الدرس في القواعد والأصول الجامعة 27، الدرس السابع والعشرين : فيه من قوله ( ومن فروعها أن الأوقاف يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين ... عملاً بالعرف إلا بينة تشهد بخلاف ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن القاعدة التاسعة من القواعد الجامعة لابن السعدي، وهي الرجوع إلى العرف والعادة في تحديد مصاريف الوقف. يشرح أن الأوقاف يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع.
يناقش العرف الخاص والعرف العام في الوقف، ويبين أن العرف الخاص مقدم على العرف العام. يجب مراعاة عدم مخالفة العرف للشرع عند تحديد مصاريف الوقف.
يناقش أحكام الوقف وتصرفات الواقف، ويشرح أن شروط الواقف يجب أن لا تتعارض مع الشرع. كما يتطرق إلى قاعدة الحكم باليد والمجارات في النزاعات على الأملاك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في القاعدة التاسعة من القواعد الجامعة التي ذكرها الشيخ العلام عبد الرحمن الناصر بن السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد الجامعة". قال رحمه الله تعالى: «ومن فروعها» أي من فروع هذه القاعدة. وما هذه القاعدة؟ نحن في أي قاعدة الآن؟ العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم في الشارع به ولم يحده. طيب، قال: «ومن فروعها أن الأوقات يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع». فإن جهل شرط الواقف أو جهل شرط الموكث، رجع في ذلك إلى العادة والعرف الخاص، ثم إلى العرف العام في صرفها في مصارفها. يعني ومن مسائل هذه القاعدة: العادة محكمة، أن الأوقاف يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع. وبه نعلم أن شروط الواقفين تنقسم إلى قسمين: شروط تخالف الشرع، وشروط لا تخالف الشرع. مثال الشروط التي تخالف الشرع: لو أن الواقف وقف وقفًا -مثلا- على بدعة من البدع أو على قبر من القبور، فهذا القبر ليس مما أجازه الشرع أن يتوقف له الوقف، بل هذا شيء خالف الشرع. إذن، ماذا يصنع إذا كان الأمر كذلك؟ لا تنفذ هذه الوصية وهذا الشرط للواقف، ويغير إلى وقف آخر هو أنفع للميت ويصح على الوجه الشرعي. وإذا لم يخالف الشرع، فلا بأس بالالتزام لشرط الواقف، كأن يقول الواقف -مثلا-: هذه المزرعة أريدها للأيتام فقط، ثمر هذه المزرعة أريدها للأيتام، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأنه شيء أحله الشرع. فإن لم يكن هناك شيء من الشروط، قال: «فإن جمل شرط الموقف رجع بذلك إلى العادة». جمل شرط الموقف الذي أوقف الوقف يرجع بذلك إلى العادة. مثلا، رجل أوقف ماء أو عمل ساقية -يعني حفر حفرة لتجمع الماء- أو عمل سد صغير بين الجبال لتجمع الماء، ولم يذكر شرطًا في هذا الماء، ما ذكر شرطًا، ما قال لمن هذا الماء يريده. فهل في ذلك شرط يرجع إليه؟ يقول: «فإن جمل شرط الموقف رجع بذلك إلى العادة». فمثلا، العادة في البدو القريب أنهم يجعلون هذا الماء للشرب وما كان بمعناه، لا يجعلونه للاستحمام، خصوصا إذا كان الماء قليلا. فإذا هل يرجع بهذا إلى العرف أو لا يرجع؟ الجواب: نعم، يرجع بذلك إلى العرف. فصار العرف الآن مصدرًا عرفنا به مثل هذه المسألة التي أشكلت علينا. فهي قاعدة من القواعد الفقهية التي يرتاح إليها: العادة محكمة. قال: «فإن جمل شرط الموقف رجع بذلك إلى العادة والعرف الخاص». لماذا قال: العادة والعرف الخاص؟ لأنه قد يختلف العرف العام والعرف الخاص، فيوجد ربما عرف عام بين الناس عموما، وعرف خاص ببلدة معينة. فالعمل بالعرف الخاص مقدم على العمل بالعرف العام؛ لأن هذا هو أقرب من نية الواقف؛ لأنه من أهل هذه البلدة، ولأنه في الغالب لا يكون عرفًا في بلد معين خاصًا إلا وهو في الغالب مما ينتفع به أهل ذلك البلد. فمثلا، يوجد في بعض البلاد في مثل هذا الوقف -مثلا- الكريف في بعض البلاد يكون الماء للاستعمال والشرب وشرب الناس وشرب الدواب وغير ذلك، وفي بعض البلاد لا، إنما هو لشرب الناس وشرب الدواب فقط، ولا يسمح به للاستحمام. طيب، إذا تعارض العرف العام والعرف الخاص، فبماذا يعمل؟ بالعرف الخاص. يعمل بالعرف الخاص. طيب، فإذا لم يكن هناك عرف خاص -مثلا- قرية قريبة من مدينة، وأهل هذه القرية ما يعرفون لأنفسهم عرفًا، فماذا يصنعون؟ لا بأس أن يرجعوا إلى العرف العام. لا بأس أن يرجعوا إلى العرف العام إذا كان هناك عرف عام، يعمل بالعرف العام في ذلك. ومنه كذلك لو أن إنسانًا مسافرًا مر في مكان ووجد فيه كريف -تعرفون هذا الكريف- الماء الذي يجتمع إما بسد صغير وإما بحفر أو نحو ذلك، فوجد ماء، فهنا ما يدري هل هذا الماء للشرب فقط أو للشرب والاغتسال؟ فهل يجوز له أن يغتسل فيه وهو يعرف أن من العرف ما يكون فيه مانع يمنع من الاغتسال؟ الجواب: لا، يأخذ بالأحوط. وهذا أمر ثالث، وهو إذا تعارض العرف العام والعرف الخاص ولم يدر وجاهل الإنسان، أخذ بأحوط العرفين. فمثلا، هذا الرجل عبر عند هذا الماء وأراد أن يغتسل وهو يعرف أن في عرف بعض الناس أنه لا يصلح للاستحمام، فهل يصلح له أن يغتسل؟ الجواب: لا يغتسل للأحوط. إلا أن يسأل، سأل أهل هذه البلدة ومن حولها من الرعاة ومن كان بمعنى هؤلاء: هل يجوز للإنسان أن يغتسل بهذا؟ تأذنون؟ قالوا: نأذن، يغتسل. وإذا قالوا: لا يأذنون، فيمتنع من ذلك. طيب، وهذا هو شيء آخر كذلك في نفس المسألة، وهو إذا كان العرف الخاص أو العام يعارض الشرع. إذا كان العرف الخاص أو العام يعارض الشرع، هل يجوز العمل بالعرف على خلاف الشرع؟ الجواب: لا، إذا كان يقتضي الشرع فلا يجوز. مثاله: لو كان الماء كثير ومع ذلك يمنعون من الاستحمام الواجب، يقولون: لا، العرف عندنا هذا للشرب فقط، لا يجوز الوضوء ولا يجوز الاستحمام. سبحان الله، كيف هذا الكلام؟ هل نترك ما أمر الله الذي أتى بهذا الماء قادر على أن يأتي به مرة أخرى؟ فالغسل للجنابة لابد منه، لابد من الاستحمام من الجنابة ما دام الماء موجودًا. نلتزم من الجنابة وليس نحن في قحط عام حتى نخاطر على أنفسنا من الهلاك. لا، لو انتهى الماء توجد سيارات ويوجد آبار قريبة ممكن أن ينقل منها الماء. فإذا لابد من هذا الأمر الشرعي. فإذا عارض العرف الحكم الشرعي، فماذا نقدم؟ نقدم العرف أو الحكم الشرعي؟ نقدم الحكم الشرعي. لا يجوز لنا أن نقول: خلاص صاحب الماء قال ماذا لأحد إلا أن يشرب منه فقط. نقول: نعم، لكن بشرط ماذا أن لا يخالف الشرع. كما مر معنا في أول الأمر، قال في أول الأمر: «وأن الأوقاف يرجع بمصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع». فإذا خالف شرط الواقف الشرع، فإنه لا يعتد بشرطه. لو قال الواقف: أنا أجعل هذا الماء للشرب فقط، مع أن الماء كثير، ربما أحيانًا تكون بحيرة، لا بأس أن يمنع من الاستحمام فيها. لا بأس أن يمنع من العبث بالاستحمام غير الواجب. لا بأس من هذا. لكن الغسل الواجب لا يجوز أن يمنع من الوضوء، لا يجوز أن يمنع من الاستحمام. بل يجب أن يسمح على ذلك، يسمح بالوضوء ويسمح بالاستحمام من الجنابة. فإن قال قائل: سينتهي الماء. نعم، إذا انتهى سيأتي الله عز وجل بشيء آخر. والله أرحم بنا من أنفسنا، فهو الذي أمرنا سبحانه بالوضوء، أمرنا بالغسل. وإنما يسقط الوضوء والغسل عند عدم الماء، أما مع وجود الماء فلا يسقط. ليس هناك الآن ماء قليل إن استخدمته للغسل مع ماء لن تشرب. لا، ماء كثير تغتسل وتشرب، مع ذلك يبقى. قال رحمه الله: «ثم إلى العرف العام في صرفها في مصارفها». وهذا انتهينا منه. قالوا: من ذلك الحكم في اليد والمجارات لمن كان بيده عين يتصرف فيها مدة طويلة تصرف الملاك بأنها له عملا بالعرف، إلا ببينة تشهد بخلاف ذلك. كذلك من هذه الفروع التي يعمل فيها بهذه القاعدة: الحكم باليد والمجارات لمن كان بيده عين يتصرف فيها مدة طويلة تصرف الملاك -يعني بأنه مالك-. فإذا اختلف اثنان في عين معينة، أحد ما يقول: هذا لي. والآخر يقول: هذا لي. وهذا ليس عنده بينة. وهذا ليس عنده بينة. وهذا مستعد أن يحلف. وهذا مستعد أن يحلف. فهنا يقولون: أنه يرجع في ذلك إلى من بيده من بيده تلك العين، وكان يتصرف فيها تصرف الملاك، فهي له. مثل الأرض يوجَد بعض الجهات أراضي متنازع بها، يكون هذا الإنسان له عشرات السنين وهو في هذه الأرض، معروف أن فلان بن فلان هو قاعد في هذه الأرض عشرات السنين. فيظهر في السنوات الأخيرة أناس نازعون في هذه الأرض ويزعمون أن الأرض لهم، وليس عند هذا بينة، وليس عند هذا بينة. فالأرض تبقى لمن؟ لمن تصرف فيها تصرف الملاك -يعني- هذه السنين الكثيرة التي مضت. فالأرض تبقى له. وما قلنا ذلك لو هذا أتى ببينة، وهذا أتى ببينة، ولا ترجيح بين البينتين، وهذا أتى بشهود، وهذا أتى بشهود. فالذي بيده الأرض هو المالك لها. وهذا تنازع في شيء، وكان الشيء بيد أحدهما أحد الفرقين. فإن إذا لم تكن هناك بينة، فتبقى لمن بيده، إلا إذا أتى ببينة. إذا أتى ببينة فللكان يأتي ببينة والآخر ليس عنده بينة. وهنا يعمل بهذه البينة. وقوله رحمه الله: «بأن له عملا بالعرف لا ببينة تشهد بخلاف ذلك» يعني تكون هذه له إلا إذا أتى ببينة تشهد بخلاف ذلك. فلو أن إنسانًا بسط على أرض سنين طويلة وزعم أنها له، ثم أتى إنسان وأتى ببينة تدل على أن هذه الأرض له، وليس عند الآخر الذي فوق الأرض بينة، فهي للآخر. وهنا تفاصيل تذكر في مثل هذه المسألة: مسألة الخلاف على الأعيان، يذكرونها في باب البينات واليمين في كتب الفقه. نكتفي بهذا وننتقل للدرس الآخر.