الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يلجأ أهل البدع إلى إطلاق ألقاب باطلة على أهل السنة كالحشوية والمجبرة والمشبهة لنفر الناس عنهم، مقتدين بمشركي قريش الذين وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بالساحر والشاعر والمجنون. وقد اتفق سادة قريش على تهمة موحدة هي السحر لصد الناس عن النبي، وهذا الأسلوب يتكرر مع المبتدعة لتشويه صورة أهل الحديث والسنة.
يتمسك أهل السنة بالمنهج الوسط بين نفي القدرية وإثبات الجبرية، مثبتين للعبد فعلاً ومشيئة تابعة لمشيئة الله. ويؤكد المقطع فضل أهل السنة وعصمتهم من المعايب، وأن محبة العلماء من الدين والإيمان وتقرب إلى الله.
أهل السنة منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم يسيرون على الحق والهدى، وهم أهل الطاعة والعبادة والزهد والأخلاق الحسنة. وهذا يجعلهم مقدمة الناس في الخير، وهو من نعم الله التي يذكرها الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة الحافظ الصابوني رحمه الله، أبو إسماعيل الصابوني: «قلت: أنا رأيت أهل البدع في هذه الأسماء التي لقبوا بها أهل السنة، ولا يلحقهم شيء منها، فضلاً من الله ومنه». أنا تسمية الزنادقة أهل الأثر حشوية، وأيضاً تسمية القدرية لأهل السنة مجبرة، وتسمية الجهمية لأهل السنة مشبهة. هذه التسميات إنما لأجل أن ينفروا عن أهل السنة، وينفروا عن عقيدة السنة. ويقول الإمام الصابوني رحمه الله هنا: إنهم سلكوا معهم مسلك المشركين، قاتلهم الله، أن سلكوا هذا المسلك، مسلك المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم قالوا: ساحر، وقالوا: مجنون، وقالوا: شاعر، نتربص به ريب المنون، وغيرها من الأشياء التي ذكروها على النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يشنعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبتعد الناس عنه. فلهذا ما يستطيعون أن يبعدوا الناس عن الحق إلا بهذه الوسيلة، يظنون أن هذه الوسيلة تنفعهم، وهو أنهم يلقبون أهل الحق بألقاب شنيعة. ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله، كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة: «إننا نثبت لله عز وجل ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن شنعت شناعة، وإن شنعها أهل البدع، وجعلوا هذا تشبيهاً أو تمثيلاً أو كذا من هذا الكلام، كله لا نبالي به لأهل السنة؛ لأن هؤلاء إنما يفعلون هذا لأجل أن ينفروا عن الحق وينفروا عن أهله». فلهذا نفر هؤلاء، أو أهل الشرك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الألقاب. قال: «فإنهم اقتسموا القول فيه، فسماه بعضهم ساحراً، وبعضهم كاهناً، وبعضهم شاعراً، وبعضهم مجنوناً، وبعضهم مفتوناً، وبعضهم مفترياً مختلقاً كذاباً، وكان النبي عليه الصلاة والسلام من تلك العيوب، من تلك المعائب، بعيداً بريئاً، ولم يكن إلا رسولاً مصطفى نبياً». قال الله عز وجل: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 48]. ولهذا فهم يعترفون أن هذه الألقاب ليست صحيحة. ولهذا لما اجتمعوا، كما ذكر ذلك الإمام ابن إسحاق في السيرة بإسناد لا بأس به، أن كفار قريش اجتمعوا على أن يأتوا لما جاء الموسم، على موسم الحج، والناس يجتمعون من كل مكان في مكة، فقالوا: نجتمع على كلمة نقولها على محمد صلى الله عليه وسلم. يجتمعون على كلمة من كلمات التنفير؛ لأنهم لو مثلاً اختلفوا، الناس سيحسّون: هذا يقول ساحر، وهذا يقول شاعر، فهذا الناس عندما يرون اختلاف كلماتهم يرون أن هذا حسد، وهذا أيضاً ليس حقيقة، كل واحد يرميه بما أراد. فلهذا اجتمعوا على أنه يجتمعون على كلمة يقولونها. فاجتمعوا عند الوليد بن المغيرة، هو سيد قريش، والد خالد بن المغيرة، وعن سيد من أسيادهم. لهذا قال: نزلت فيه قول الله عز وجل: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]، قالوا: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. فاجتمعوا عنده، وقالوا له: يا أبا خالد، أو يا أبا حديفة، نريد كلمة نجتمع بها على هذا النبي، أو هذا محمد بن عبد الله. فذكروا: الشاعر. قال: «رأيت الشعراء، وهمزهم ونفثهم». فقالوا: ساحر. قال: «رأيت أهل السحر، وهمزهم» أو كذا. كلما ذكروا له شيئاً قال: ليس فيه، أنا أعرف السحرة وأعرف الشعراء وأعرف الكهنة وأعرف المجانين، هذا كله ليس فيه. لكن قالوا: ماذا نقول؟ ثم أوحى إليه شيطان: «قولوا: إنه ساحر، فرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وولده، وبين الولد وأبيه». أنا أخذ من هذا الاعتبار، والشاهد هنا أنه ما كان يعتقدون فيه هذه الأشياء، وإنما لأجل أن يشنعوا عليه فقط. أنا يذكرون هذه الألقاب لأجل أن يشنعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]. قال رحمه الله: «وكذلك المبتدعة، أخذ لهم الله، اقتسموا القول في حملة أخباره، ونقلة آثاره، ورواة أحاديثه، المقتدين به، المهتدين بسنته، المعروفين بأصحاب الحديث، فسماهم بعضهم حشوية، وبعضهم مشبهة». وهذه الألقاب لأجل، كما قلنا، التنفير. إلى الآن مثلاً تجد أن أهل البدع وغيرهم يسمون أهل السنة بألقاب كثيرة، معنا مثلاً الإخوان المسلمون، مثلاً يقولون: هؤلاء أهل الحيط، أو أهل القوقع في المساجد، أهل كذا، يأتون بمثل هذه العبارات لكي ينفروا، معنى أنهم ليس لهم حظ في الجهاد، ليس لهم حظ في السياسة، وإنما هم في المساجد فقط. قالوا: «رواة حديث، المقتدين به، المهتدين بسنته، المعروفين بأصحاب الحديث، فسماهم بعضهم حشوية، وبعضهم مشبهة، وبعضهم نابتة، وبعضهم ناصبة، وبعضهم جبرية». ذكرنا هذه التسميات، والجبرية هم الذين يقولون: إن العبد ليس له مشيئة، وإنما هو كما يعبر بعضهم كالريشة في مهب الريح، أن الريح تميلها حيث مالت، فهم جبرية، أي أنهم ليس لهم عمل، وهذا من أضعف الأقوال، بل من أبعدها عن الخير وأبعدها عن الحق. فالقدرية النفاة، مذهبهم أقرب من الجبرية، مذهبهم أقرب من الجبرية، لكن أيضاً هو باطل. والحق وسط بين القدرية والجبرية، وهو قول أهل السنة رحمة الله عليهم. فهم ليسوا قدرية ينفون القدر كله، وإنما ولا أيضاً كذلك جبرية ينفون فعل العبد، بل يثبتون للعبد فعلاً ومشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله جل وعلا. قال: «وأصحاب الحديث عصمة، وأصحاب الحديث عصمة من هذه المعايب، أنا عصمهم الله، بريئة نقية زكية، وليس إلا أهل السنة المضية، والسيرة المرضية، والسبل السوية، والحجج البالغة القوية». وبحمد الله، فتاريخ أهل السنة مليء بمثل هذه الأشياء، ذكرها المؤلف، سواء كان في العلم، وكان في العبادة والزهد، سواء كان في الأخلاق والسيرة، سواء كان أيضاً كذلك في الدفاع عن هذا الدين وبيان الحجة. فأهل السنة هم أولى الناس بمثل هذه الأمور، وهم في مقدمة الناس في هذه الأمور كذلك. ولهذا لا ينصر الله عز وجل هذا الدين برجل مبتدع، وإنما ينصر الله عز وجل هذا الدين بأهل السنة. لكن قد يؤيد أهل السنة أناس من أهل البدع، وأناس من الفسقة، قد ينصر الله عز وجل هذا الدين برجل فاسق، وهذا إنما بتأييده لأهل السنة ولأهل الخير. قال: «وقد وفقهم الله عز وجل لاتباع كتابه ووحيه وخطابه، واتباع أقرب أوليائه هم العلماء، والاقتداء برسوله صلى الله عليه وآله وسلم في أخباره التي أمر فيها أمته بالمعروف من القول والعمل، وزجرهم فيها عن المنكر منهما، وأعانهم على التمسك بشريعته، والاهتداء بملازمة سنته، وجعله من أتباع أقرب أوليائه، وأكرمهم وأعزهم عليه، وشرح صدورهم لمحبته، ومحبة أئمة شريعته للعلماء». أنا محبة العلماء من الدين، وعلماء أمته، ومن أحب قوماً فهو معهم يوم القيامة، بحكم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المرء مع من أحب». جاء هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود، وعن أنس. وقال أنس رضي الله عنه: «كنا نفرح بالأعرابي يأتي ويسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لم أعد لها كثرة صلاة ولا صيام، ولكنني أحب الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب، المرء مع من أحب. فقال أنس: فإني أحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبا بكر، وعمر». فمحبة العلماء دين وإيمان، وأيضاً كذلك محبة العلماء مما أوجب الله عز وجل عليه، ومما يتقرب به إلى الله جل وعلا. وخلاصة ما ذكره المؤلف هنا: أن أهل السنة، بحمد الله، منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا، وهم سائرون على الحق وعلى الهدى، وكذلك هم أهل الطاعة وأهل العبادة وأهل الزهد وأهل الأخلاق وأهل السيرة الحسنة، فهم مقدمة الناس، بحمد الله، في الخير. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكره الله تعالى.