الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 57

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 57

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 57، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وفاة أبي طالب وخديجة في نفس العام

يتحدث عن وفاة أبي طالب وخديجة في نفس العام، وهو العام العاشر من البعثة، مع اختلاف حول الترتيب الزمني لوفاتهما وتأثير ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم.

تأثير وفاة أبي طالب وخديجة على النبي وتسمية العام

تناول تأثير وفاة أبي طالب وخديجة على النبي صلى الله عليه وسلم، وسبب تسمية العام العاشر للبعثة بعام الحزن، مع مناقشة صحة هذه التسمية.

حقيقة إسلام أبي طالب ومآله في الآخرة

ناقش مسألة إسلام أبي طالب عند وفاته، وخلص إلى أنه مات على الكفر، لكن شفاعة النبي خففت عنه العذاب في النار، مع الإشارة إلى درس قادم حول هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: قال وبعد تسع من سن رسالته مات أبو طالب ذو كفالته وبعده خديجة توفيت من بعد أيام ثلاثة مضت. هذه الأبيات إخوان في الله نظمها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما حقه وما حصل من سيرته عليه الصلاة والسلام من تتابع وفاة أبي طالب وهو عمه عليه الصلاة والسلام، وما كان من وفاة زوجته وهي خديجة رضي الله تعالى عنها. فقال وبعد تسع من سن رسالته، أي بعد التسع من البعثة، قيل ذلك في أواخر السنة التاسعة وفي بداية السنة العاشرة من بعثته عليه الصلاة والسلام. قال مات أبو طالب ذو كفالته، وقد مضى معنا في أوائل الدروس كيف أن أبو طالب كفل رسول الله وقام برعايته. قال وبعده خديجة توفيت من بعد أيام ثلاثة مضت. إذن هذه الأبيات تتحدث عن حادثة من أهم الحوادث التي وقعت في زمنها، مع التنبيه إخواني في الله إلى أمر ما، ألا وهو في الأبيات الماضية والتي تحدث فيها المؤلف رحمه الله تعالى عن الهجرة إلى الحبشة والتي كانت في السنة الخامسة، وها هو الآن يتحدث عن وفاة خديجة وما كان أيضا من وفاة عمه، وكان ذلك في السنة العاشرة. إذن تجد أن المؤلف رحمه الله تعالى قفز من السنة الخامسة إلى السنة العاشرة، بقي ألم تقع حوادث في هذه الفترة وفي هذه الحقبة الزمنية؟ الجواب بلى، وقعت حوادث، والمؤلف رحمه الله تعالى ما ذكرها، ولا أشار إليها، وهي من الحوادث المهمة، والتي تحدث عنها من ألف ومن كتب في التاريخ والسير، كما كان من إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ما كان من الحصار ومن حصار بني هاشم في الشعب، هذا وقع في هذه الفترة، ما كان من ذهاب إلى الطائف، كل ذلك حدث في هذه الفترة الزمنية. ولهذا هذا مما فاته رحمه الله، فما ندرى هل ترك ذلك عمدا لقصد الاختصار والاختزال أم تركه سهوا؟ ولهذا فنحن نبين مع هذه الأبيات التي مشى عليها المؤلف رحمه الله تعالى، ومن ثم إذا ناسب أن نستطرد فنستدرك مثل هذه الحوادث لأنها مهمة في حياته عليه الصلاة والسلام، وكان لها شان. فنستدرك ونذكر هذه الحوادث التي فاتت المؤلف رحمه الله، على كل الإخوان في الله في هذه الأبيات، كما سمعتم الإشارة إلى ما كان من وفاة أبي طالب وما كان من وفاة خديجة رضي الله تعالى عنها، وذلك كما قلنا في نهاية العام التاسع، قدر ميلادياً في السنة الستمائة وعشرين ميلادي، هكذا قدر وحسب عند أصحاب الهيئة والفلك. وهنا تأتي مسائل إخوان في الله على هذه الأبيات وعلى هذه الحادثة، المسألة الأولى إخوان في الله، أولاً ما يتعلق بالفترة الزمنية، المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى مسألتين اثنتين، المسألة الأولى في تاريخ الوفاة وأنها بعد السنة التاسعة، وما كان في الفترة بين وفاة الأول والثاني. أما المسألة الأولى وهي أنهما ماتا في عام واحد، وهذا بالاتفاق، لا خلاف بين أهل العلم من أن وفاة أبي طالب كان في نفس العام التي توفيت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها، ولهذا يقول الإمام النسائي رحمه الله تعالى: قال ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، هلكا بمعنى ماتا في عام واحد، وهذا مما لا خلاف فيه. لكن وقع الخلاف في مسألة وهي أيهما قبل الآخر؟ والمسألة الثانية كم كانت بينهما من المدة؟ أما المسألة الأولى من مات قبل الآخر، هل مات أبو طالب أولا ثم خديجة أم العكس؟ أشار ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه المسألة في كتابه الفصول، فقال رحمه الله تعالى: فصل في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنها، وقيل بل هي توفيت قبله. والمشهور الأول، أي هذا المشهور المشهور على ما سار عليه الناظم رحمه الله تعالى حين قال: مات أبو طالب ذو كفالته وبعده خديجة، فالصحيح في الترتيب الزمني الذي سار عليه المؤلف رحمه الله تعالى من هذا الترتيب، وإن قيل نعم هذا قول، لكن ليس بالشهير من أن خديجة ماتت أولا. إذن خديجة وأبو طالب ماتا في نفس العام التي ماتت فيها خديجة، لكن بقي كم بينهما من الفترة الزمانية؟ ذهب جماعة من المؤرخين أن الذي كان بينهما مدة ما تصل إلى شهرين، كما مال إلى ذلك وذكره ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وذكر عن جماعة من أهل العلم أن الفترة بين وفاة أبي طالب عن خديجة كانت تصل لهذا الحد. وأما المشهور والذي عليه أكثر العلماء هو الذي ذكره الناظم رحمه الله تعالى أن الفارق بينهما أيام هي ثلاثة أيام فقط، لهذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا الذي رجح ابن كثير، رجح أن الذي بينهما ثلاثة أيام، وذكر هذا عن جماعة من أهل العلم، أشار إلى ابن منده وعن غيره أنهم رجحوا ذلك. إذن الفترة الزمنية إخواني في الله نعلم أن أبا طالب مات أولا ثم خديجة من بعده، وأن المدة بينهما كانت ثلاثة أيام، وكل ذلك في عام واحد، وذلك بعد السنة التاسعة أي في العام العاشر من بعثته عليه الصلاة والسلام. المسألة الثانية مما نذكرها في هذا المقام ما كان من الأثر العظيم في نفسية رسول الله عليه الصلاة والسلام بموت هذين، أعني بهما أبا طالب وخديجة رضي الله تعالى عنهما، لأنهما كانا يعتبران من أعظم ما أعان نبينا عليه الصلاة والسلام في دعوته. فأما أبو طالب فكان رجلا وكان مدافعا وكان حرزا يؤيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذب عنه، ويدافع عنه، وإن كان ليس على دينه، كما سيأتي معنا، ليس على دينه، لكن الله هيأه وسخره في الدفاع والصد عن أذى الكفار في أن يصل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكم نفع الله جل وعلا بوجود أبي طالب. ولهذا ما نال نبينا من الأذى الذي جاءه من قريش بأكثر مما وقع بموت أبي طالب، كان أبو طالب سدا منيعا لوجاهته ولخوف الناس منه ولقوته في القبيلة، ما كان الكفار والسفهاء يتجرؤون على رسول الله، لكن لما مات نعم إنهال على رسول الله بالأذية. وقد ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ما زالت قريش كاعة، ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب، رواه الحاكم، ما معنى قوله ما زالت قريش كاعة؟ كاعة بمعنى جبناء، كاعة بمعنى جبناء، أي ما كانوا يستطيعون أن يقدموا نهارا جهارا بتصليط السفهاء والأغمار عليه، لكن لما توفي أبو طالب نعم تسجرؤا على رسول الله. إذن كان أبو طالب ردءا لرسول الله، وهكذا قل في حق خديجة رضي الله تعالى عنها، كانت من أعظم من كان يعين نبينا عليه الصلاة والسلام في دعوته، فكانت وزير صدق، وكانت هي الدعامة الداخلية لرسول الله، تؤازره وتوازيه، توازيه بمالها، بنفسها، بحسبها، رضي الله تعالى عنها. بل كانت تمسح عنه الأذى، الأذى المعنوي إذا جاء مهموما مغموما من تكذيب الكفار، فكانت رضي الله تعالى عنها تأخذ بأزره وتشد من أزره حتى تدفعه في استمراره في الدعوة، رضي الله تعالى عنها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام وهو يتحدث عن خديجة: قال قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس. وهذا الأثر رواه الطبراني، وقال الهيثمي: أسانيده حسنة، ويحسن جماعة من أهل العلم بماذا؟ بكثرة طرقه، والمعنى صحيح، فكانت خديجة رضي الله تعالى عنها بهذه المثابة، وقد مر معنا وتذكرون في قضية زواج رسول الله من خديجة ما يتعلق بفضائلها، وكيف أنها جندت نفسها ومالها وحسبها في سبيل الذب والدفاع عن رسول الله والنشر لدين الله جل وعلا. إذن فماتت خديجة ومات أبو طالب، فكان لذلك الأثر العظيم على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ننتقل هنا الآن إلى المسألة الثالثة، وهي تناقل العلماء بل يتناقل الناس كثيرا أن هذا العام التي وقعت فيه هذه الوفيات سمي بعام الحزن، سمي بعام الحزن لأن النبي حزن كثيرا على وفاتهما. والأمر كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى وهو يعبر عن هاتين الشخصيتين، يعبر عن أبي طالب ويعبر عن خديجة، قال: وهذاني المشفقان، وهذاني المشفقان، هذا في الظاهر، وهذه في الباطن، من أشار بقول هذا في الظاهر أي أبو طالب، ومن أشار بقول وهذه في الباطن أشار إلى خديجة رضي الله تعالى عنها، فسماهما قال: وهذاني المشفقان، أي أنهما كانا يشفقان لرسول الله، وكانا يناصرانه ويؤاذرانه. فدرج العلماء على تسمية هذا العام بعام الحزن، فهل يصح هذه التسمية؟ نقول بالمعنى العام لا إشكال في تسمية هذا العام بعام الحزن لصحة مضمونه ولصحة معناه، أن النبي نعم قد أصابه الحزن من موت عمه وبموت خديجة رضي الله تعالى عنهما. لكن الإشكال يقع في أمر ألا وهو هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى هو الذي سمى هذا العام بعام الحزن؟ هذا الذي يكون فيه الإشكال، والجواب لا، ما ثبت ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، نعم جاء عن بعض المؤرخين من استطرد في هذا المقام وأشار أن النبي هو الذي سمى، لكن هذا ليس بصحيح. قام بذلك الإمام القسطلاني رحمه الله تعالى في كتابه المواهب، وأتى بأثر عن طريق ابن الصاعد من أن النبي هو الذي سمى هذا العام بعام الحزن، وهذا الحديث وهذا الأثر متكلم فيه، فهو من طريق الصاعد، وهو عبيد الله العجلي أو ابن عبيد الله العجلي، قال عنه الحافظ رحمه الله تعالى: لين الحديث، لين الحديث، وهذا إشارة إلى ضعفه. زد على ذلك أن هذا الأثر ورد معلقا، إذن فهو معضل، فالحديث ما سلم لا من سلامة رواته ولا من سلامة إسناده، فهو مطعون في إسناده ومطعون في رواته، إذن لم يصح شيء عن ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وينظر في ذلك بحثا موسعا للشيخ الألباني رحمه الله تعالى في رسالته الدفاع عن الحديث النبوي. تأتي مسألة كذلك أختم بها المقام إخواني في الله، ألا وهي متعلقة بإسلام أبي طالب، أبو طالب وهو عم الرسول عليه الصلاة والسلام، نعم دافع ونفع وكم نفع الله جل وعلا به في ذبه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن تأتي مسألة هنا هل أبو طالب مات على الإسلام أم لا؟ الجواب لا، بل مات كافرا. والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بحضور الوفاة أي بحضور سكرات الموت على عمه أبي طالب أتى إليه، وكان عنده أبو جهل من صناديد قريش وهكذا عبد الله بن أبي أمية، فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يتودد إلى عمه وهو في آخر لحظات حياته: يا عم قل لا إله إلا الله، كان يطمع في أن ينطق بهذه الكلمة فقط ينطق بها. فكان يكرر ذلك عليه: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، إلا أن من كان من حاشية أبي طالب كأمثال أبي جهل كان بالمرصاد لهذه الكلمة، ولهذا الحرص بالمرصاد، فكان يثبتانه أبي طالب عن قولها، فقال: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أترغب عن ملة آبائك؟ أترغب؟ فلا يزال إذا يزالون به يثبتونه عن هذه الكلمة حتى قال: أنا على ملة عبد المطلب، فمات على الكفر ومات على ما مات عليه آباؤه وأجداده. ولهذا فنقول قد مات أبو طالب على الكفر، لكن بقي ما كان من دفاع أبي طالب ومنافحته، هل ذهبت هكذا؟ الجواب لا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم من حرصه على عمه شفع له، وهي الشفاعة الخاصة التي ما كانت لأحد إلا لعمه، إذ أن الكفار لا تنفع شفاعة الشافعين، ويستثنى من هذا ما كان من شفاعة نبي لعمه، وذلك في سبيل ما أدى من الحماية والذب والصيانة لنبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في الصحيح أن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، نعم كان يحوطك وكان يدافع، هل نفعته بشيء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو في ضحضاح من نار، أي في أقل درجات النار، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل. وهذه مسألة إخواني في الله تحتها مباحث، لكن لطول مباحث هذا الباب يترك إن شاء الله في درس غد حول ما يتعلق بأبي طالب وما كان من إسلامه على ما يدعيه بعض الناس أو ما كان على كفره، وحكمة الله جل وعلا إذ أبقى أبا طالب على الكفر، هذا فيه مسائل وحكم تترك إن شاء الله في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.