تذكير الساجد بفضل الجماعة وعمارة المساجد

المحاضرة بعنوان تذكير الساجد بفضل الجماعة وعمارة المساجد، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ظهر يوم الأربعاء 5 محرم 1444هـ الموافق 3 أغسطس 2022م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضل صلاة الجماعة وتضعيف أجرها

أخبر النبي ﷺ أن صلاة الرجل في جماعة تُضاعف أجرها بضعاً وعشرين إلى سبع وعشرين ضعفاً مقارنة بصلاته وحده، ويعود تفاوت التضعيف إلى درجة إخلاص المصلي وخضوعه وإحسانه في الوضوء والصلاة. كما أشار العلماء كابن رجب إلى أن إسباغ الوضوء حتى مع المشقة يُعد من أسباب نيل هذا الفضل العظيم.

إسباغ الوضوء في البيت والمشي إلى المسجد

حث النبي صلى الله عليه وسلم على إسباغ الوضوء في البيت قبل الخروج إلى المسجد، مبيناً أن كل خطوة نحو المسجد ترفع درجة وتمحو خطيئة. واعتبر ذلك مع انتظار الصلاة من الرباط الذي يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات.

المكث في المسجد ودعاء الملائكة للمصلي

يروي المقطع قصة بني سلمة الذين أرادوا الانتقال قرب المسجد، فأمرهم النبي ﷺ بالبقاء في ديارهم لأن خطواتهم تُكتب لهم حسنات. ويبين فضيلة الجلوس في المسجد بعد الصلاة، حيث تصلي الملائكة على العبد وتدعو له بالمغفرة والرحمة ما دام في مصلاه، وينقطع الدعاء بخروجه من المسجد.

بشارات عظيمة لعمار المساجد وأهل الجماعات

يذكر المتحدث البشارات الواردة لعمار المساجد وأهل الجماعات ولمن يحافظون على صلاة الجماعة وباقي الصلوات. يدعو الله أن يجعله وإياهم من هؤلاء الفائزين وأن يعينهم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، بشارة عظيمة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمار المساجد، وهكذا لأهل الجماعات والمحافظين على الطهارة والصلوات، ألا وهي ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء نحوه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه ببضع وعشرين ضعفاً»، وجاء في بعضها بسبع وعشرين ضعفاً. وجاء كذلك أيضاً، ذكر أهل العلم ومنهم الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، أن التفاوت في التضعيف يرجع إلى ما في قلب هذا المصلي من الإخلاص، وهكذا الخضوع، وهكذا أيضاً إحسانه في أداء هذه العبادة، فقد يصل التضعيف إلى سبع وعشرين، وقد يصل إلى خمس وعشرين، وقد يصل إلى ثلاث وعشرين، إلى آخر ذلك. قال: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه ببضع وعشرين ضعفاً». قال: وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، وإسباغ الوضوء أي إتمامه على الوجه المطلوب، ولو كان مع ذلك من المكاره ما فيها كحرارة الماء في وقت الصيف وبرودته في وقت الشتاء. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على إسباغ الوضوء، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». وهنا يقول: وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي على المصلي أن يخرج من بيته متوضئاً إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، يتوضأ في البيت ويصبغ الوضوء ثم يخرج إلى المسجد متوضئاً، مع أنه يجوز أن يتوضأ في حنفيات المسجد ودورة مياه المسجد، لكن كونه يخرج متوضئاً هذا أكمل، يخرج من بيته متوضئاً. قال: وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد شيئاً آخر، همه الصلاة والإتيان بها على الوجه الأكمل والأحسن كي تكون مقبولة عند الله عز وجل، فإنما يتقبل الله من المتقين. قال: لا ينهزه إلا الصلاة، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة أي إلى المسجد إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة. وما أعظم هذا يا إخوان، حين أن نخرج من وإلى المسجد ينبغي أن نحتسب هذه الخطوات التي نقطعها، يوم أن ترفع قدم فتضع أخرى، احتسب أنه يرفع لك بذلك درجة ويحط عنك بها خطيئة، ولو كان بيتك بعيداً، انظر كم هي الدرجات التي ستكتب وكم هي الخطايا التي ستمحى، ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وكثرة الخطا إلى المساجد». بنو سلمة، حي من أحياء المدينة وبطن من بطون الأنصار، كانت ديارهم تبعد عن المسجد، فتشاوروا فيما بينهم: لماذا لا ننقل إلى مكان قريب من المسجد؟ فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني سلمة، دياركم تكتب لكم آثاركم»، أي: الزموا دياركم ويكتب الله عز وجل لكم هذه الآثار وهذه الخطوات. «يا بني سلمة، دياركم تكتب لكم آثاركم». قال عليه الصلاة والسلام: «إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة». فإذا صلى، أي كحالتنا الآن، صلى أحدنا الصلاة ثم جلس في مصلاته، ثم جلس في مصلاته يذكر الله عز وجل، يقرأ القرآن، يستمع إلى العلم. قال: فإذا صلى فإن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاة الذي صلى فيه، ماذا تقول؟ تقول: «اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». تدعو لك بإسمك وتدعو لك بشخصك، دعوات يا إخوان، ما ندري لعل الله عز وجل يكتب لنا السعادة في الدنيا والنجاة والنعيم في الآخرة بسببها: «اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». ملائكة تدعو لك، يا أيها المسلم، ما دمت في المسجد. تدري أخي الحبيب متى ينقطع دعاء الملائكة لي ولك؟ أول ما نقوم ونخرج من المسجد، أول ما نقوم ونخرج من المسجد، عندها ينقطع هذا الدعاء، فلنكثر أو نستقل من المكوث في المسجد، فإن دعاء الملائكة لنا على حسب مكثنا في المسجد. قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يزال في صلاة ما كانت الصلاة هي التي تحبسه». وللأسف نحن اليوم في زمن العجلة، الناس مستعجلون، وقت صلاة ليش يؤخروا، يلا قوموا الصلاة، فما دمت تنتظر الصلاة فأنت في صلاة، ما دامت الصلاة هي التي تحبسه. فهذه يا إخوان بشارات عظيمة لعمار المساجد وأهلها، وهكذا لأهل الجماعات، ولي المحافظين على الجمع، وهكذا أيضاً على بقية الصلوات. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم منهم، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه جواد كريم بر رحيم. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.