الدرس في كتاب الحدود 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل حد الزاني في الشريعة الإسلامية، حيث يُوضح العقوبات المختلفة للبكر والثيب، مع شرح مفهوم التغريب وأهميته. يُبيّن أيضًا آراء الفقهاء في تطبيق هذه العقوبات.
يتناول هذا الفصل حكم الزنا والرجم والتغريب، ويشرح ثبوت الرجم بالسنة النبوية واختلاف العلماء في بعض التفاصيل، مثل الجلد للثيب وتغريب المرأة وتكرار الإقرار بالزنا.
يشرح هذا الفصل الشروط اللازمة لإقامة حد الزنا، مثل الشهادة الصريحة ودرء الحدود بالشبهات، ويتناول أيضًا مسألة الرجوع عن الإقرار بالزنا والحالات التي تسقط فيها العقوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الحدود. الحد في اللغة هو المنع، وقد يأتي بمعنى المنع، «مدود» أي موانع، فهي الحدود تمنع من الوقوع في المعاصي أو الرجوع إلى المعاصي، وكذلك تمنع وتردع أيضا من أراد أن يعصي، فهي عقوبات تكون في الدنيا. وجاء في الشرع أن الحد ليس بمعنى الحد المقدر، لكن هذا الاصطلاح عند الفقهاء، هذا الاصطلاح الفقهاء يجعلون الحد هو هذا الحد المقدر الذي جاء في الشرع. وإلا الحد هو أعم من ذلك. لهذا جاء في الحديث في الصحيحين أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أصبت حدا فأقمه علي. فقال له بعد ذلك: هل صليت معنا؟ قال: نعم. قال: «اذهب فقد غفر الله لك». وهنا الظاهر أن هذا الحد ليس هو حد فيه عقوبة، لو كان فيه عقوبة لا يعاقبه النبي عليه الصلاة والسلام. هذا معنى إذا كان زنا أو سرقة، لكن المراد بالحد هنا المعصية. وجاء في بعض ألفاظ الحديث أنه «أصاب قبلة من المرأة»، أصاب قبلة من المرأة، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ومعاذ وغيرهم في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ نزلت في رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة ففعلت بها ما يفعل الرجل بامرأته غير أني لم أطأها. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أو ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وأيضا سيأتي أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يجلد الرجل أكثر من عشر جلدات إلا في حد من حدود الله»، إلا في حد من حدود الله. وهنا هل المراد في حد أي الحد المقدر؟ أم المراد في حد أي في معصية؟ الظاهر من الحديث أن المراد أنه لا يجلد الإنسان أكثر من عشر جلدات إلا في حد، في معصية. أما إذا كان تأديبا فلا يجلد أكثر من عشر، إذا كان تأديبا مثلا، مدرس أراد أن يؤدب طالبا، أو رجل أراد أن يؤدب ابنه، فلا يجلده أكثر من عشر جلدات. وأيضا كذلك زوج يضطر إلى أن يجلد امرأته، يضطر، قلنا يضطر لأن الأصل أنه لا يجوز له أن يجلدها، لكن إذا اضطر لذلك، معنى ما وجد خيارا إلا أنه يؤدبها، فأيضا لا يجوز له أن يجلدها فوق عشر. قال: باب حد الزاني. قال: إن كان بكرا حرا جلد مئة جلدة، وبعد الجلد يغرب عاما. وإن كان ثيبا جلد كما يجلد البكر، ثم رجم حتى يموت. ويكفي إقراره مرة. وما ورد من التكرار في وقاع العيان فلقصد الاستيثبات. قال: الآن بدأ في حد الزنا، ولا شك أن الزنا فاحشة، وأيضا يمقت منها رب العزة ويغضب ويغار أن تؤتى محار. وأن يزني عبده بأمته. وما جاء في الأحاديث: «إن الله لا يغار»، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم عليه عليه. وجاء في الكسوف أنه في خطبة الكسوف قال: «يا أمة محمد، إن الله لا يغار أن يأتي الرجل أو أن يأتي عبده أمته، أنا يزني بها». فلهذا فالزنا حرام، لا تقربوا الزنا، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا. سماه الله عز وجل فاحشة، وحد له حدا مقدرا في الدنيا. فقال المؤلف: كان بكرا حرا جلد مئة جلدة. وهذا جاء في القرآن: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنْ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ قالوا: بعد الجلد يغرب عاما. التغريب هذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أنشدك ألا قضيت بكتاب الله. وقال الخصم، وهو أفقه منه: فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي أن أتكلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قل». قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأة عسيفا. «عسيفا» معنى: أجيرا، معنى جاء به يعمل في بيته، شيء من العمال، إما بناء وإما معنى يعمل في بيته، أجره للعمل في بيته. فظاهر أنه خل بامرأته، فزنى بها. وقال هذا الرجل، أي أب هذا الرجل الذي زنى: وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاة ووليدة. فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لأقضين بينكم بكتاب الله، الوليد والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، جلد مئة وتغريب عام». ثم قال: «واغدوا يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». فغدا إليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت. وأيضا جاء في حديث عبادة بن الصامت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا»، يريد تفسير الآية: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنْ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ كان قبل في الحكم الأول أن المرأة إذا زنت يمسكها وليها، ولا يخرجها من بيته أبدا حتى تموت. لكن خفف الله عز وجل عن الناس فقال: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». هكذا جاء في حديث عبادة بن الصامت، وهو في صحيح مسلم. فالنفي والتغريب ثابت، وقد قال به أكثر أهل العلم. التغريب المراد به أنه يخرج من المكان الذي هو فيه فعل المعصية، يذهب به إلى مكان آخر. وغالبا هذا المكان يكون فيه خير، حتى لعل الله عز وجل يصلحه. ولم ينف هذا القول، أي القول بالتغريب، إلا عند الحنفية. وإلا فجمهور أهل العلم بل جاء عن جمع من الصحابة، بل كما ذكر المنذر وغيره: أن الخلفاء عملوا به. فالتغريب موجود عند السلف، وأيضا هو موجود في النصوص، ولم ينكره إلا الحنفية. لكن التغريب يحتاج إلى فقه الحاكم، أنه يغرب إلى مكان غالبا يعان على الطاعة. أما أنه يغر به إلى مكان قد يفسده أكثر، فهذا ليس هناك فائدة من هذا التغريب. أن مثلا يأخذهم إلى بلاد الإسلام ويرميه إلى بلاد الكفر، هذا ليس صحيحا. وإنما التغريب فقط أن يخرجه من المكان الذي عاش فيه إلى مكان آخر، لأجل أنه لا يتعلق بتلك المرأة التي زنى بها، فينفصل عنها. وأما حكم الثيب فاختلف العلماء، بعد الرجم حكمه حكم الرجم باتفاق أهل العلم. وقد جاء ذلك عن عمر وعن غيره: أن هذه كانت آية تتلى. وقد جاءت أحاديث متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم. قال عمر: رجم النبي عليه الصلاة والسلام ورجمنا بعده. ولعل ناسا يقولون: أنه ليس في كتاب الله الرجم. فلقد قرأناه وقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجم، كما قال. فهذا الحكم ثابت، وإن نسخت الآية، نسخت، لكن الحكم ثابت وهو حكم الرجم. لكن اختلف العلماء في مسألة الجلد: هل يجلد الثيب؟ الثيب المراد به الذي قد تزوج زواجا صحيحا، أو المحصن، يسمى محصنا، يسمى ثيبا، هو الذي تزوج زواجا صحيحا. فإن كان وطء وطءا صحيحا فإنه يكون ثيبا ويرجم، سواء كان الرجل أو المرأة. لكن اختلفوا في الجلد: هل يجلد قبل أن يرجم؟ فالشوكاني رحمه الله هنا ذكر أنه يرجم، يجلد أولا ثم يرجم، لأن الأحاديث جاءت بذلك. وجاء في بعض الأحاديث أنه لم يذكر الجلد، مثل في حديث المرأة، فإنه لم يجلدها وإنما قال: «قد وجد يا أُنيس امرأتي هذا، فإن اعترفت فارجمها». فذكر الرجم ولم يذكر الجلد. فبعض أهل العلم يقول: أن الجلد هو في مصلحة، يراه الإمام، إن رأى المصلحة في الجلد لأجل العقوبة، جلد. وإن لا يكفيه الرجم. وأما مسألة التغريب للمرأة، فقال كثير من أهل العلم، كمالك والوزاعي وغيرهم: هو رواية عن أحمد، أن المرأة لا تغرب، لا تغرب. لأن هذا فتنة لها، إلا إن كانت مع وليها. أما تغرب وحدها لا يجوز، لا يجوز أن تغرب المرأة وحدها لأن هذا فتنة لها. لكن كما قلنا: لا يجوز أن تغرب مع وليها، تغرب مع وليها وحدها. قال: ويكفي إقراره مرة. هذه المسألة ذكرناها قبل، هو هل يلزم من إذا أقر الإنسان بشيء من الأفعال هل يلزم أن يكرر عليه الإقرار؟ أم لا يلزم؟ على مثل إنسان جاء إلى القاضي وقال له: أنا فعلت كذا وكذا، أو أنا زنيت بامرأة. هل القاضي يحكم بهذا الإقرار مرة؟ أم أنه يكرر عليه؟ جاء في حديث ماعز أنه قال: «لعلك غمزت، لعلك قبلت، لعلك كذا». وهذا كله باب الاستفسار، ولأجل أن لا يقام حد إلا بعد التحري. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعل بك جنونا». وقال لبعض من عنده: «استنكه، لعله سكران». أنا ما سيأتي: إنسان ويعترف، فقال: «بل أنكتها، لا تكن أنكتها». «أنكتها» لا تكن العنك أو النيك، وهذا الإدخال والوطء، فاعترف بذلك. فهل معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن كل واحد يقال له هذا؟ فهذه الغامدية لما جاءت واعترفت لم يكرر عليها النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكرر عليها الاعتراف. وقالت: يا رسول الله، إني حبلى من الزنا. فبين أنها زنت، فلم يكرر عليها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من القول، بل قال: «اذهبي حتى تضعي». فلما وضعت جاءت: يا رسول الله، قد وضعت. قال: «اذهبي حتى ترضعي ولدك». فارضعته وجاءت به، فرجمها بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له». «صاحب مكس» معنى: الذي يأخذ الضرائب على الناس والأموال والعشور على الناس، فهذا يأخذ شيئا باطلا. أنا انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حتى لو تابت، لو تابها، توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له. يعني صاحب المكس لا يغفر له لأنه أخذ أموال الناس بالباطل. وهذا من شدة توبتها: أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل لها بهذا المثال. فالمهم أن الصحيح أن في هذه المسألة أنه ليس هناك دليل على التكرار، وإنما من باب الاستفهام فقط، وإنما هو من باب الاستفهام. وقد جاء في حديث خالد بن اللجلاج عن نافع: أن النبي عليه الصلاة والسلام رجم رجلا أقر مرة واحدة. والحديث وإن كان فيه رجل مجهول الحال، لكن له شواهد تدل عليه. فالمهم أن هذا الحكم الصحيح أنه ليس كذلك، وإنما فقط استيثبات، يستثبت القاضي في القضية، وليس من باب أنه يجعله يقر أربعا. ومذهب جمهور أهل العلم: يعني يقولون التكرار في الإقرار، يعني يقر أربع مرات. وهذا لا دليل عليه. جاء في حديث أبي هريرة، لكن ليس المراد أنه في قصة ماعز، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما استثبت منه، لم يقرره أربع مرات، لكن استثبت منه. مثلا يقول له: «لعلك فعلت كذا، لعلك فعلت كذا». لأن بعض الناس يظن أي فعل مع المرأة يظنه زنا، وإن لم يطأ، فيظن أن هذا زنا، فيقول: زنيت، وهو لم يزن. فلهذا يستثبت من الرجل في مثل هذا المقام. ولهذا حتى الشهادة التي تكون في الزنا ما تكون إلا برؤية هذا الزنا، لو قال مثلا: رأيت زنا، يقال له: أيش رأيت؟ مثل ما حصل في بعض في وقت السلف: أن ثلاثة رأوا رجلا فوق امرأة، أو أربعة، فجاءوا وشهدوا على أنهم رأوه فوق هذه المرأة. فثلاثة منهم شهدوا على الزنا، قالوا: رأيناه يزني بها. والرابع قال: ما رأيت زنا. هذا جاء بالحقيقة ما رأيت زنا، وإنما رأيت رجلا فوق امرأة، ما يدري هل هو زنى بها أو لم يزن. فجلدهم عمر رضي الله عنه، جلد ثلاثة الذين قالوا إنه زنا، جلدهم الحد لأن الشهادة لم تكتمل بعد. فلهذا الشرع معنى حكم في الشهادة: أن يكون رأى زنا واضحا، أما اشتباه أو مثلا رأى رجلا خل بامرأة، فيقول: زنى بها. أن بعضهم يتهور، يقول مثلا: هذا الرجل خل بهذه المرأة، أش يفعل بها في الخلوة؟ أكيد أنه زنى بها، فيحمل الأمر على الزنا وإن لم يشاهد شيئا، فهذا لا يجوز. فلهذا لابد من الشهادة أو الإقرار، وإنما لا يلزم أن يقره أربعا، وإنما يستثبت فقط. وأما كون اعتبار الشهود أربعة، فهذا لا خلاف فيه. وقد جاءت به الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ فلا بد من الشهادة، الشهود يكون أربعة فما فوق، إذا شهدوا أربعة أو أكثر من أربعة، لكن يشهدون بزنا صريح، ما يشهدون بشيء موهم. لابد يشهدون بزنا صريح. قال: وأما كونه لابد من التصريح في الإقرار والشهادة بالجماع في الفرج، فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لعلك قبلت وغمزت ونظرت». وقال: «لا يا رسول الله». قال: «أفنكتها؟» قال: «نعم». وجاء في رواية أنه هو الذي قال: «بل يا رسول الله أفنكتها؟» فلهذا لابد أن يكون الإقرار صريحا، أن يكون الإقرار صريحا. وكذلك الشهادة تكون صريحة كما ذكرنا. فلا يقبل الكلام المجمل، مثلا لو قال: زنيت، وهو لم يزن، وإنما جاءها معنى في قبولها، لكنه لم يلج، فهذا ليس زنا أصلا. فلهذا لابد أن يكون زنا صحيحا حتى يقام عليه الحد. قال: وكون الحد يسقط بالشبهات. وهذا حديث أبي هريرة: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم». لكن الحديث لا يصح. وهناك خلاف بين الوقف والرفع. من أهل العلم من يقول: إنه موقوف. لكن اتفق أهل العلم على درء الحدود بالشبهات. اتفق أهل العلم على درء الحدود بالشبهات. والمراد بالشبهات: أن تكون هناك شبهة تمنع وجود هذا الحد، مثلا أن يكون الرجل يظن أن هذه المرأة زوجته، مثلا يكونون في مكان في ظلمة. فمثلا كانت امرأته في مكان نائم، ثم تحولت عن ذلك المكان، وجاءت امرأة أخرى مثلها. مثل ما يحصل عند البدو، ينامون في أماكن ليست بيوت، فيأتي الرجل لامرأته في الظلمة، فمثلا هذا الرجل غلط، فجاء إلى امرأة صاحبه أو امرأة أخيه. فمثل هذا هذه شبهة يدرأ بها الحد. هذه شبهة يدرأ بها الحد. وهكذا فكل ما كانت هناك شبهة يدرأ بها الحد، فتسقط الحد. وعلى هذا ليس المراد أنه مثلا من كان له جاه أو له كذا يسقط عنه الحد، لا. فالحد يقام على الشريف والضعيف. وأيضا هنا مسألة الرجوع عن الإقرار: هل يسقط الحق إذا رجع عن الإقرار؟ مثلا قال: زنيت، ثم قال: لا ما زنيت. هل يسقط الحد؟ فعند كثير من أهل العلم أنه يسقط الحد. وهذا مذهب أحمد والشافعي: أنه يسقط الحد. ومن أهل العلم من قال: إنه لا يسقط، وهو قول مالك. وأيضا رواية قول الشافعي، قالوا: أنه لا يقبل الرجوع عن الإقرار. لكن لا دليل تدل على أنه يرجع عن الإقرار. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ماعز: لما رأى مس الحجارة صرخ وقال: ما زنيت، وإنما قومي غروني. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «فهل لا تركتموه وجئتوني به؟» فهذا يدل على أن الرجوع له أثر، إذا رجع عن إقراره فإنه ينظر ما أراد من هذا الرجوع. إن كان هذا الرجوع غير صحيح، أو الرجوع في الإقرار غير صحيح، خلاص. وإذا معنى ينفذ عليه الحد. وإن كان الرجوع هذا فيه نفي لما تقدم، وهنا ينظر إلى كلامه، ولا يقام عليه الحد، بل أحيانا يسقط الحد بهذا. قال: ويسقط بكون المرأة رتقاء وبدراء. «الرتقاء» هي التي يكون فيها قرن أو عضل في رحمها يمنع من الإيلاج، يمنع من الإيلاج. فهذا يدل على أنها لم تتعرض للزنا، إذا كان فيه هذا العضل أو هذه اللحمة. فلهذا يعرف أنه لم يزن بها. أو تكون «بدراء» معنى: لازال فيها غشاء البكارة، فمعنى ذلك أنه لم يأتيها. أو بكون الرجل مجبوبا، «مجبوبا» معنى: قطع ذكره، معنى بدون ذكر. مثل ما حصل في ذاك الرجل الذي كان القبطي الذي كان يدخل على مارية القبطية. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يقتله، قال: «رأيته معها فاقتله». فذهب علي رضي الله عنه فوجده معها، أنا يدخل يأتي ويكلمها، ظهر أنه قريب لها، هي قبطية وهو قبطي، أنا من أهل مصر، فكان يأتي إليها ويكلمها، يدخل عليها. فظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يختلي بها لأجل ريبة، فأرسل عليا قال: «فإن رأيته معها فاقتله». فلما رآه معها، قام عليه بالسيف. فلما رأى هذا الرجل السيف كشف عن عورته، فرآه علي رضي الله عنه أنه رجل مجبوب، أنا لا ذكر له، فعفا عنه. قالوا: يعني العنين هو الذي لا ينتصب، لا تنتصب شهوته، أنا لا ينتصب عضوه. قد يكون هذه العنة مؤقتة، وقد يكون هذه العنة دائمة. فإذا كان عنينا فإنه يرفع عنه الحد، لأن المانع هنا موجود، فيبطل به الشهادة أو الإقرار. وقصة علي هذه تدل على ذلك، قد أخرجها مسلم، أخرج هذه القصة مسلم. قال: وتحرم الشفاعة في الحدود. وهذا لما جاء في الصحيحين: أن أسامة بن زيد في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، شفع فيها أسامة بن زيد رضي الله عنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟» فكرر عليه وقال: «لا أراك تشفع في حد من حدود الله». حتى قال أسامة. وجاء في رواية أنه قال: «ليتني لم أسلمت إلا ذلك اليوم». وجاء هذا في حديث لما قتل من قال: لا إله إلا الله. قال: ويحفر للمرجوم إلى الصدر، لكونه صلى الله عليه وسلم أمر أن يحفر للغامدية إلى صدرها. ولم يحفر لماعز. والظاهر الصحيح من أقوال أهل العلم: أن الحفرة إنما تكون للمرأة حتى لا تتكشف، الحفرة تكون للمرأة. وجاء في مسلم أنه حفر لماعز، حفرة ثم أمر به فرجم. لكن هذا الحديث مختلف فيه. وصحيح الذي جاء عن أكثر صحابة الذين رووا هذا الحديث: أنه لم يحفر له. لأنه لو كان قد حفر له ودخل في هذه الحفرة لما استطاع أن يهرب. وقد جاء في الصحيحين: أن ماعزا لما مس حر الحجارة هرب. فلهذا فالصحيح أن الرجل لا يحفر له، وإنما يحفر للمرأة حتى لا تتكشف. قال: ولا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها، إن لم يوجد من يرضعه. وهذا لحديث الغامدية، جاء في حديث بريدة في صحيح مسلم: أن هذه المرأة الغامدية من الأزد غامد الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني، إني حبلى من الزنا. فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه». فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك. قال: «وماذا؟» قالت: إني حبلى من الزنا. قال: «أنت قلت؟» قالت: نعم. فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك». قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: «إذن، لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضع». فقام رجل من الأنصار فقال: «إلي رضاعه يا رسول الله». قال: «فرجمها». وأيضا المرأة التي من جهينة التي زنت أيضا حصل لها هذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم لوليها: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها». قال: يجوز الجلد حال المرض، ولو بعثكال. «العثكال» هو الشمراخ، هذا الثقال، هذا حق التمر، هذا العدق حق التمر الذي يكون فيه تمر، يعني يوضع معا ويضرب به. أو نفس العدق، العدق الكبير هذا يسمى شمراخ، فيضرب بهذا الشمراخ. إن كان مريضا، كان شخص مريض، أو ضعيف البنية، أنا لو ضرب مئة لمات، فمثل هذا يضرب ضربة واحدة، يجمع مئة شمراخ ويضرب به ضربة واحدة. وفي الحديث لما قال الذي ذكره ابن سحاق في الرجل الضعيف الذي خبث بامرأة عن زناها، قال سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: «ضربوه حدا». قال: «يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك، أو أضعف مما تحسب، لو ضربناه مئة قتلناه». فقال: «خذوا له عثقالا فيه مئة شمراخ، ثم ضربوه به ضربة واحدة». فلهذا إذا كان مريضا يضرب بعثكال. قال: أو من لاط بذكر يقتل ولو كان بكرا. وكذا المفعول به إذا كان مختارا أيضا. إذا الذي يلوط بذكر أيضا يقتل عند عامة أهل العلم. بل بعض أهل العلم جاء عن بعض الصحابة: أنه يحرق بالنار، أنه يحرق بالنار. كما جاء ذلك عن الصديق، لكن جاء مراسيل أكثرها مراسيل، لكن هذه المراسيل يقوي بعضها بعضا. وأن هذه القصة حصلت، أن هذه القصة حصلت في عهد أبي بكر رضي الله عنه، أقصد في عهد أبي بكر: أنه أرسل إلى خالد بن الوليد: أنه وجد في بعض النواحي رجلا يفعل به كما يفعل بالمرأة. فأرسل أبو بكر إليهم بعدما استشار الصحابة، فخرجوا على أنه يحرق بالنار. وجاء عن ابن عباس: أنه يقتل، يرمى من فوق شاهق، من فوق جبل، يرمى ثم يتبع بالحجارة. قال: لأن الله عز وجل أخذ قرى اللوطية وقلبها عليه، قلبها عليه. فلهذا من لاط بذكر فإنه يقتل. ويقتل الفاعل والمفعول. وجاء في ذلك حديث، لكن أكثرها لا يصح. يقتل الفاعل والمفعول، لكن الحكم قد اتفق عليه أكثر أهل العلم. وأما قول أبي حنيفة: فهو لم يقل به أحد قبله، أنا أبو حنيفة يقول: هو مثل الزنا، إن كان هذا الرجل بكرا يجلد، وإن كان محصنا فإنه يقتل. خلاصة هذه المسألة: أنه يقتل سواء كان الفاعل أو المفعول به. قال: ويعذر من نكح بهيمة. وأيضا من نكح بهيمة، جاء في حديث ابن عباس، وهو حديث عمر بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: «من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة». وهذا الحديث لا يصح. والصحيح أنه يعذر، صحيح أنه يعذر كما قال الشيخ. ويعذر معنى: بما يراه الإمام، فإن رأى أنه يقتله يقتله، لعجل أن شره قد استطار، هذا الرجل صار مرضا عنده أنه يأتي البهائم. فأراد مثلا هذا الأمير أن يكفي شر هذا الرجل حتى لا يستفحل هذا المرض في الناس، فله أن يقتله. قال: ويجلد المملوك نصف جلد الحر. وهذا لقول الله عز وجل: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولا فرق بين الأمة والعبد. ونبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم رجم أو تلك المرأة الأمة السوداء التي زنت، جاء في رواية أنه جلدها خمسين. أو قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فجلدها خمسين». وجاء في صحيح مسلم أنه قال: «فجلدها» ولم يذكر العدد، فجلد الأمة السوداء. لكن جاء في أثر عن عمر رضي الله عنه: أنه كان يجلد الولائد، الأمة السوداء، خمسين، وهو أثر حسن. وجلده، وجاء عن ابن عباس: أنه لا يجلد البكر حتى يحصن، إذا حصن جلد. لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ فسرها ابن عباس: إذا تزوجن، على الإحصان الذي هو الزواج. وفسرها بعض أهل العلم: إذا حصنن، أي إذا كنا عفيفات أو بلغنا. وقيل: أن المراد بالإحصان هو الإسلام. قال: يحد العبد سيده، أو الإمام الذي يقوم على المرأة الأمة أو العبد، من الذي يقوم عليه الحد. فقال الشوكاني هنا: إما السيد أو الإمام. وبعض أهل العلم يقول: السيد. وهذا حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلد لها الحد ولا يثرب عليها»، أنا لا يغلو في هذا الحد وينهرها نهرا قويا جدا، لأن الأمة ضعيفة وتستغل. قال: «ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبيعها ولو بحبل من شعر». ليبيعها بأي شيء، لأنها صارت فاسدة. فلهذا قال كثير من أهل العلم: أن للسيد أن يجلد مملوكه، فإن لم يجلده السيد يجلده الأمير أو القاضي. طيب هذا ما ذكره المؤلف في حد الزنا.