الدرس في كتاب الصلاة 127، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في جواز الترخص في سفر المعصية، حيث يرى الثلاثة أنه لا يجوز بينما يرى أبو حنيفة جوازه. يدور الخلاف حول ما إذا كان الترخص رخصة من الله تُمنح للعاصي أم لا.
يناقش تفسير قصر الصلاة في السفر استنادا إلى الآية الكريمة، ويوضح أن القصر يمكن أن يكون في الصفة أو العدد. كما يتناول آراء الفقهاء حول جواز القصر في السفر لفعل المعصية.
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم جواز قصر الصلاة في سفر المعصية لعدم تحديد النبي صلى الله عليه وسلم لنوع السفر. يُستدل على ذلك بحديث النبي الذي وضع شطر الصلاة عن المسافر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يجوز الترخص في سفر المعصية عند الثلاثة. فقال أبو حنيفة: يجوز. هذه المسألة من المسائل التي حصل فيها الخلاف، وهي مسألة السفر أو الترخص في السفر إذا كان في معصية. إذا كان الإنسان يريد أن يسافر سفر معصية، مثلا لأجل الغناء أو لأجل خمر أو زنى وغيرها من الفواحش، فهل يجوز له أن يقصر الصلاة وأن يترخص في الصيام وغيره؟ فنظر كثير من العلماء إلى مسألة أن هذا الترخص الذي يحصل للمسافر إنما هي رحمة من الله ورخصة من الله عز وجل، فلهذا لا تعطى لمن يعصي الله، لا تعطى لمن يسافر لأجل أن يعصي الله، أن لا تخفيف له. فنظروا من هذا الباب، فلهذا قالوا: إن هذا السفر لا بد أن يكون في طاعة الله. وقالوا: إن الآية التي جاءت فيها الترخص في السفر جاءت في الجهاد، ﴿إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ الَّذينَ كَفَروا﴾، فرخص الله عز وجل في قصر الصلاة. لكن كما ذكرنا قبل ذلك أن قصر الصلاة في الآية المراد به قصر الصفة وليس قصر العدد، لأن الآية نزلت في مكة ولم ينزل القصر بعد، لأن في مكة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين معنى يصليهما قصر. فلهذا فالقصر الذي ذكر الله عز وجل إنما هو قصر الصفة. ورجح الحافظ بن كثير أن الآية تقتضي كليهما: قصر الصفة وقصر العدد. مراد القصر الصفة أن يقصر في الصلاة أن يقرأ بصور صغار، قصار المفصل مثلا كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في سفره، هذا يسمى قصر الصفة. وقصر العدد هو أن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، صلاة الظهر والعصر والعشاء يجعلهما ركعتين، فهذا قصر العدد. فالمهم أن كثيرا من أهل العلم نظر إلى هذا الباب وقالوا: هذا فيه ترخص لأجل أنه نوع من الرحمة، ولا يعطاها من يسافر لفعل المعصية. وقال أبو حنيفة: يجوز. وهي أيضا رواية عن أحمد، ورجحها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. شيخ الإسلام ابن القيم يرون أنه يجوز أن الإنسان يقصر في سفر المعصية، لأن الله عز وجل لم يحدد السفر، لم يقل الله عز وجل أو النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله وضع شطر الصلاة والصيام على المسافر»، ووضع الصيام على المرضع والحامل أو على الحامل والمرضع. فوضع الصيام على الحامل والمرضع. فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل وضع شطر الصلاة عن المسافر»، فدل على أن المسافر هنا أي مسافر، لم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم أي وجه أو أي نوع من أنواع السفر. وهنا أيضا تطبق قاعدة الإمام الشافعي رحمه الله: «ترك الاستفصال في قضاء الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال». النبي عليه الصلاة والسلام لم يفسر في السفر: أهو سفر معصية أو سفر طاعة؟ أهو سفر طاعة أم غيره؟ فترك الأمر مطلقا. فلهذا يقال: إنه يجوز، وأن هذه الرخص للسفر وليس لنوع السفر، فلهذا يجوز للمسافر ولو كان سفر معصية أن يترخص بالقصر وعدم الصيام. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ودلل أيضا عليه. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.