أكثر منه. ما الذي جرأه على السرقة؟ سرقة هذه الأشياء البسيطة. بعضهم عندما يرى أن هذه الأشياء خفيفة وكذا وبسيطة وحقيرة عند الناس، فيتجرأ على أخذها. فيكون هذا فيه مثل المرض، فينشأ معه. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله سارق يسرق البيضة». لأنه هذا الذي جرأه على السرقة. قال المؤلف: يكفي الإقرار مرة واحدة. فهذا كما تقدم؛ لأجل أن الإقرار يكفي ولو مرة، ولا دليل على التكرار. قال: وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارق المجن وسارق رداء صفوان. معناه قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارق المجن الذي سرق الترس. وقال: ويعتبر شهادة عدلين. معناه شهادة عدلين أن فلانًا سرق. ليس مثل الزنا أربعة. إما الإقرار، وإما شهادة عدلين عن البينة. إما الإقرار يقر على أنه سرق، وهذا سيد العدالة كما يقال. أو يشهد عليه عدلين أنه سرق. قال: ويندب تلقين المسروق. ويحسن موضع القطع. أي ينبغي تلقين المسروق. وهذا جاء في حديث أمية المخزومي عند أحمد وأبي داود. أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أظنك سرقت؟» قال: بلى. مرتين أو ثلاثة. وهذا الحديث فيه رجل مجهول، وهو معنى يكنى بأبي المنذر، وهو مجهول الحال. الحديث لا يصح. لكن أخذ بذلك العلماء. معناه أنه يسقط التلقين. معناه يلقى العكس. مثلًا يؤتى به متهم في سرقة، فيقال له: لا، ما سرقت. ما أظن أنك سرقت. معناه يلقى العكس. مثلًا زنا، يقال له: ما أظن أنك زنيت. معناه القاضي يقول له هذا. هذا متى عند الاعتراف؟ حتى يكرر الاعتراف، ويعلم أنه ماذا يقول. قال: وحسم موضع القطع. وتعليق اليد في عنق السارق. أنه تقطع يده وتعلق يده فيه. وهذا لحديث أبي هريرة أنه أتي بسارق قد سرق شملة. شملة ثوب يشتمل به. فلما جيء به قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أظنه سرق». فقال: سرق. بلى يا رسول الله. فقال: «اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به». فقطع، فأتي به. فقال صلى الله عليه وسلم: «تب إلى الله». فقال: قد تبت إلى الله. فقال: «تاب الله عليك». هذا الحديث اختلف العلماء في رفعه وإرساله. وقد رجح جماعة من العلماء الإرسال. وجاء له شاهد من حديث فضالة بن عبيد، لكنه أيضًا فيه ضعف. لكن الحسم قد ثبت عند الناس أنه يحسم اليد. تحسم معناه توضع في الزيت الحار. أنه كانوا يضعونها في الزيت الحار حتى تحتشي العروق، فلا يخرج الدم. وأما اليد نفسها فتدفن. اليد نفسها تدفن. قال: تعلق على السارق. فأخذ به جماعة من العلماء أنها تعلق على عنق السارق فترة. وقال: ويسقط بعفو المسروض عليه قبل البلوغ إلى السلطان، لا بعده. بعده الحديث: صفوان بن أمية لما أسلم جاء إلى المدينة ونام في المسجد، وكان عليه رداء ثمنه كثير. فجاء فتى وأخذه. فلما قام صفوان وجد رداءه غير موجود، فطلب هذا الرداء فوجده عند هذا الفتى. فحكم النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده. فقال صفوان: على ماذا؟ إني قد وهبته له. قال: «ألا كان قبل هذا؟» قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا كان قبل أن يأتيني؟» أما الآن خلاص الحكم فيه. أما إذا كان قبل أن يأتي إلى الحاكم لا بأس أنه يعفى عنه. فالعفو قبل إتيان الحاكم ما في شيء. يعفو عنه. أما أنه يطلع القضية إلى القاضي، ثم بعد ذلك يقول: أنا عفوت. لا. وقال: «ولا قطع في ثمر ولا كثر». وهذا قد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن نبيه عن جده: «لا قطع في ثمر ولا كثر». والكثر هو جمار النخل. الجمار تعرف. جمار النخل يخرج من جدع النخلة. لا قطع في ثمر ولا كثر. ثمر معناه من أخذه من الشجرة هذا لا تقطع يده؛ لأنه ليس بالحرز. ولا كثر أيضًا إذا أخذ الجمار. قد تقدم أنه يلزم أن يدفع ثمنه مرتين، ويضرب نكالًا. قال: وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطعًا. الخائن الذي يكون عنده أمانة، وأنه يعطى أمانة فيأخذ منها، أو يستأمن على أموال فيأخذ منها بدون إذن صاحبها. على مثلًا في دكان يبيع ويشتري في دكان، ويكل يوم يأخذ له من هذا المال. معناه بعض الدكاكين مثلًا ما يحسب المال، ليس عنده من يحسب هذا الأموال، ولا عنده حاسوب ولا شيء، فيعتمد ويثق في العامل. فالعامل يأخذ أحيانًا إما أن يأخذ، وإما أن يأخذ من هذا المال. فهذا الأخذ يسمى خيانة، ويسمونه الناس الآن اختلاسًا. ليس اختلاسًا. الاختلاس هو الأخذ من مال بخفية، لكنه ليس معناه من غير حرز. يأخذ من مال بخفية، لكن ليس بحرز. هذا اختلاس. لأن الخلس من الاختفاء. قالوا: المنتهب الذي يأخذها أمام الناس. معناه شيء أمام الناس يأخذه، هذا يسمى نهبة. ولا ينتهب نهبة ينظر الناس يرفع الناس إليها أبصارهم. والمختلس: المختلس كما قلنا الذي يأخذ بخفية، لكنه ليس من حرز. فإن كان من حرز فهو سرقة. قال: معناه هذا كله لحديث جابر عند أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع». وهذا الحديث صحيح. صححه الشيخ الألباني في الإرواء. وأيضًا جاء من حديث عبد الرحمن بن عوف. وقد ذكره الشيخ صحيح المسند. وجاء من حديث أنس. فصح النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء لا تقطع أيديهم. قال رحمه الله أيضًا في آخر ما ذكره: وقد ثبت القطع في جحد الجارية، في جحد العارية. ثبت القطع في جحد العارية. والمراد العارية هو الذي يعيره يستعيره الإنسان، يأخذه من صاحب البيت مثل الفأس، مثل القدر، مثل غيرها من هذه الأمور. فيستعيرها ويجحدها. استعيرها ويجحدها؛ يعني يجحدها ينكر. فيقول له صاحب البيت: هات القدر الذي أعطيتك إياه. قال: ما أعطيت. ما أعطيتني قدر. ولا أخذت منك قدر. فهذا معناه أنه يأخذ العارية ويجحدها. وكانتجت امرأة مخزومية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تستعير المتاع وتجحده. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. هكذا جاء في مسلم. وجاء عند أبي داود وغيره. الحديث: ابن عمر أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده. هذا من بعض الإشكال؛ لأن هذه المرأة المخزومية جاء في حديث في الصحيحين أنها سرقت. أنها سرقت. فاهتم بنو مخزوم لشأنها، فكلموا أسامة ليكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة، وقال: «يا أسامة، تشفع في حد من حدود الله؟». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سرقت لقطعت يدها». معناه لا مداهاة ولا مجاملة في هذا الباب. وذهب جمهور العلماء على أن جاحد العارية ليس بسارق. لكن قد ثبت في الشرع قد ثبت في الشرع أن جاحد العارية يقطع يده. حتى لو لم نسمها سرقة. لكن جاء في الشرع أنها تقطع يده. قد ثبت إنه مركب.