الدرس في كتاب الصلاة 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أحكام الجلسة الافتراشية والتوركية في الصلاة، والخلاف بين العلماء في مسألة الافتراش والتورك. كما يشرح الجلسة بين السجدتين وكيفية القيام للركعة التالية.
يشرح هذا الفصل كيفية القيام من الركعة الأولى في الصلاة، معتمدًا على حديث مالك بن الحويرث، ويتناول آراء العلماء حول الاعتماد على اليدين عند القيام.
يتناول هذا الفصل استحباب ذكر النية في الصلاة لتحقيق الخشوع وتذكير النفس بأنها في صلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ثم يرفع مكبرا، ويجلس مفترشا، ناصبا يمنى، ويقول: ربي اغفر لي، ويسجد الثانية كالأولى. ثم يرفع مكبرا على التكبير والانتقال، ويجلس مفترشا، يصرا، ويجلس عليها، وينصب يمنى. هذه الجلسة الافتراش، وهذه الجلسة جاءت في أكثر من حديث؛ في حديث ابن عمر، وفي حديث ابن حميد، ومالك بالحويرث، وجماعة من الرواة. وجاء أيضا التورك في حديث عبد الله بن زبير، وفي بعض روايات حديث عبد الله بن عمر. ولهذا حصل خلاف بين العلماء في مسألة الافتراش والتورك؛ هل يفترش أو يتورك؟ خلاصة المذاهب: إن الحنفية يختارون الافتراش في كلا الجلستين، سواء كان في الأولى أو في الثانية. والمالكية اختاروا التورك. وأما الشافعية والحنابلة، فقالوا بأن الافتراش في التشهد الأول، والتورك في التشهد الثاني. لكن اختلفوا في مسألة: إذا كانت الصلاة كصلاة الفجر، ليس فيها إلا تشهد واحد، أو ركعتي السنة مثلا، فهل يفترش أو يتورك؟ فعند الشافعي أنه يتورك، وعند أحمد أن الأفضل أن يفترش. والذي عليه أكثر العلماء: بل بعضهم يذكر أنه إجماعا على جواز هذا وهذا، اختلفوا في الافتراش والتورك. وقلنا: اختار الشافعي وأحمد أن الافتراش في الأول والتورك في الثاني. وذهب جماعة من العلماء المحققين، كابن عبد البر، وابن المندر، وابن جرير الطبري، وجماعة، على أن الأمر فيه للتنوع؛ فإنه يجوز هذا ويجوز هذا؛ ليس أحدهما أفضل من الآخر. فيمكن أن الإنسان يتورك في الثانية، ويمكن أيضا أن يفترش في الركعة الأخيرة. وهذا هو ظاهر النصوص. وقد استدل أحمد برواية في حديثه بحميد: أن هذه الرواية هي التي جعلت ابن أحمد يفرق ويجعل التورك في الآخر. وفيها أنه قال: «وإذا كان في آخر صلاته جلس متوركا». وهذه الرواية في سنن أبي داود. وكذا استدل بها الإمام أحمد على أن التورك يكون في الآخر، في التشهد الآخر، إذا كانت الصلاة ذات تشهدين. وإلا، فالعبارة ليست صريحة جدا. فلهذا لا بأس للإنسان مثلا أن يترك التورك في الآخر ويفترش. وإذا تورك، فلا شيء عليه -إن شاء الله-. لا أقصد أن ما ينبغي مثلا أن ينكر على إنسان يفترش، فيقال: هذا ما يطبق السنة؛ لأن الأحاديث محتملة. ويمكن أن يقال: إن السنة من باب تنوع السنة، كما اختاره جماعة من العلماء، على أنه إن شاء افترش، وإن شاء تورك. وهذا هو ظاهر الأحاديث؛ لأن الأحاديث التي ذكر فيها التورك لم يذكر فيها الافتراش، والأحاديث التي ذكر فيها الافتراش لم يذكر فيها التورك، إلا في بعض الأحاديث، كحديث أبي حميد. والظاهر في حديث وائل بن حجر: أن الافتراش هنا ليس في التشهد، وإنما في الجلسة بين السجدتين. والجلسة بين السجدتين يستحب فيها الافتراش. وجاء أيضا في صحيح مسلم: الاقعاء؛ أن ينصب رجليه ويجلس عليهما. هذا الاقعاء ثبت في صحيح مسلم، فدل على أن الجلسة بين السجدتين إما أن يفترش أو يقعي. لكن الأكثر ما يفعل هو الافتراش. قال: «ويقول: ربي اغفر لي، ويسجد الثانية كالأولى». هذا جاء في حديث حذيفة، وهو أصح من حديث أبي هريرة: «رب اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني واهدني». وفيه: «واجبرني». فذاك الحديث فيه رجل ضعيف، وهو العلاء أبو كامل. وأما هذا، فلا بأس به؛ إسناده أثبت من ذاك. فيقول: «رب اغفر لي». ولا بأس أن يكررها. ثم قال له زائر: يقول: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» فيكررها ثلاثا؛ أكثر أو أقل. قال: «ويسجد الثانية كالأولى». أي: بعد ما ينتهي من الجلوس، من سجدتين. قال: «ثم يرفع مكبرا، ناهضا على صدور قدميه، معتمدا على ركبتيه». إذا قام من الركعة الأولى، يقوم مكبرا، يكبر على حسب ما ذكرناه قبل؛ أن التكبير هو تكبير انتقال، لكن يأتي به في وقت الانتقال، ولا يلزم أن يكون من أوله إلى آخره، كما هو مذهب الشافعي. قال: «ناهضا على صدور قدميه». جاء هذا في حديث وائل بن حجر، لكنه لا يثبت؛ حديث وائل هذا ضعيف جدا. وجاء في حديث مالك بن الحويرث: أنه قال: «كان إذا قام إلى الركعة اعتمد على الأرض». اعتمد على الأرض، ثم قام. وقوله: «أن اعتمد على الأرض» بماذا سيعتمد؟ لا شك أن اعتماده سيكون بيديه؛ أنه يعتمد على الأرض بيديه ويقوم. فقال: «يعتمد على الأرض ثم يقوم». فلهذا ذهب جماعة من العلماء، وهو مذهب مالك وغيره، على أن السنة والافضل أن يقوم على يديه. وجاء في حديث: «أنه يقوم كالعاج أو كالعاجز». منهم من رواه: «كالعاج»، ومنهم من رواها: «كالعاجز». والحديث مختلف فيه. الهيثم العمران لم يوثقه أحد، لكن روى عنه جماعة. والشيخ الألباني -رحمه الله- يرى أن من روى عنه جماعة ولم يوثقه أحد، يوثق. وقال: هذه قاعدة عند ابن حجر والذهبي. معناها: هذه قاعدة موجودة، لكن ليس على إطلاقها. معناها: تجد أن ابن حجر والذهبي نفسهم يخالفون هذا الكلام. لكن الظاهر أنهم يرون أنه من اشتهر حديثه، وروى عنه جماعة، وإن لم يوثقه أحد، فهو موثق؛ بسبب اشتهار حديثه. وهذا قد جاء عن أحمد وعن جماعة من العلماء. فلهذا، فالصحيح في المسألة: حديث مالك بن الحويرث؛ أنه يعتمد على الأرض، هذا يدل على الاعتماد على اليدين. وإن قام على ركبتيه، فلا شيء عليه. لكن الأفضل الاعتماد على اليدين عند القيام. قالوا: «يصلي الثانية كذلك، مع عدد تحريمة، والاستفتاح، وتجديد النية». أي: يقول: يصلي الثانية أيضا مثل ما يصلي الأولى، إلا في عدة أشياء؛ فهي لا تكون في الثانية: التحريمة، وهي تكبيرة الإحرام، والاستفتاح، أي: دعاء الاستفتاح، وتجديد النية. وعند من لا يجدد النية، وإنما النية نفسها، لكن يصاحب النية -يعني يصاحب النية العمل- مصاحبة النية العمل مستحب. أقصد: مصاحبة النية العمل شرط. وذكر النية مستحب. ذكر النية: يعني يذكر النية أنه في صلاة، هذا مستحب. لكن مصاحبتها -عدم انقطاعها- هذا يعتبر شرط؛ يعتبر شرط، لابد أن تصاحب النية العمل. فهنا قال: «وتجديد النية»، أي: لا يجدد النية، وإنما تكون النية نفسها. ولكن كما قلنا: يستحب ذكر النية، يستحب ذكر النية على أنه في صلاة، وهو من الخشوع.