الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الدرس أقسام الاختلاف في الإسلام، حيث يفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد مستدلاً بالقرآن والسنة. يشير إلى أمثلة من القرآن والسنة على هذه الأقسام.
يتناول الدرس أسباب الاختلاف ونتائجه، حيث يشير إلى أن الاختلاف قد يؤدي إلى سفك الدماء والعداوة والبغضاء، ويذكر أن البغي هو مصدر الاختلاف كما جاء في القرآن الكريم.
يختتم الدرس بالإشارة إلى اكتفاء المعلومات الحالية مع الإعلان عن إمكانية التطرق إلى تفاصيل إضافية في درس لاحق، ويبين أن كل مجتهد يؤجر على اجتهاده وأن الحق واحد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: بعدما تكلم عن اختلاف التنوع وبعض أمثلته، قال: وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان إما في الأصول وإما في الفروع، عن الذي قال فيه المخالف: مبتدع أو كافر أو كذلك مخالف للأدلة. قال: إما في الأصول وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد، وإلا فمن قال: كل مجتهد مصيب، فعنده هو من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد. وهذا الكلام غير صحيح، معناه: كل مجتهد مصيب غير صحيح، لكن غالبًا المصيب واحد؛ لأن الحق واحد، فلهذا الذي يقول: إن كل مجتهد مصيب ليس صحيحًا، لكن يقول: كل مجتهد مأجور، كل مجتهد يؤجر على اجتهاده؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد»، فلهذا كل مجتهد -المراد المجتهد- هو الذي قد بلغ أو عنده الأهلية للاجتهاد، ليس كل أحد. فأما إذا كان ليس من المجتهدين وتقصّر آليته عن ذلك، فإنه لا يؤجر؛ لأنه دخل في باب ليس له. قال: فهذا الخطب فيه أشد؛ لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرًا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق في حق ما، أو معه دليل يقتضي حقًا ما، ليس كله باطلًا. قوله: لكن فيه شيء من الحق، قال: فيرد الحق في البعض، هذا كله حتى يبقى هذا مبطلًا في البعض، كما كان الأول مبطلًا في البعض. كما رأيت لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة وغيرهم، أن قد يكون عند المخالف شيء من الحق، لكنه أصل مقالته باطلة، ويستدل بشيء من أدلة الكتاب والسنة، لكن ليس مثل أهل السنة الذين يجمعون بين الأدلة. فلهذا مثلًا تجد الخوارج يستدلون بأدلة الوعيد، المرجئة يستدلون بأدلة الرجاء، وهكذا. قالوا: أما أهل البدع، فالأمر فيهم ظاهر، وكما رأيته لكثير من الفقهاء أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه، وكذلك رأيت الاختلاف كثيرًا بين بعض المتفقهة وبعض المتصوفة، وبين فرق المتصوفة ونظائره كثيرة. قالوا: من جعل له هداية نورًا رأى من هذا ما يتبين له، أو ما يتبين له به منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا ابتداءً، لكن ﴿نور على نور﴾، والظاهر: من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. قالوا: هذا القسم الذي سميناه اختلاف التنوع، كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذنب واقع على من بغى على الآخر فيه. وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك. معنى المراد: أن اختلاف التنوع لا ينكر البعض على الآخر؛ لأن كلاهما مصيب، هذا في اختلاف التنوع، وإنما الذنب يقع على من بغى على أخيه، وذنبه ذنبًا شديدًا، أو بدعة في ذلك، أو أتى بكلام فيه شدة، فكل هذا لا يقبل في اختلاف التنوع. وقال: وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك إذا لم يحصل بغي، كما قال جل وعلا: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾؛ لأن بعض الصحابة كان يقطع الأشجار، وبعضهم رأى أن هذا لا يصلح أن تقطع الأشجار، وإنما قطعوا الأشجار لأجل أن يدخلوا من تلك الأماكن، وأن يجدوا مساحة -معنى يأتون بها الكفار- هذا في غزوة بني النضير. ﴿ما قطعتم من لينة﴾ أي: من شجرة، ﴿أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾؛ أن الله عز وجل صوب الطائفتين. قال: وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم وترك آخرون. وكما في قوله جل وعلا: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين﴾ ﴿فهمناها سليمان وكلا آتينا حكمًا وعلمًا﴾، قال: فخص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالعلم والحكم. وكما في إقرار النبي عليه الصلاة والسلام يوم بني قريضة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريضة، أنكلهما النبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليهما. قالوا: كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». ونظائره كثيرة، وهذا الحديث في الصحيحين، حديث أبي هريرة. قالوا: إذا جعلت هذا قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام. أنا إذا جعلت هناك قسم وهو اختلاف الأفهام، صار الاختلاف ثلاثة أقسام. وشيخ الإسلام كأنه أدخل اختلاف الأفهام أدخله في اختلاف التنوع. قال: واختلاف الأفهام هو أن يفهم الإنسان من النص ما فهمه منه، كل واحد يفهم من النص ما يحتمله النص، فإن كان هذا الفهم لا يحتمله النص، فهو يعتبر من التضاد. قالوا: أما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله، فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وهم المؤمنون، وذم فيه أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾، أنا هذا اختلاف التضاد؛ فإنه يحمد طائفة، يثني عليها، ويذم طائفة، إلى قوله: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾ ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾، فقوله جل وعلا: ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾ حمد لإحدى الطائفتين وهم المؤمنون، وذم الأخرى. وكذلك قوله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ إلى قوله: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، فهنا الله عز وجل ذم الكافرين، وأثنى على المؤمنين. قال: مع ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنها أنزلت في المقتتلين يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة، والذين بارزوهم من قريش، وهم عتبة وشيبة والوليد. وهذا كما ذكر شيخ الإسلام في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول، أي: من قسم التضاد. وكذلك أقول: من القسم الأول هو التنوع. قالوا: كذلك آل إلى سفك الدماء، مع أنه اختلاف تنوع، واستباحة الأموال، والعداوة، والبغضاء؛ لأن أحد الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك. وكذلك جعل الله مصدره البغي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم﴾؛ لأن البغي مجاوزة الحق. وذكر هذا في غير موضع من القرآن؛ ليكون عبرة لهذه الأمة. وقريب من هذا ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فأمرهم بالامساك عما لا يؤمرون به، معللًا بأن سبب هلاك الأولين إنما هو كثرة السؤال -أي: كثرة السؤال فيما لا ينفع- قال: ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية، كما أخبر الله عن بني إسرائيل من مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره. في كثرة سؤال مع الصفات -البقرة- لكن هذا الاختلاف على الأنبياء -هو الله أعلم- مخالفة الأنبياء، كما يقول: اختلف الناس على الأمير إذا خالفوه، عن إذا خالفوا الأمير، فهذا الاختلاف الذي ذكره الله عز وجل، وهو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم «واختلافهم على أنبيائهم» أي: أنهم خالفوا أنبياءهم. قالوا: الاختلاف الأول: مخالفة بعضهم بعضًا، وإن كان الأمران متلازمين، أي: إذا خالف النبي، فمعنى ذلك أنه مخالف للطائفة التي هي على الصواب، أو أن الاختلاف عليه هو الاختلاف ما بينهم، فإن اللفظ يحتمله. ولهذا يقول العلماء: في أهل البدع مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب. قال: ثم الاختلاف كله قد يكون في التنزيل والحروف، كما في حديث ابن مسعود. وقد يكون في التأويل، كما يحتمله حديث عبد الله بن عمر، فإن حديث عمرو بن شعيب يدل على ذلك. إن كانت هذه القصة، وإن شاء الله تعالى نذكر هذا في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.