التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 1

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حياة الحافظ ابن حجر ونشأته العلمية

المقطع الأول يتحدث عن حياة الحافظ ابن حجر العسقلاني ونشأته العلمية ومؤلفاته، مع التركيز على كتابه نزهة النظر في شرح نخبة الفكر.

مقدمة كتاب نزهة النظر وتأصيل علم الحديث

يبدأ المؤلف كتابه بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي، ثم يعدد بعض الكتب الهامة في علم الحديث مثل كتاب المحدث الفاصل ومعرفة علوم الحديث.

تطور كتب علوم الحديث عبر العصور

المقطع يتحدث عن تطور علم الحديث وكتبه عبر مؤلفات علماء مثل الخطيب البغدادي وابن الصلاح، مع التركيز على كتاب 'مقدمة ابن الصلاح'.

تسمية الشرح وبيان منهج التأليف

شرح المؤلف لكتابه مصطلح أهل الأثر وتلخيصه في كتاب سماه نخبة الفكر، مع الإشارة إلى أن التلخيص جاء في أوراق قليلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإني أبتدئ القراءة في هذا الكتاب، كتاب "نزهة النظر في شرح نخبة الفكر" للحافظ أحمد بن علي بن حجر، رحمه الله، المتوفى سنة 852 للهجرة. وقبل ذلك، نقرأ لبذة من ترجمته، رحمه الله، لنعلم مدى منزلته وعظيم مكانته. فهو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن حجر الكناني العسقلاني الشافعي. ولد في شهر شعبان سنة 773 على شاطئ نيل مصر القديمة. نشأ رحمه الله يتيما، حيث مات أبوه وله من العمر أربع سنوات، وكانت أمه قد ماتت قبل ذلك. دخل الكتاب وهو ابن خمس سنين، وأكمل حفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره. وصل بالناس التراويح في الحرم المكي سنة 785، وله من العمر اثنا عشر عاما. وكان حينذاك مع وصيه، وهو زكي الدين الخروبي. كان له من النهبة العلمية الشيء الكثير، فبعد حفظه القرآن، كتب شيئا من مختصرات العلوم، وسمع بعض كتب السنة، ك"صحيح البخاري" وغيره. فلما قارب العشرين، فاق أقرانه في فنون الأدب، ونظم الشعر الرائق، وكتب النثر الفائق، واهتم بالتاريخ وعلومه. ولما بلغ من العمر عشرين عاما، حبب الله سبحانه إليه علوم السنة النبوية، فأقبل عليها إقبالا عظيما، سماعا وقراءة ومشاركة. وقد رحل رحمه الله تحصيلا للعلم وتطلبا للشيوخ إلى كثير من البلدان، غير مكتف بمصر وعلمائها. فسافر إلى اليمن والشام والحجاز، وأخذ العلم عن مشاهير علمائها. بلغ عدد شيوخه سماعا وإجازة وإفادة نحو الخمسمائة شيخ في سائر العلوم والفنون، وبخاصة الفقه والحديث. ومن مشايخه: عفيف الدين النشاوري، المتوفى سنة 790، ومحمد بن عبد الله المكي، المتوفى سنة 717، وأبو الحسن الهيثمي، المتوفى سنة 807، وابن الملقن، المتوفى سنة 804، وسراج الدين البلقيني، المتوفى سنة 805. وغذاء الأميذ، رحمه الله، كثر، ومصنفاته كثيرة، منها: "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، و"تهذيب التهذيب"، و"لسان الميزان في رجال الحديث"، و"التلخيص الحبير"، و"الدرر الكامنة"، والتغلية التعليق، و"إنباء الغمر بأبناء العمر"، وغيرها من المصنفات والمؤلفات التي تدل على غزارة علمه، رحمه الله. وإن كان المصنف، يعني، قد وقع في شيء من الزلل في بعض المعتقد، فقد تابع الأشاعرة في بعض مسائل الاعتقاد في نفي الصفات. وهو بهذا، يعني، كان مجتهدا، فقد أخطأ، وبين العلماء خطاه في هذه المسألة. ومن أولئك العلامة ابن باز، رحمه الله، في تعليقه على "فتح الباري". فكان رحمه الله، يعني، ممن يذب عن السنة ويدافع عنها، لكن زل في هذه المواضع، فبين العلماء خطاه فيها، مع بيان عظيم منزلته وعظيم مكانته في العلم، وكذلك في الدين. فرحمه الله جل وعلا رحمة واسعة. هذا الكتاب الذي هو "نزهة النظر في شرح نخبة الفكر" للحافظ ابن حجر، يعتبر من الكتب النافعة في علم الحديث، التي لا يستغني عنها طالب علم، لما حوته من مسائل كثيرة من مسائل المصطلح، وما فيها من تحقيقات. إذ أن مؤلفها هو الحافظ الذي لقب بهذا اللقب، واشتهر رحمه الله بتحقيقاته في علم الحديث، وشعة علمه، وطلاعه، وحافظته، رحمه الله رحمة واسعة. ولذلك كثرت شروح هذا المؤلف بين مطول ومختصر، وبين نثر ونظم، مما يدل على أهمية هذا المؤلف عند أهل العلم. والكتاب كلما كان له قيمة وله منزلة، فإن العلماء يقبلون عليه ويهتمون به في شرحه وتنقيحه وتدريسه وتعليمه. فلما يكثر أو تكثر شروح العلماء على كتاب من الكتب، يعلم أهمية هذا الكتاب عند أهل العلم. ولذلك، كما سمعتم، كثرت شروح هذا الكتاب بين مطول ومختصر. ولو لخشية الإطالة، ذكرنا جملة من المصنفات المؤلفة في شرح هذا الكتاب، من منثور ومنظوم. لكن حسبنا أن نذكر شيئا منها على سبيل التذكير، لا على سبيل الحصر. من شروحها غير شرح الناظم، رحمه الله: شرح كمال الدين الشمني، المتوفى سنة 821، وسمى كتابه "نتيجة النظر". وهكذا أبو الفضل أحمد بن صدقة القاهري، متوفى سنة 950، في كتابه "عنوان معاني نخبة الفكر". وكذا محمد عبد الرؤوف المناوي، المتوفى سنة 1031، وغيرهم. وكذا من المنظومات: بما نظم هذا المؤلف كمال الدين محمد بن محمد الشمني، وشهاب الدين الطوفي، وهو تلميذ الشمني، وكذلك أيضا شهاب الدين بن صدقة، وغيرهم. فهذا مجرد إشارة، وإلا فكما سمعتم، الشروحات عليها كثيرة. والحافظ رحمه الله ألف إختصاره "النخبة" وهو مسافر، كما ذكر من الوزير اليماني، رحمه الله، ونقل عنه الإمام الصنعاني في منظومته "إسبال المطر نظم نخبة الفكر". وقال في نظمه: "وبعد فالنخبة في علم الأثر، مختصر يحبذ من مختصر، ألف الحافظ في حال السفر". قال الإمام السخاوي، رحمه الله، حول "نزهة النظر": قال السخاوي في "الجواهر والدرر": "وهو شرح لكتاب نخبة الفكر السابق، يقع في مجلد لطيف، دمجها فيه". وقد كان عظيم الفائدة، حيث تنافس الفضلاء من أبناء الإسلام، عربا وعجما، في تحصيله والاعتناء به، ونسخه الكثير من الشيوخ وطلاب العلم. قال المصنف، رحمه الله: "الحمد لله الذي لم يزل عليما قديرا، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس بشيرا ونذيرا، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت، وبوسطت، واختصرت". فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل"، لكنه لم يستوعب. فبدأ المصنف رحمه الله رسالته بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، وذلك بقوله: "الحمد لله"، أي الحمد والثناء على الله جل وعلا، مع المحبة والتعظيم. والله في رفض الجلال للاستحقاق، أي المستحق للحمد هو الله سبحانه وتعالى وحده، الذي لم يزل عليما قديرا، أي متصفا بالعلم، وكذلك متصفا بالقدرة، الذي كذلك له الصفات الأسمى والصفات العليا. ثم صلى على النبي عليه الصلاة والسلام، وثنى بذلك ليحصل له شرف أو أجر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضا لحصول البركة في التأليف. فإنه يحسن بالمتكلم إذا تكلم بخطبة أو كلمة أو ألف مؤلفا أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام بعد الحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، ليحصل له بذلك البركة في كلمته أو في تأليفه. قال: "وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس بشيرا ونذيرا". صلى الله صلاة الله على عبد ثناء عليه بالملأ الأعلى. كما قال أبو علي الرياحي، رحمه الله، كما ذكر البخاري في "صحيح" تعليقا. وقال ابن القيم، رحمه الله: "صلاة الله على عبد ثناءه"، قال: هو بمعنى الحنو والعطف، بمعنى الحنو والعطف. وهذا معنى أعم من معنى الثناء، فهو يشمل الثناء، وزيادة حنو الله وعطفه على عبده، يعني ثناء عليه ونصرته له وتأييده. وهذا معنى أعم وأشمل. فأنت تقول: "اللهم صلي على محمد"، أي أثني عليه واحن عليه واعطف عليه وانصره وأييده إلى آخره من هذه المعاني العظيمة. أرسله الله إلى الناس، يعني إلى جميع الناس، العجم والعرب، الإنس والجن. قل: "يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا"، وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، بشيرا لمن آمن به واتبعه بالجنة والفوز بنعيم الله، ونذيرا لمن عصاه وكفر به بالعذاب والنار والجحيم. قال: "وعلى آل محمد وصحبه". آل محمد، أي أتباعه، أتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وأول ما ينقل في ذلك هم أهل بيته عليه الصلاة والسلام. فالآل يطلق على الأتباع، ويطلق على الأهل. لكن يحمل لفظ الآل على معنى الأتباع ليكون أعم في المعنى وأشمل. كما قيل: "آل النبي هم أتباع ملته، من كان منهم من عرب ومن عجم". لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الطاغ أبي لهب. فإذا الآل هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ممن آمن به واتبعه. وأول من يدخل ذلك دخولا أوليا هم آل بيته عليه الصلاة والسلام. أم يدعى لهذا المعنى أن الآل يطلق إراد به الأتباع قول الله عز وجل: "ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون"، يعني أتباعه، "أدخل آل فرعون أشد العذاب". قال: "وسلم تسليما كثيرا". أما بعد، وهذا انتقال من الحمد والثناء إلى ذكر. ومعنى: "مهما يكون من شيء بعد". قال: "فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت". التصانيف جمع مصنف، وهو يعني ما جمع مسائل متنوعة من العلوم. فيذكر المصنف رحمه الله أن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث كثيرة، يعني من ألف في علم الحديث وذكر مسائل الحديث فقد كثرت المصنفات. وبوسطت واختصرت، يعني منها ما هو موسع قد بوسطت فيه المسائل، ومنه ما هو مختصر ذكر منها الشيء اليسير والقليل. قال: "فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي". وهو الحسن بن عبد الرحمن في كتابه "المحدث الفاصل"، واسم تمام كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي". وقوله المصنف هنا: "فمن أول من صنف"، قال الملاّ للقراء، رحمه الله: "وهذا يشعر بوجود تعدد التصانيف في قرن القاضي، وعدم تحقق الأولية". يعني إذا هو من أول من صنف ابتداء، لكن ممن يعني سبق في التصنيف ممن سبق في التصنيف في علم الحديث. قالوا: "لكنه لم يستوعب"، يعني ما ذكر كل أنواع الحديث، لم يذكر كل أنواع الحديث. قال: "لم يأتي بإصطلاحات كلها". لأنه من أول من صنف في هذا العلم. وأما أول من صنف في علم الحديث، فالأكثر على أنه ابن جريج، وقيل مالك، وقيل ربيع بن صبيح. وكتابه "المحدث الفاصل" يعني كتاب حسن. قال الإمام الذهبي، رحمه الله: "ما أحسنه من كتاب". وقيل: "إن السلف كان لا يكاد فارق كمه"، يعني في بعض عمره، هذا الكتاب. فهو يعتبر يعني كتابا نافعا في بابه. قال: "والحاكم أبو عبد الله النيسابوري". وهو كتابه "معرفة علوم الحديث". قال: "لكن لم يهذب ولم يرتب". لم يهذب ولم يرتب، يعني التهذيب التنقيح والتصحيح. فلم يحصل ذلك في كتاب الحاكم، رحمه الله. فلم يهذب ولم يرتب، أي لم يرتب، يعني ما ذكر علوم الحديث مرتبة، لم يذكرها مرتبة. فربما يعني ذكر شيء قبل أن يذكر ما هو قبله، فحصل شيء من عدم الترتيب. فمثلا بدأ بذكر العالي والنازل من صفات الإسناد، ثم أتبعها بنوعي صدق المحدث، وهو يعني بحث يتعلق بالراوي، ثم المسانيد والأسانيد، شيء يتعلق بالسند، يعني هكذا يذكر أحيانا شيء يتعلق بالأسانيد، شيء يتعلق بالراوي، فلم يصر فيه الترتيب. قال: "وتلاه أبو نعيم الأصبهاني، فعمل على كتابه مستخرجا، وأبقى أشياء للمتعقب". أبو نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله. قال: "عمل على كتابه"، أي على كتاب الحاكم، مستخرجا، وسماه "معرفة علوم الحديث على كتاب الحاكم". وقال: "وأبقى أشياء للمتعقب"، يعني الذي يأتي بعده ويتعقب عليه بأشياء قد فاتته. قال: "ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي أحمد بن علي بن ثابت". وصفه الإمام الذهبي، رحمه الله، بأنه "خاتمة الحفاظ". بأنه خاتمة الحفاظ. قال: "وصنف في قوانين الرواية كتابا سماه الكفاية". وهو "الكفاية في علم الرواية"، طبع عدة طبعات، وهو يعني يعرض فيه تفصيلا للشروط الواجب توفرها في عالم الحديث، في هذا الكتاب. قالوا: "وفي آدابها كتابا سماه الجامع لآداب الراوي لآداب الشيخ والسامع". الجامع لآداب الشيخ والسامع، وأيضا المطبوع، ذكر فيه شيء من آداب العالم والمتعلم. قال: "وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا". يعني الخطيب البغدادي، رحمه الله، ما من فن إلا وألف فيه مؤلفا. وذكر يعني جملة من المصنفات للخطيب، وتكلم عليها الإمام الذهبي، رحمه الله، في كتابه "السير" في كتابه "سير أعلام النبلاء" في المجلد الثامن عشر. وكذلك أيضا هناك كتاب اسمه "الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها"، للأستاذ يوسف العش تكلم على مصنفات الخطيب، وبلغت عدد المصنفات للخطيب، رحمه الله، واحدا وسبعين مؤلفا. واحدا وسبعين مؤلفا، بعضهم أوصلها فوق الثمانين. قال: "فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة". أبو بكر بن نقطة، ومحمد بن عبد الغني بن شجاع البغدادي، المتوفى سنة 629. قال: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه". قال: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه"، يعني ما جاء أحد بعد الخطيب إلا وانتفع من كتب الخطيب في علوم الحديث، فنونه. قال: "ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا الحظ أو من هذا العلم بنصيب". يعني من جاء بعدهم من المحدثين، وأخذ من علم الحديث بنصيب، يعني حظا وافرا. قال: "فجمع القاضي عياض كتابا لطيفا سماه الإلمع". وتمام اسمه "الإلمع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع". هو مطبوع هذا الكتاب، تعريف القاضي عياض، وهو عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي. قال: "وأبو حفص الميانجي جزءا سماه ما لا يسع المحدث جهله". أبو حفص الميانجي، هذا اسمه عمر بن عبد المجيد القرشي الميانجي، والميانجي، وهذا نسبة إلى بلد بأذربيجان، نسبة إلى بلد بأذربيجان. قطوفه سنة 581 للهجرة. قال: "ومثل ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبوسطت ليتوفر علمها، واختصرت ليتيسر فهمها". إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمر عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري، نزيل دمشق. فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية، وهي المدرسة الأولى التي بنيت سنة 628. هناك مدرسة أخرى يقال لها الأشرفية كذلك، لكنها الثانية، بنيت سنة 634. وهذا كما في كتاب "الدارس في تاريخ المدارس" للنعيمي. قال: "كتابه المشهور". فهذب فنونه وأملاه شيئا بعد شيء. كتابه المشهور، أي كتاب "معرفة علوم الحديث" للحافظ ابن الصلاح، واشتهر هذا الكتاب باسم "مقدمة ابن الصلاح"، مقدمة ابن الصلاح، أو يسمى أيضا "علوم الحديث". قال: "فهذب فنونه وأملاه شيئا بعد شيء". الإملاء يعني الإلقاء، الإلقاء يكون يلقيه على التلاميذ بدروس، درس بعد درس، هكذا حتى يكتمل. قال: "فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب". يعني الإلقاء الدروس ليس كالتصنيف والكتابة من حيث التحقيق والتدقيق والترتيب. فلهذا لما كان إلقاء هذا الكتاب، كان عبارة عن إملاء يلقيه بصوته دروسا على الطلاب، لم يحصل فيه الترتيب على الوضع المتناسب المطلوب. كما أن المصنف، إذا أراد أن يصنف أولا يضع شيء في ذهنه طريقة يمشي عليها، ثم يكتب ويؤلف، فيكون التصنيف في شيء من التدقيق والترتيب. قال: "واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة". يعني ابن الصلاح اعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمعها في هذا الكتاب. قال: "فجمع شتات مقاصدها"، يعني المتفرق من مصنفات الخطيب جمعه ابن الصلاح في هذا الكتاب. قال: "وضم إليها من غيرها نخب فوائدها". ضم إليها من غيرها نخب فوائدها، النخب جمع نخبة، وهو الشيء المختار، الشيء الذي يختار وينتخب. قال: "فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره". يعني اجتمع في كتاب ابن الصلاح ما تفرق في غيره من كتب الحديث، من فنون علم الحديث وتقاسيم الحديث. فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره. عكف الناس، يعني أقبلوا على كتاب ابن الصلاح ملازمة وقراءة وتعليما وتعلما. قال: "وساروا بسيره"، يعني بطريقته التي سار عليها. قال: "فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر". فلا يحصى، يعني كثير، ممن نظم كتاب ابن الصلاح، كمناظم له، النظم يعني يجعله شعرا، كالعراقي، رحمه الله، وهكذا القاضي شهاب الدين المدلي. ومختصر، يعني اقتصر كتاب ابن الصلاح، كالنووي في كتابه "التقريب"، هو اقتصار لكتاب الحافظ ابن الصلاح. وهكذا أيضا الإمام ابن كثير في "اقتصار علوم الحديث"، هو اقتصار لهذا الكتاب. قال: "ومستدرك عليه"، يعني استدرك على الإمام ابن الصلاح بأن زاد أشياء لم يذكرها ابن الصلاح، كالإمام البلقيني، رحمه الله، في كتابه "محاسن الاصطلاح"، زاد أشياء على ابن الصلاح. وهكذا أيضا مغلطاي في كتابه "إصلاح ابن الصلاح". قال: "ومستدرك عليه ومقتصر". مقتصر يعني ترك أشياء مما ذكرها ابن الصلاح. قال: "ومعارض له ومنتصر". يعني من جاء يعارضه ويناقش ويخالف ببعض المسائل، كابن أبي الدم، يعني أتى بكتاب مثل كتاب ابن الصلاح، واعترض عليه في بعض الألفاظ المعاني، ورتب أبوابه. ومنتصر، كالحافظ ابن حجر، رحمه الله، المصنف، وشيخه العراقي، فقد انتصر لابن الصلاح. قال: "فسألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك". قيل: الذي سأله هو عز الدين بن جماعة، وقيل محمد بن محمد الزركشي. قال: "أن ألخص له المهم من ذلك"، يعني من علوم الحديث. قال: "فلخصته". قال: "فلخصته في أوراق لطيفة"، لطيفة يعني قليلة يسيرة، سميتها "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر". سمى هذا الشرح "نخبة الفكر". إذن، طيب. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.