كتاب الجهاد والسير 1

الدرس في كتاب الجهاد والسير 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الجهاد وأحكامه العامة

الجهاد فرض كفاية يصبح فرض عين في حالات معينة، وله فضائل عظيمة في الكتاب والسنة. يشترط له الإخلاص واذن الأبوين في حالة الجهاد الكفائي.

أحكام وآداب الجهاد في الإسلام

يتضمن أحكاماً مثل الاستعانة بالمشركين في القتال، وطاعة الأمير، ومشاورة الجيش، وتحريم قتل النساء والأطفال والشيوخ إلا لضرورة. كما يشمل دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال.

أحكام الحرب وتحريم بعض الأفعال

يتناول تحريم المثلة والإحراق بالنار، وتحريم الفرار من الزحف، وجواز تبييت الكفار وخداعهم في الحرب دون نقض العهد. هذه الأحكام تبين ضوابط الحرب في الإسلام.

الالتزام بالعهود والمواثيق

أهل الإسلام لا ينقضون العهود، فلا يجوز للقائد أو غيره نقض العهد الذي تم الاتفاق عليه مع الآخرين. هذا يدل على أهمية الوفاء بالعهود في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. قال الإمام الشوكان، رحمه الله، في كتاب الجهاد والسير: قال الجهاد فرض كفاية مع كل بر وفاجر إذا أذن الأبوان، وهو مع إخلاص النية، يكفر الخطايا إلا الدين. فالجهاد مأخوذ من الجهد، ولهذا عرف بأنه بذل الجهد في قتال العدو أو قتال الكفار، وله فضائل عظيمة في الكتاب والسنة. ومن هذه الفضائل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وأيضا جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الأبواب التي يدخل بها العبد الجنة هو الجهاد في سبيل الله. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أنس في مسلم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». وفضائله كثيرة، فالجهاد فرض كفاية، لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وهنا لم يأمر الله عز وجل الناس كلهم بالنفر، وإنما طائفة تكون مع النبي عليه الصلاة والسلام لأجل الجهاد ولأجل أيضا أن يتعلموا دينه. فلهذا استدل العلماء بهذه الآية على أنه فرض كفاية. وأما قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، هذا دل على الوجوب، لكن هذا الوجوب يوجه بالتوجيهين: أن المراد بهذه الآية هو الأمر بالنفر، وإذا أمر الإيمان بالنفر يكون واجب عيني. أنه إذا أمر الناس أن ينفروا تجاه العدو كلهم، فهذا يكون واجب عيني، ومعنى يتحول فرض الكفاية إلى واجب عيني في حالات. ومن هذه الحالات معنى أن يأمر الإيمان بالنفر العام، وإذا استنفرتم فانفروا، فهذا يعتبر فرض عين. والآية تتنزل على ذلك. وجاء أيضا عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة، نسختها قول العز وجل: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إلى آخر الآيات. إلى أن قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، فدل على أن هذه الآية نسخت، أو أن أراد ابن عباس بنسخ أنها خاصة، كما قال الحافظ بن حجر، رحمه الله، معنى: إما المراد بها نسخ الحكم، وإما المراد به تخصيص الحكم، على أن الآية فيها تخصيص الحكم بالنفر، يكون واجب عيني. والوجه الثاني: إما أن تكون منسوخة كليا. فلهذا اتفق أكثر العلماء على أن هذه الآية لا تدل على وجوب الجهاد العيني، وإنما مثل ما ذكرنا. قال: مع كل بر وفاجر، أن الجهاد يكون مع الإمام، وهذا يضمن شروط الجهاد. فهناك شروط للجهاد منها شروط وجوب، ومنها شروط صحة. فمن شروط الوجوب البلوغ والعقل والإسلام، هذه شروط وجوب. ومن شروط الصحة أن يكون هذا ذكرا، الذكورية والحرية على قول الجمهور، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله النساء، قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل على النساء جهاد يا رسول الله؟ قال: نعم جهاد لا قتال فيه الحج». فتبين على أن النساء ليس عليهن جهاد، فلهذا اشترط العلماء الذكورية. وكذلك من هذه الاشتراطات أيضا أن يكون حرا، أن لا يكون عبدا. ومن هذه الاشتراطات أن يكون مع إمام، معنى راية معلومة، إمام معلوم، معنى ما يكون ضد الإمام، إمام المسلمين، إنما يكون معه ولا ينفرد أيضا الناس بغير ذلك. فلابد أن يكونوا مع إمام يقاتلون معه، وهذا الذي مشى عليه أكثر أهل السنة وذكروه في كتبهم في الاعتقاد، على أنه يجاهد مع الإمام، ضالا كان أو فاجرا. ولأنه ما دام أنه يقيم الجهاد فيجاهد معه ولو كان ظالما ولو كان جائرا، فإنه يقاتل معه العدو، إن كان يقاتل عدوا للإسلام. وأما إن كان يقاتل للدنيا، فهذا لا يشارك معه، وليس هو الجهاد، معنا تقاتلون بين المسلمين لأجل أمور دنيوية، فهذا مثل ما حصل أو حصل في التاريخ بين المسلمين، كل واحد يريد أن يكسب أكثر أرضا، فيقاتل ذاك لأجل الأرض، أنه يكسب الأرض، وذاك يقاتله لأجل أن يكسب أرضا أكثر، هذا كله على دنيا، فيتقاتل المسلمون لأجل الدنيا، كل واحد يريد أن يوسع ملكه. قال: إذا أذن الأبوان، إذن الأبوين شرط أيضا، وجعله بعض العلماء شرطا، وجعله بعض العلماء من باب الوجوب. فجاء في حديث عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: «حي والدك؟ قال: نعم. قال: ففيه فجاهد». هذا الحديث في الصحيحين. وقال لرجل آخر: «ارجع فأضحك أمه كما أبكيتهما». فلهذا فلابد من استئذان الأبوين، هذا في الجهاد الذي يكون جهاده فرض كفاية. أما فرض العين، فليس فيه استئذان، فرض العين مثلا مثل جهاد الدفع، عن أن يدفع عن نفسه أو عن أهله من عدو دخل إلى بلاده، هذا يكون فيه جهاد دفع، يكون عينيا على كل أحد من أهلي تلك المنطقة، وكذلك أيضا ما جاء وراءها من القرى والمدن. وأما إذا كان ليس معنى ما تعدوا عليهم، لكن التقوا معهم في مكان، فهذا يعتبر من الجهاد في معنى فرض كفاية. قال: وهو مع إخلاص النية، يكفر الخطايا إلا الدين. فإذا أخلص الإنسان نيته لله، فإنه يكفر الخطايا عنه كلها إلا الدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: «يا رسول الله، رأيت إن قتلته في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ قال: نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك». فيغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين. ثم قال: ويلحق به حقوق العباد، يعني يلحق بالدين أيضا حقوق العباد، فإنها لا تغفر. قاله: لا يستعان فيه بالمشركين، إلا لضرورة. هذه مسألة الاستعانة بالمشركين، جاءت فيها أدلة عامة بالنفي، وجاء فيها أدلة خاصة بالجواز. قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «ارجع فلن استعين بمشرك، فلن استعين بمشرك». هذا الحديث حديث أبي هريرة في مسلم. واستعان النبي عليه الصلاة والسلام بصفوان بن أمية بأدرعه في بعض الحروب. وفي بعض الحروب أيضا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين يصالحون الروم ويقاتلون معهم عدوا غيرهم، وهذا فيه جواز الاستعانة بالمشركين أحيانا للضرورة. وقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بالمنافقين في أحد وغيرها من العدل التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في كتب السير أن الرجل يقال له قزمان، خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرك، فقط ثلاثة من بني عبد الدار، وغيرها من الأدلة الخاصة التي جاءت في هذا على أنه يجوز أن يستعان للضرورة. يجوز، أن يستعان للأصل، أنه لا يجوز أن يستعان بالمشركين، لكن إذا اضطر العدو لأجل إنقاذ أهل الإسلام، وأيضا ضعفت شوكة أهل الإسلام، وهناك من الكفار من سيقوم معهم، لا بأس. بل بعض العلماء يقول: حتى ولو كان من بعض المسلمين أن اعتدى على الآخرين، ولم يستطيعوا أن يدفعوا إلا بالاستعانة بالمشركين، فلا بأس بذلك. قال: ويجب على الجيش طاعة أميرهم إلا في معصية الله. هذا أمير الجهاد، لا بد أن يطاع، مثل أمير الأمير العام. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني». فلهذا يجب على المسلم أن يطيع ولاة أمره، سواء كان الولاة العامة أو ما كان في الجهاد، بل حتى ما كان في السفر، فإنه أيضا يجب أن يطيع أميره. قالوا: على الأمير مشاورة الجيش والرفق بهم، وكفهم عن الحرام. وهذا يضرب له قول الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به». فالرفق مطلوب، وكذلك مشاورة الجيش، مشاورة كبار أهل الحرب، وكبار الناس أهل العقول، وحجج كبار أهل العلم، يشاورون في مسألة الحروب وغيرهم. فأيضا رفق بهم، وكفهم عن الحرام، هذا من النصيحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكفهم عن الحرام. لما وجد امرأة مقتولة، غضب النبي صلى الله عليه وسلم ونهى أن تقتل النساء. قال: ويشرع له أن يذكي العيون، يذكي العيون معناه يرسلهم إلى الحروب أو إلى رؤية أهل الجهاد أو العدو، أن يرسلهم إلى يرون كم العدو عدده، وكيف قوتهم، وكيف كذا. فيرسل العيون، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. وفي يوم الأحزاب، كما جاء في صلى الله عليه وسلم قال: «من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا». قال: ويشرع له أن يرتب الجيوش ويتخذ الرايات والألوية. وهذا بعضهم جعل من شروط الجهاد أيضا أن يكون الإمام ذا خبرة في الحرب، أن يكون الإمام ذا خبرة في الحرب، فيرتب الجيوش على الترتيب الصحيح، ويتخذ الرايات والألوية. الراية هي التي تكون مقدمة الجيش، وغالبا يمسكها القائد، قائد الجيش. والألوية هي التي تكون معناه في أطراف الجيش، حتى يعرف أنه من لواء كذا، فيلتزم لواءه حتى لا يدخل مع الألوية الأخرى. وأيضا يحصل خلط في مسألة الحرب، فكان الناس كل واحد يتبع لواءه، وكلهم أيضا يتبعون الراية التي تكون في المقدمة، حتى هذا الأجل أنه لا يكون في صف العدو، أو لأنه كان الحروب تختلط، هذا يذهب هنا، وهذا يذهب هنا، وهذا يذهب هنا، وهذا. لكن يرون الرايات والألوية موجودة، فيتبعونها، لأنه قد يكون مثلا الإنسان إذا لم يتبع شيء سيدخل في العدو، وسيقتلونه، وما يرى نفسه إلا وهو في وسط العدو. فلهذا الرايات هذه تبين لهم أماكن أصحابهم. وأيضا إذا أرادوا ينسحبوا من الحرب، أنا غالبا كانوا الناس يتقاتلون في النهار، إذا جاء الليل ينسحب، لأنه ما في ضوء كذا. فلهذا كيف ينسحبوا إذا لم تكن هناك رايات أو ألوية، ما يستطيعون، لكن كل واحد يتبع لواءه وينسحبون إلى مكانهم. قال: وتجب الدعوة قبل القتال إلى أحد ثلاث الخصال. هذا جاء في حديث علي وحديث بريدة وغيرهم من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أمير الجيش أن يدعوهم إلى ثلاث: أولا الإسلام، والثاني الجزية، والثالث القتال. قال: «أدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم أدعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما للمهاجرين». وفي الصحيحين عن علي أنه قال: «إنفذ على رسلك فادعهم إلى الإسلام، فإنهم أجابوك وإلا فأمرهم بالجزية، فإنهم أطاعوك وإلا فقاتلهم أو استعن بالله وقاتلهم». فلهذا ذهب جمهور العلماء أن قائد الجيش أولا يدعو الكفار إلى الإسلام. يدعوهم أولا إلى الإسلام، فإن أسلموا وإلا استعان عليهم بالله عز وجل وقاتلهم. قال: ويحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ إلا لضرورة. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ. وما جاء في الصحيحين لما وجد امرأة، ثم في حديث عبد الله بن عمر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان». وقال: «لا تقتل شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة». فإلا إذا كان للضرورة، لكثرة الزحام، وتترس الكفار خلف النساء مثلا، معنى اضطروا إلى قتلهم قتلوهم. أو أنه أن المرأة شاركت معهم في القتال، إذا شاركت معهم المرأة في القتال، فإنها تقتل. كذلك أن تصير محاربة أو محاربة. وذكر هنا المؤلف: أن أبا داود ذكر في المراسيل أن أبا داود ذكر في المراسيل عن أكلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمرأة مقتولة يوم حنين، فقال: «من قتل هذه؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، غنمتها فأردفتها خلفي، فلما رأت الهزيمة في أهليها، فلقمت سيفي لتقتلني فقتلتها». لكنه مرسل، لكن شواهده كثيرة. قال: وتحرم المثلة، المثلة معناه أن يمثل بالعدو، المثلة المراد أن يقطع أجزاءه وأعضاءه، هذا تسمى مثلة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان: ولما قال أبو سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن في أصحابكم مثلة لم أمر بها». أن كان العرب ما يمثلون، ما يمثلون بقتل الآخرين. لهذا لما وجد أبو سفيان مثلة في المسلمين، قال: «وفي بعضكم مثلة لم أمر بها». وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة. أنا يقتل الكافر، أما أنه يقطع أذنه ويقطع أنفه وكذا، فهذا لا يجوز. إلا إذا فعلوا ذلك، إذا فعلوا بالمسلمين ذلك، ممكن يجازون بذلك. قال: ويحرم الإحراق بالنار، أن يحرقون بالنار، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن النار لا يعذب بها إلا الله». حديث أبي هريرة في البخاري. قال: في حديث ابن عباس: «لا يعذب بالنار إلا رب النار». لا يجوز أن يحرق العدو. وأما مسألة تحريق الأشجار وكل ما يحول بين المسلمين وبين عدوهم، فيجوز إذا كان هذا الإحراق لعقر الشجر وأصنام وغيرها، فقد ثبت الإذن بذلك. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وأما قوله: ويحرم الفرار من الزحف، أنه إذا زحف الناس، فإنه لا يجوز الفرار، بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وهذا مفهوم هو أوسع من هذا الذي يفهم، أنه بعضهم يفهم أنه متى ما خرج من القتال يعتبر فار، لا ليس هذا. لهذا كان عمر يقول لأصحابه: «أنا لكم فئة، أنا لكم فئة»، معناه أن لكم فئة، مثل ما قال: أو متحيزا إلى فئة، معناه من جاء من خرج من الحرب يريد مثلا معناه نفس البلد التي فيها أميره، فهذا ليس فار. لكن متى يقال أنه فار؟ إذا خرج من الحرب لا يلوي إلى أمير ولا يلوي إلى كذا، إنما يريد أن يفر من العدو. لكن من أراد مصلحة فجاء إلى الأمير حتى مثلا يسأله حتى يستفسر منه حتى يستشيره، فهذا لا يعتبر فار. فقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، متحرفا لقتال معناه عنده خطة، مثل ما فعل بعض المسلمين في حنين وغيرها، رجعوا ثم تقدم. فإن كانت هناك خطة لا بأس. أو متحيزا إلى فئة، يعلم أن بعض أهل الإسلام قريب منه، فرأى أن هذا المكان قد يقتل فيه، فتحيز إلى فئة المسلمين، أو كما قلنا إلى الأمير. قال: ويجوز تبييت الكفار، تبييت الكفار معناه أنه يأتي المشركين ليلا، يبيتهم معناه يأتيهم ليلا ويغير عليهم إذا أصبح الصبح أغار عليهم، فهذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض من كان معناه يجمع للمسلمين. مثل ما حصل لهوازن كانوا يجمعون يجمعون للمسلمين، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وجماعة معه فبيتوهم وغاروا عليهم. قال: ويجوز الكذب في الحرب، أنا كما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة». إذا أراد مصلحة بالكذب فلا بأس، الحرب خدعة. وليس الكذاب الذي معناه جاء في حديث الزهري أنه قال: «ما سمعته شيئا يرخص فيه الكذب إلا ثلاث، وذكر منه الحرب». والعطف أن لا يكون كذب واضح، وإنما يكون تورية، هذا العطف. إلا إذا اضطر إلى الكذب، وإلا الأصل أنه يوري، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغزو إلى مكان، ورى بغيرها. ورى بغيرها مثلا إذا أراد أن يغزو منطقة، يسأل عن منطقة أخرى بعيدة منها، في المشرق مثلا هذا في المشرق، يسأل عن منطقة في المغرب: «كيف هل أحد يعرف تلك القرية؟ يقول مثلا تلك البلاد هل أحد يعرف تلك البلاد التي وصفها كذا أو اسمها كذا؟» فيسأل عن منطقة في الغرب، وغزوته في الشام، حتى يذهب العيون. لأن الكفار غالبا يكون لهم عيون وجواسيس بين المسلمين. ولهذا لما أراد فتح مكة، أراد أن يغزو مكة، لم يصرح بأنه يريد مكة، وإنما وارى بغيرها. ولهذا أهل مكة تفاجأوا بالنبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون قرب مكة، فأنا ما كان عندهم خبر بذلك. حتى لما رأى أن العباس دخل أولا مكة قبل الجيش، فصادف أبا سفيان وأيضا غيره. فلما أخرج بهم عند الشجر، فقالوا: «من هؤلاء؟ فقال العباس: لعلهم فلان وفلان». قال: «لا فلان أحقر أن يكونوا هكذا». «هذه نار عظيمة». فأخبره بعد ذلك العباس أنه النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار والمهاجرين. فثم أخبر العباس النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان رأى الجيش، فقال له: «احبسه على الثنية حتى يرى الجيوش تمر من عنده». إذا رأى الجيوش تمر من عنده سينخذل. وكان يعتبر أبو سفيان قائد أهل مكة. قال: «يجعل الجيوش تمر من عنده». فحبسه العباس في الثنية، معنا المكان الذي يدخل به إلى مكة. فكان كلما مر كتيبة أو لواء، قال: «من هؤلاء؟ فيقال له: هذه قبيلة فلان». فيقول: «ما لي ولي قبيلة فلان؟ أنا ما أسأل عن هؤلاء». حتى مرت قتيبة النبي صلى الله عليه وسلم مع المهاجرين والأنصار، فرأى الهول الشديد. فقال للعباس: «لقد بلغ أمر ابن أخيك هذا المبلغ». فقال له: «إنه الإيمان والإسلام». فقال: «نعم إذن». ثم أسلم بعد ذلك. قال: يجوز الخداع في الحرب، ما جاء في الصحيحين يعني جابر: «الحرب خدعة». أنا يجوز أنه يخدع العدو، ولكن لا يكون الخداع في نقض عهد. النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض عهد المشركين. فإذا كان هناك عهد وصلح، لا يجوز أن ينقض. وأما الخداع يجوز. أما نقض العهد لا، نقض العهد لا يجوز. فلهذا لم ينقض النبي صلى الله عليه وسلم عهدا. وأمر أمراءه أنهم إذا أبرموا عقدا أو عهدا مع عدوهم، فإنهم يكونون على عهدهم، يكونون على عهدهم، أي لا ينقضون. فلهذا أهل الإسلام لا يكون النقض من عندهم، لا يقول مثلا القائد: الحرب خدعة، فينقض عهدا عاهد به بعض الحفار، هذا لا يجوز.