الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 95، ألقاها
يناقش خلق الجنة والنار ويستدل على وجودهما قبل خلق آدم بأدلة من القرآن والسنة. يشرح أن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا.
يتناول موضوع خلود الجنة والنار وعدم فنائهما أبدًا، ويشرح موقف أهل السنة من هذه القضية. يؤكد أن الجنة والنار مخلوقتان ولا تفنيان أبدًا.
يشرح أن النار يدخلها من استحقها بفضل الله وعدله، والله يكرم من يشاء بدخول الجنة ويعاقب من يشاء بدخول النار وفقًا لعدله. ييسر الله لكل إنسان ما خلق له.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما بعد، قال الإمام أبو جعفر طحاوي رحمه الله: والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له. فهذا أيضًا عبارات في الجنة والنار، قد تقدم معنا ذكرنا الأدلة على أن الجنة والنار مخلوقتان. الآن أي خلقهم الله عز وجل، بل كما سيأتي في قول المؤلف: وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، قبل الخلق. وهذا يدل عليه قصة آدم عليه الصلاة والسلام، قصة آدم لما أمره الله عز وجل أن يدخل الجنة ويأكل منها، فالجنة التي أدخلها آدم على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو القول الراجع، وهو قول أكثر أهل السنة: أن الجنة التي أدخلها آدم هي جنة الخلق، ليس جنة أخرى. لأن الله عز وجل لم يذكر جنة أخرى، وإنما قال: الجنة، والأهل هنا للعهد، أي هذه الجنة المعبودة المعروفة. وأيضًا ذكر فيها ربنا جل وعلا الصفات التي في جنة الخلق: «إنك لا تضمأ فيها ولا تضحى»، وهذه الصفات التي ذكرها الله عز وجل هي الصفات جنة الخلق. والذي يقول أنها جنة أخرى يحتاج إلى دليل. وقد بسط هذه المسألة الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح»، بسط هذه المسألة وذكر أدلة كل من قال بقول في هذه المسألة، ورجح أنها جنة الخلق، وذكر أدلة كثيرة تدل على أنها جنة الخلق. فما دام أن الله عز وجل أمر آدم أن يدخل جنة الخلق، فمعنى ذلك أن الجنة قد خلقت قبل آدم، أن الجنة قد خلقت قبل آدم، بل أيضًا قبل إبليس، وكان إبليس في الجنة، فأخرجه الله عز وجل من الجنة وطرده، طرده من الجنة، قال: «خرج منها مذمومًا مدحورًا»، أي خرج من الجنة وطرده الله عز وجل منها لما وسوس لآدم. وأيضًا لما لم يسجد لآدم، أمره الله عز وجل يسجد لآدم فلم يسجد، فلهذا أيضًا وسوس لآدم، قد كان في الجنة. وقيل أنه إنما طرد منها، ثم كما في الإسرائيليات أنها دخلته الحية في فمها، وهذا كلام غير صحيح. والظاهر أنه لما لم يسجد لآدم أدخل الله عز وجل آدم الجنة وهو لازال فيها، ثم أمره الله عز وجل بأن يخرج منها، أخرجه الله عز وجل من الجنة. فلهذا قال الله عز وجل لآدم: «إنك لا تضمأ فيها ولا تضحى، وإنك لا تجوع فيها ولا تعرى»، وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى، فوسوس إليه الشيطان، قال: «يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟» فأكل منها، فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. فخلاصة المسألة أن هذه الجنة التي أدخل فيها آدم هي جنة الخلد. وما دام أنها جنة الخلد، فدل على أن الجنة كانت موجودة قبل الخلق، قبل خلق آدم، قبل خلق آدم. لكن هل هي قبل الملائكة؟ هذا الله أعلم، هل هي خلقها الجنة قبل الملائكة؟ الله أعلم. لأن عبارة المؤلف هنا يقول: وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، هل المراد به قبل الخلق جميعًا؟ أو المراد خلق الجنة والإنس؟ لا شك أنها قبل خلق الجن والإنس، لكن هل هي قبل خلق الملائكة؟ الله أعلم. وأيضًا مما يدل على وجود الجنة لما أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ إلى سدرة المنتهى، قال الله عز وجل: «عندها جنة المأوى»، عندها جنة المأوى. وهذه جنة المأوى وهي جنة الخلق، وهي جنة النعيم، وهي جنة الفردوس، لكن لها أسماء، لكنها هي جنة واحدة، لكنها لها أسماء، جعلها الله عز وجل درجات وطبقات، فليس الناس كلهم سواء في الإيمان، فأعلى الجنان جنة الفردوس، أعلى الجنان هي جنة الفردوس. وقد يدخل الإنسان الجنان جميعًا، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة: «ليست جنة واحدة»، لأم حارثة، بل هي جنان، والمراد بالجنان أي هذه التي ذكرها الله عز وجل. فلهذا وإلا الأصل هي جنة واحدة، لكن تتنوع، فالله عز وجل خلق هذه الجنة قبل أن يخلق الخلق. قال رحمه الله: لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، الجنة والنار لا تفنيان أبدًا، أي لا تنتهي، لا يفنى نعيمها، بل نعيمها مقيم، وأبدًا لا يفنى أبدًا، لأن الله عز وجل قال: «خالدين فيها أبدًا»، أي في الجنة، وقال في النار: «خالدين فيها أبدًا»، وقال لأهل النار أيضًا: «لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون». فلهذا أهل السنة قالوا بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، لا يبيدهم الله، أي لا يفنى نعيمهما ولا تنتهي، بل يبقى أهل الجنة منعمون، ويبقى أهل النار معذبون. فالله عز وجل ذكر أن الجنة هي الحياة الحقيقية، التي أو الحياة الدائمة التي تكون للإنسان، والنار كذلك لأهل الكفر والشرك. وأيضًا كذلك لا يفنى نعيمها، النعيم الذي فيها أيضًا لا يفنى، بل يبقى ويبقى أهل الجنة منعمون أبدًا أبد الآبدين. وكان من أهل البدع من أنكر نعيم أهل الجنة، قال أنه يفنى، وهم الجهمية والمعتزلة. كذلك قالوا أنه لا يفنى، والمعتزلة والجهمية على أصلهم، التسلسل، معنى عندهم أصل يسمونه التسلسل، نذكره إن شاء الله وتعالى. وقد ذكرنا أو أشرنا إليه في درس قد مضى، وإن شاء الله لعلنا نذكره في درس لاحق. وأيضًا المعتزلة عندهم أيضًا أصل الذي أصلوه، كما قلنا: أن الله عز وجل ليس له أن يفعل كذا، وأن العدل كذا، وأن الظلم كذا، فهم كأنهم يعلمون الله عز وجل جل في علا سبحانه وتعالى ما هو العدل وما هو الظلم. فقالوا أنه يبقى أهل الجنة في نعيمهم، يبقى أهل الجنة في نعيمهم أبد الآبدين، لأجل مثلًا أعمال عملوها، قالوا: ليس هذا من العدل، انظروا إلى سفه هؤلاء وأيضًا قلة عقولهم. وقالوا أيضًا أن بقاء الكفار في النار، أو بقاء الكفار أقصد من عمل المعاصي في النار، لأنه عمل المعاصي أيضًا ليس بعدل، هكذا قال، وهم على مذهبهم أصلا هم يقولون أن أهل المعاصي والكبائر يخلدون في النار. ثم قالوا أن هذا ليس بعدل تخليدهم أبد الآبدين، لا يخرجون ولا يفنى هذا العذاب، مع أنهم ما يستحقون مثل هذا. وهذا كله من باطلهم الذي بنوا عليه. فأولًا أهل المعاصي، أهل السنة يقولون أنهم وإن دخلوا النار فإنهم يخرجون منها، إن كانوا من الموحدين. لكن هذه النار أعدها الله عز وجل للكافرين، فهم الذين لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، «كذلك نجزي كل كفور»، فالنار عذابها مستمر على هؤلاء، أي هؤلاء أهل الكفر، أهل الكفر. فلهذا مذهب أهل السنة لهذا مذهب أهل السنة، قالوا هذا، فالجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان. بعض المعتزلة قالوا: هم لا يخرجون، لكن تفنى حركاتهم، خلاص ما يتحركون، يكونون ساكنين في الجنة، كل واحد في المكان، في النار أيضًا ساكنين ما يتحركون. وهذا قول أبي الهذيل العلاف، وهذا كلام باطل، قالوا: لأن لكل حركة سكون، أنا أتوا بالفلسفة هذه التي يذكرونها، يعني يقيسون الآخرة بالدنيا، عندهم يعني يقيسون عالم الغيب بعالم الشهادة. يعني عندهم في الدنيا يقولون أن ما من شيء له حركة إلا وله سكون، هذه القاعدة الفيزيائية، فيقولون أن هؤلاء سيأتي يوم عليهم، أي أهل النار وأهل الجنة، لا يتحركون، سيسكنون إلى الأبد، عليهم سكون. وهذا كلام باطل، لأن هذه القياسات قياسات الدنيا، ليس قياسات الآخرة، أن الآخرة شيء آخر، لأن الله عز وجل هو المتحكم في أمر الدنيا والآخرة. فخلاصة ما يذكر في هذا الباب أن الجنة والنار خلقهما الله عز وجل، وهما لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان. قال: باب أهل العلم من أهل السنة أن النار يفنى عذابها، ذكر عن باب أهل العلم، ذكر عن ابن القيم، وكذلك ذكره الشيخ الإسلام، أنه قال بهذا، وهم إنما قالوا بهذا الأجل أنهم يقولون: هم ما قالوا أنها تفنى، لكن قالوا ممكن أنها تفنى، ممكن أنها يفنى العذاب فيها. قالوا: لأنها من صفات الله عز وجل اللازمة الرحمة، هذه صفة لله عز وجل لازمة لا تنفك عن الله سبحانه وتعالى. فلهذا أهل الجنة نعيمهم مقيم، لأن رحمة الله عز وجل ملازمة لهم، لكن الغضب صفة فعلية، الغضب صفة فعلية، أي متى شاء فعلها ربنا جل وعلا، ومتى شاء تركها. فلهذا فالغضب ليس صفة ملازمة له، ممكن أنه يترك هذا الغضب ويخرج أولئك من النار. لكن يقال أن هذا أن ما ذكروه ممكنًا أنه يحصل، لكن الأدلة تدل على خلاف هذا، الأدلة تدل على خلاف هذا القول. وأيضًا يقال أن الله عز وجل غضب عليهم غضبًا فأدخلهم النار، واستحقوا النار استحقوا النار بفعلهم وبقولهم وبكفرهم بالله جل وعلا. فلهذا فهم أهل النار خالدين فيها، لا يخرجون منها أبدًا، وما هم بمخرجين. فلهذا كما قلنا انتشر قول أهل السنة أنها لا تفنى الجنة ولا النار. هناك قول أيضًا لابن القيم، ذكره في «الوابل الصيب» بأنها تفنى نار العصاة أو عذابها، عذاب العصاة. وهذا لا شك فيه أن عذابهم ينقطع، لأن كل موحد مهما فعل، فما دام أنه مات على التوحيد، فإنه لا شك أنه يدخل الجنة، ولو عذب في النار، ولو عذب في النار، فإنه يدخل الجنة، ما دام أنه من أهل التوحيد. وأما إن كان من أهل الشرك والعياذ بالله، فإنه تحرم عليه الجنة، «إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار». قال رحمه الله: وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا، معنى لما خلق الجنة خلق لها أهلًا، وخلق النار خلق لها أهلًا. وهؤلاء الأهل إما أنه قدرهم سبحانه وتعالى بحسب علمه بهم. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كتب كتابًا عن يمينه وكتابًا عن يساره»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «هذا كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، وقد ختم عليه، فلا يزاد فيه»، معنى أولًا أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم. قالوا: الكتاب الذي فيه سار، قالوا: هذا فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم، وقد ختم عليه فلا يزاد فيه. فقال الصحابة رضي الله عنهم: «ففيم العمل يا رسول الله؟ أنا إذا كان قد كتب أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، ففيم العمل؟» قال: «أعملوا، فكل ميسر لما خلق له»، أنا الإنسان ما يعلم هل هو من أهل الجنة وأهل النار، لكن الله عز وجل علم ما هو عمل، فقدر له ما عمل. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له»، فأهل السعادة يسرون للسعادة، وأهل الشقاوة يسرون للشقاوة. ثم قرأ قول الله جل وعلا: «فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى». فالأمر أوضحه النبي صلى الله عليه وسلم أن كل إنسان يعمل في هذه الدنيا لأنه لا يعلم ما مصيره، يعلم لا يعلم ما مصيره. فلهذا يستحب أن يكون من أهل النعيم وأهل الجنة، يستحب في هذه الحياة حتى يكون من أهل الجنة. ولا، قال رحمه الله: فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه. وهنا قوله: ولا يزاد، أو خلق لهم أهل، أولى كما قلنا، هؤلاء الذين ذكرهم نبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب. لكن هل يزاد عليهم؟ جاء في الحديث الذي في البخاري أن الله عز وجل إذا أدخل أهل الجنة الجنة، معنى الجنة لا تمتلئ، فينشئ الله عز وجل لها خلقًا فيدخلهم الجنة حتى تمتلئ، ينشئ الله عز وجل خلقًا يدخلهم الجنة حتى تمتلئ الجنة. وأما النار فتقول: «هل من مزيد؟» حتى يضع رب العزة قدمه، فتقول: «قط قط». فالنار لا ينشئ الله عز وجل لها خلقًا. وهذا من رحمته سبحانه وتعالى، لم يدخل النار أحد لم يعمل شيئًا. لهذا جاءت الزيادة في هذا الحديث في البخاري، هي خطأ، فذكر في النار: ينشئ لها نشأة فيدخلهم النار، هذا باطل، معنى هذه الزيادة غير صحيحة، وإنما وهم بعض الرواة فذكرها. وإنما هذا في الجنة فقط، الجنة التي ينشئ الله عز وجل لها خلقًا فيدخلهم فيها برحمته سبحانه وتعالى. أما النار فلا يدخل أحد فيها إلا من استحقها، وهذا من عدله جل وعلا، هذا من عدله سبحانه وتعالى. لهذا قال المؤلف: فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه جل وعلا. والله تعالى أعلم، شكرًا.