التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 11

الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

كيفية الصلاة على النبي وتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم

شرح كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على حديث كعب بن عجرة وتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين. يُوضح أهمية اتباع الصيغة الصحيحة للصلاة عليه.

صيغ الصلاة على النبي وتنوعها

ذكر عدة صيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بعضها حسن الإسناد وبعضها ضعيف، واستحباب السلف لصيغة معينة. يُناقش تنوع الصيغ وأهمية اختيار الصيغ الصحيحة.

حكم ذكر السيادة والتحذير من البدع

يتناول حكم ذكر السيادة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ورأي الحافظ ابن حجر رحمه الله في ذلك، ويحذر من المحدثات والبدع ويعتبر كل بدعة ضلالة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق، قاضي المالكية، رحمه الله، في كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم": حدثنا سليمان، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أنه قال: ألا أهدي لك هدية؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا، قال: فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد﴾. وهذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين: البخاري ومسلم، بزيادة التبريك: ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما باركت أو صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد﴾. هكذا جاء الحديث في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث أصح حديث في كيفية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن البخاري ومسلم اتفقا على إخراج هذا الحديث، وفيه بيان الصيغة والكيفية المستحبة في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: أن تقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". هذه أكمل صيغة، وأحسن صيغة في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان يجوز -يعني- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خارج الصلاة بأقل من ذلك، كأن تقول: "اللهم صل وسلم على نبينا محمد"، أو "اللهم صل على النبي الأمي"، فهذا أيضا جائز. لكن في الصلاة، عند التشهد، تكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا شعيب، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾، قلنا: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت وصليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد". والحديث بهذا السند فيه ضعف؛ فيزيد بن أبي زياد القرشي ضعيف. وأيضا زيادة "كما باركت وصليت"؛ أنبه العلامة الألباني رحمه الله في الحاشية أن الحديث في مسند الإمام أحمد لم ترد فيه هذه الرواية، ولا أيضا في رواية المصنف التي بعد هذه، فلذلك قد قال: نبه؛ لأن قد تكون منكرة -يعني- غير ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتفرد بعض الضعفاء بذكرها. قال: وحدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو الأحوص، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: قلت: يا رسول الله، قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: تقولون: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد". وهذا السند أيضا ضعيف؛ لأجل يزيد بن أبي زياد. قال: وحدثنا أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، عن الحارث بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن عقبة بن عمر، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حتى جلس بين يديه، فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، وأما الصلاة فأخبرنا بها: كيف نصلي عليك؟ قال: فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وددنا أن الرجل الذي سأله لم يسأله، ثم قال: إذا صليتم علي فقولوا: "اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". وهذا الحديث حديث حسن كما أشار العلامة الألباني رحمه الله. وهذه أيضا صيغة من صيغ الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام المشروعة: "اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". قالوا: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا سعيد الجريري، عن زيد بن عبد الله، أنهم كانوا يستحبون أن يقولوا: "اللهم صل على محمد النبي الأمي عليه السلام". وهذا الأثر مقطوع -يعني- من قول التابعي هنا. قال: عن زيد بن عبد الله، وأشار العلامة الألباني رحمه الله أن الصواب: عن يزيد بن عبد الله، وهو ابن الشخير، كما جاء في كتاب الإمام ابن القيم "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام". النبي عليه الصلاة والسلام ذكره المصنف بسنده، وهو من طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير. ويزيد بن عبد الله بن الشخير تابعي ثقة عابد، وعبد الله بن الشخير أبوه صحابي جليل. فهو يقول: كانوا يستحبون -يعني السلف من الصحابة والتابعين- أن يقولوا: "اللهم صل على محمد النبي الأمي" -يعني- في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة، وبهذه الكيفية، فلا بأس كما ذكرنا سابقا أن يصلي المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة، وبأي صيغة يكون فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة خارج الصلاة إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأقل أن تقول: "اللهم صل على محمد". وهكذا أيضا لا بأس: "اللهم صل على محمد النبي الأمي". وهذه الصيغة كان السلف يقولونها في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود، عن عبد الله، أنه قال: إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه؛ فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا: فعلمنا؟ قال: قولوا: "اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد". وهذا الحديث ضعيف؛ فالمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله، وهو ضعيف بسبب اختلاطه. وكذلك أيضا أبو فاختة -وهو سعيد بن علاقة الهاشمي- هو ثقة نعم، لكن الحديث ضعيف بسبب المسعودي؛ فهو مختلط. وهنا فائدة ذكرها الشيخ الألباني رحمه الله في تعليق على هذا الحديث، قال: الحديث أخرجه ابن ماجه من طريق أخرى عن المسعودي به، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف. فذكر ذلك في فتوى له في عدم مشروعية وصفه صلى الله عليه وسلم بالسيادة في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وهي فتوى مهمة جرى الحافظ فيها على طريقة السلف لاتباع وترك الابتداع. وقد نشرتها بتمامها في التعليق على صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الطبعة الثالثة -يعني- أن الحافظ الإمام أحمد بن علي بن حجر الشافعي رحمه الله له فتوى في عدم مشروعية وصف النبي عليه الصلاة والسلام بالسيادة في الصلاة عليه -يعني- عند الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما تقول: "اللهم صل على سيدنا محمد". هذا لم يرد في شيء من صيغ الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين كما قال عليه الصلاة والسلام: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، وهو كذلك، لكن هذه الصيغة -يعني- صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن نأتي بها كما أتى بها النبي عليه الصلاة والسلام، وكما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم. وليس في شيء من هذه الصيغ الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر السيادة: "اللهم صل على سيدنا محمد". ففي هذه الفتوى أفتى الحافظ ابن حجر رحمه الله أنه لا يشرع ذكر "سيدنا محمد" في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على اتباعه رحمه الله لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان السلف قديما وحديثا يحرصون على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأذكار والأدعية والعبادات والطاعات، فيفعلونها كما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوه. فكانوا في غاية من الاقتداء والاتباع. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، أن يكون حريصا على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يحرص في طاعاته وعباداته وأقواله وأفعاله أن تكون موافقة لهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا أكمل في التعبد والانقياد لله عز وجل ولرسوله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. ويقول عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة». نعم، فخير الأمور السالفات على الهدى، وشر الأمور المحدثات البدع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.