التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 10

الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل الصلاة على النبي ودعاء شفاعته

يتناول فضل الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأهمية دعاء شفاعته يوم القيامة. كما يشرح دعاءً مأثورًا عن ابن عباس يطلب فيه قبول شفاعة النبي ورفع درجته.

خطورة المجالس التي لا يذكر فيها الله

يشرح أهمية ذكر الله والصلاة على النبي في المجالس ويحذر من عواقب إهمال ذلك. المجلس الذي لا يذكر فيه الله يعتبر حسرة على أصحابه يوم القيامة.

أثر الصلاة على النبي في الوقاية من الحسرة

الصلاة على النبي تحمي العبد من الحسرة يوم القيامة إذا جلس مجلسا لم يذكر فيه الله ولم يصل على النبي. ينبغي للمسلم أن يجالس من يعينه على ذكر الله والخير.

نصيحة بتجنب مجالسة أهل الغفلة

ينبغي للمسلم تجنب مجالسة أهل الدنيا والغفلة والطيش لأنهم لا يعينونه على طاعة الله. العاقل يحرص على مجالسة أهل الخير والصلاح لما في ذلك من الخير له.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي رحمه الله في كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم": حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان قال: حدثني معمر، عن طاووس، عن أبيه قال: سمعت ابن عباس يقول: "اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطيه سؤله في الآخرة والأولى، كما أتيت إبراهيم وموسى عليهم السلام". وهذا الحديث موقوف على ابن عباس، فهو من قوله، وهو صحيح إليه رضي الله تعالى عنه. فكان عبد الله بن عباس رضي الله عنه ما يقول: "اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى"، وعلمنا أن الشفاعة الكبرى هي يوم القيامة، يوم أن يتبرأ الأنبياء، فيقول كل واحد منهم: نفسي، نفسي، فيأتي الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيستأذن الله جل وعلا، فيأذن الله عز وجل له بالشفاعة. "وارفع درجته العليا" يعني في الآخرة، وعطيه سؤله في الآخرة والأولى، يعني ما سأل في الدنيا، وكذلك ما سأله في الآخرة، كما أتيت إبراهيم وموسى. قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا زيد بن حباب قال: أخبرني ابن لهيعة قال: حدثني بكر بن السوادة المعافري، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن ابن شريح قال: حدثني رويفع الأنصاري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من قال: اللهم صل على محمد، وأنزله المقعد المقرب منك يوم القيامة، وجبت له الشفاعة". هذا الحديث فيه استحباب هذا الدعاء: "اللهم صل على محمد، وأنزله المقعد المقرب منك يوم القيامة". والمراد به المقام المحمود الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، أي مقاما يحمدك الناس عليه، وهي الشفاعة العظمى. قال: "وجبت له الشفاعة" أي شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. إلا أن هذا الحديث ضعيف، فإن ابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة، وهو سيء الحفظ. قال: وحدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان بن سعيد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم إلا كان مجلسهم عليهم ترة يوم القيامة، إن شاء عفى عنهم وإن شاء أخذهم". وهذا الحديث بهذا الإسناد فيه ضعف، وصالح مولى التوأمة ضعيف بسبب اختلاطه، إلا أنه قد توبع كما أشار علامة الألباني رحمه الله، فقد تابعه أبو صالح السمان، وهكذا سعيد من أبي سعيد المقبري، وهكذا أيضا أبو إسحاق مولى الحارث، كلهم رأوا هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، فالحديث صحيح. ففي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما جلس قوم مجلسا -أي من المجالس التي يجلسونها ويتحدثون فيها- قال: "لم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم" -أي لم يتخلل هذا المجلس ذكرا لله- لم يتخلل هذا المجلس ذكرا لله، سواء كان قراءة قرآن أو تسبيح أو تهليل أو تحميد أو تكبير أو نحو ذلك من ذكر الله، أو تعليم علم، فهذا من ذكر الله. وأيضا لم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إلا كان مجلسهم عليهم ترة يوم القيامة"، ترة بمعنى حسرة، سيكون هذا المجلس عليهم حسرة يوم القيامة؛ لأنهم لم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "إن شاء عفى عنهم وإن شاء أخذهم"، والمعنى أنهم معرضون للعقوبة ومعرضون للوعيد، فهم تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفى عنهم وإن شاء أخذهم، يعني على هذا المجلس الذي جلسوه ولم يذكر الله سبحانه وتعالى فيه. فدل هذا الحديث على أن ذكر الله جل وعلا في المجالس، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام من أسباب سلامة العبد من العقوبة والمؤاخذة يوم القيامة. فإذا جلس العبد مجلسا لم يذكر الله تعالى فيه -وما أكثر هذه المجالس التي يجلسها الناس اليوم، سواء كانوا رجالا أو نساء- تجد المجالس الكثيرة "قيل وقال"، وربما وقوع في أعراض الناس، وغيبة وخوض في أمور الدنيا، ثم لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام، فهم موعودون بهذا الوعيد، موعودون بهذا الوعيد. بل جاء في رواية أخرى عند أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جلس مجلسا لم يذكر الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار"، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة، يعني كأنهم كانوا جالسين عند جيفة حمار. وتعرفون جيفة الحمار، يعني ما أشد خبثها وكراهة أو خبث رائحتها. هكذا حال من يجلس مجلسا لا يذكر الله عز وجل فيه ولا يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا وعيد شديد. فالعبد يسلم من ذلك بهذين الأمرين: بذكر الله عز وجل وبالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا فضل عظيم من فضائل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أن العبد يسلم من هذا الوعيد وهذه المؤاخذة وهذه الحسرة التي قد تحصل له يوم القيامة إذا جلس مجلسا لم يصلي فيه على نبيه عليه الصلاة والسلام. قالوا: حدثنا عاصم بن علي وحفص بن عمر وسليمان بن حرب قالوا: حدثنا شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد -أي الخدري رضي الله عنه- قال: "ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم يوم القيامة حسرة، وإن دخلوا الجنة للثواب". وهذا الحديث موقوف على أبي سعيد، أي من قوله رضي الله عنه، وهو صحيح موقوف، صحيح. لكن له حكم رفع، له حكم رفع؛ لأن هذا الحديث وهذا القول الذي أخبر به أبو سعيد رضي الله عنه فيه إخبار بأمر غيبي، ومثل ذلك لا يقال بالرأي، فيكون هذا مما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام. ويدل على ذلك ما ورد من الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بنحو ما ذكر أبو سعيد رضي الله عنه. وفي هذا الأثر أو هذا الحديث كذلك: "ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم يوم القيامة حسرة"، أي هذا المجلس وهذا الوقت الذي أضاعوه في هذا المجلس. "وإن دخلوا الجنة للثواب" يعني وإن كان مآلهم وعاقبة أمرهم دخول الجنة بسبب ما عندهم من ثواب على الحسنات والأعمال الصالحة، فهم مع ذلك يتحسرون على هذا المجلس الذي جلسوه ولم يذكروا الله عز وجل فيه ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف إذا كانت الحسنات قليلة والأعمال الصالحة ضئيلة؟ فلا شك أن مثل ذلك قد يكون عرضة أن يكون هذا العبد عرضة للمؤاخذة والمعاقبة. وعلى كل، فيحرص المسلم إن جلس مجلسا أن لا يخلو هذا المجلس من ذكر لله، أن لا يخلو هذا المجلس من ذكر لله. وهذا كذلك أيضا يذكر العبد وينبهه على أنه ينبغي أن يجالس من يعينه على ذكر الله، أن يجالس من يعينه على ذكر الله جل وعلا، من أهل الخير والصلاح الذين إذا جلس معهم لا يجد في مجالسهم إلا الخير، من ذكر الله، من تعليم العلم، من ذكر أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، من هذا القبيل من الخير الذي ينتفع به، ويكون مجلسه هذا مجلس خير يحمد عليه، وكذلك يثاب عليه في الدنيا وفي الآخرة. وأما مجالس أهل الدنيا وأهل الغفلة، وكذلك أهل الطيش، فمثل هؤلاء ينبغي أن يتجنب المسلم مجالستهم؛ فهم لا يعينوه على طاعة الله، ولا يذكروه بالله جل وعلا إذا نسي، لم يذكروه، وإذا جهل لم يعلموه، وإذا غفل لم ينبهوه، بخلاف أهل الخير وأهل الصلاح، فشتان بين الفريقين، وبعدا بين الطائفتين. فالعاقل الفطن لا شك أنه يحرص على ما فيه الخير له في الدنيا وفي الآخرة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.