الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أهمية الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسؤال الله الوسيلة له، ويستند إلى أحاديث نبوية لبيان فضل هذه الأفعال. كما يبين المؤلف درجة صحة هذه الأحاديث.
يشرح هذا الفصل أن الصلاة على النبي وسؤال الله له الوسيلة بعد الأذان يستوجب شفاعة النبي يوم القيامة. كما يصف مشهد يوم القيامة حيث يطلب الناس شفاعة الأنبياء بدءًا من آدم حتى محمد عليهما السلام.
يشترط لنيل شفاعة النبي تحقيق توحيد الله واجتناب الشرك بجميع صوره، وأن يكون الدعاء والاستغاثة لله وحده. سؤال الشفاعة من النبي بعد موته يعتبر شركا لأن الشفاعة ملك لله عز وجل.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق، قاضي المالكي، رحمه الله، المتوفى سنة 282 للهجرة، في كتابه «فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم»: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا سعيد بن زيد، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا علي؛ فإن صلاتكم علي زكاة لكم»، قال: «وسلوا الله لي الوسيلة»، قال: «فإما حدثنا وإما سألناه»، قال: «الوسيلة أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل». هذا الحديث بهذا السند فيه ضعف؛ فسعيد بن زيد ضعيف، وليث هو ابن أبي سليم، وهو أيضا ضعيف بسبب اختلاطه. لكن سيأتي أن للحديث شواهد، وآخر هذا الحديث، وهو قوله: «الوسيلة أعلى درجة في الجنة» إلى آخره، فسيأتي من حديث عبد الله بن عمر ما يشهد له. وأيضا جاء بنحوه في مسلم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قالوا: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا معتمر، عن ليث، عن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «صلوا علي؛ فإن صلاتكم علي زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة»، قال: «فإما أن يكونوا سألوه وإما أن يكون أخبرهم»، قال: «إنها أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو». وأيضا هذا السند فيه ضعف؛ فهو مرسل، ومع إرساله فهو ضعيف لأجل ليث، من أبي سليم. قالوا: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، قال: أخبرني محمد بن عمر بن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله لي الوسيلة؛ لا يسألها لي مسلم أو مؤمن إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة». وهذا أيضا السند فيه ضعف بسبب موسى بن عبيدة. قال: وحدثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة، ومن غزية، عن موسى بن وردان، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه». وهذا السند حسن؛ فهذه الطريق صحيحة. قال: وحدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا عمر بن علي، عن أبي بكر الجشمي، قال: عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي أو سأل لي الوسيلة حقت عليه شفاعتي يوم القيامة». وهذا الحديث صحيح. قال: وحدثنا محمد، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: أخبرني عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاري، عن عون بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة مجلسا لم يعطاه أحد قبلي، وأنا أرجو أن أعطاه، فسلوا الله لي الوسيلة». وهذا أيضا سنده فيه ضعف، لكن يشهد له ما تقدم من الطرق الصحيحة. ففي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من صلى عليه أو سأل الله عز وجل له الوسيلة أنه يستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. ففي هذا دلالة على أن من فوائد وفضائل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينال بها العبد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه لا شك أنها فضيلة عظيمة. من صلى علي أو سأل لي الوسيلة، يعني قال: «اللهم آتي محمدا الوسيلة والفضيلة»، أو «اللهم آتي نبينا محمدا الوسيلة»، ونحو ذلك من الدعاء. ويتأكد ذلك بعد الأذان، كما جاء في مسلم من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سمع الأذان فقال مثل ما يقول، ثم صلى علي، ثم سأل الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو». فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. إذن، هذه الفضيلة العظيمة ينالها المسلم إذا صلى على نبيه عليه الصلاة والسلام وسأل الله عز وجل لنبيه الوسيلة. الوسيلة درجة عالية ومنزلة رفيعة من أعلى المنازل والدرجات، لا تكون إلا لعبد من عباد الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أنه يرجو أن يكون ذلك العبد، فلهذا حث أمته أن يسأل الله عز وجل له هذه الوسيلة وهذه المنزلة وهذه الدرجة العظيمة. ورتب على ذلك استحقاق شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا العبد الذي سأل ربه جل وعلا الوسيلة لنبيه أن ينال شفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام يوم القيامة. هذه الشفاعة العظيمة التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء في الموقف العظيم في ذلك اليوم العظيم. يوم أن تدنو الشمس من الخلائق، فيصيب الناس من الهم والغم والكرب ما لا يعلمه إلا الله، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما قد أصابكم؟ ألا تنظروا من يشفع لكم؟ فيأتون إلى آدم عليه السلام، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك الملائكة، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول آدم عليه السلام: إن ربي قد غضب اليوم غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني نهيت عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي. يتبرأ آدم عليه السلام، يقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون إلى نوح عليه السلام، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، ألا ترى ما قد أصابنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول نوح عليه السلام: إن الله غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة جعلتها لأمتي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إلى إبراهيم عليه السلام، فيقولون: يا إبراهيم، أنت خليل الله، ألا ترى ما قد بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن الله غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات، ويريد بذلك عليه السلام قوله: «إني سقيم»، وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا»، وقوله في سارة: إنها أخته. وهذه العبارات هي معاريض، لكنها في ظاهرها كذب، فقال ذلك لعظم ذلك الموقف وشدة خوفي من الله سبحانه وتعالى، فيقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري. فيأتون إلى موسى عليه السلام، فيقولون: يا موسى، ألا ترى ما قد بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن الله غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري. فيأتون إلى عيسى عليه السلام، ويقولون له مثل ما يقولون لغيرهم من الأنبياء، فيعتذر ويقول: إن الله غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا إلا أنه يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد. فيأتون نبينا عليه الصلاة والسلام، فيقولون: يا رسول الله، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما قد بلغنا؟ ألا ترى ما قد أصابنا؟ فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عز وجل عليه من محامد الله وحسن الثناء على ربه جل وعلا ما لم يكن يعلمه من قبل. فيقول الله عز وجل له: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فيقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب. فيقول الله عز وجل: أدخل من أمتك بغير حساب من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. الحديث. وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: هذه هي الشفاعة العظمى التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي يحمد عليه عليه الصلاة والسلام، والمراد بقول الله عز وجل: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾. فالذي يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام ويسأل للنبي عليه الصلاة والسلام من ربه الوسيلة، فهذا ممن يستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذا لا يكفي وحده؛ أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل الله له الوسيلة، هذا أمر طيب، وهو سبب من أسباب نيل شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هناك سبب عظيم لا بد من تحققه، ولا بد من وجوده، وإذا عدم هذا السبب، فلا فضل عظيم، ألا وهو توحيد الله جل وعلا. لا بد أن يكون هذا المصلي وهذا السائل لنبيه عليه الصلاة والسلام الوسيلة أن يكون موحدا لله، بعيدا عن الشرك في عبادة الله جل وعلا. ويدل على ذلك ما جاء في البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، من أحق الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد غيرك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث». قال: «أحق الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه». يعني أنه حقق معنى لا إله إلا الله، الذي هو لا معبود بحق إلا الله. فمن صرف العبادة لغير الله، من دعاء أو ذبح أو نذر أو استغاثة أو خوف أو رهبة أو خشية أو إنابة أو توكل أو غير ذلك من أنواع العبادة، من صرفها لغير الله، هل حقق معنى لا إله إلا الله؟ وهل قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه؟ الجواب: لا. إذن، بهذا يحرم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك من سأل الشفاعة من غير الله سبحانه وتعالى. الشفاعة ملك لله، فإذا كانت الشفاعة ملكا لله، فإنها تسأل من الله. إذا أردت أن تكون من شفعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فقل: «اللهم اجعلني من شفعاء نبيك»، أو «اللهم شفع نبيك فينا»، وهكذا تسأل الشفاعة ممن يملكها، وهو الله سبحانه وتعالى. أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو لا يشفع إلا بعد إذن الله، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ ولا يشفع إلا لمن رضي الله عنه. الشفاعة لله عز وجل لا يرضى إلا التوحيد والإيمان، لا بد من رضى الخالق سبحانه وتعالى عن الشافع وعن المشفوع له، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾. إذا علمنا ذلك، علمنا خطأ من يسأل الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، ويستغيث برسول الله عليه الصلاة والسلام وهو قد مات، ويقول: «يا رسول الله، اشفع لي»، هذا الآن سأل الشفاعة ممن لا يملكها، وصرف هذا الدعاء إلى غير الله سبحانه وتعالى، فوقع في الشرك. ثم يريد أن يكون من شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا أردت أيها العبد أن تنال هذه الفضيلة العظيمة، فلا بد أن تحقق توحيد الله عز وجل، وأن تجتنب الشرك بجميع صوره وأنواعه، حتى تكون من شفعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من شفعاء نبيه عليه الصلاة والسلام يوم القيامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.