الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 31

الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التسامح في رواية الحديث الضعيف وآراء العلماء

يناقش المقطع مسألة التسامح في رواية الحديث الضعيف والخلاف بين العلماء حولها، مع التركيز على آراء الإمام أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي. يُظهر أن الإمام أحمد كان يتسامح في رواية الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب والقصص.

شروط وضوابط رواية الأحاديث الضعيفة

يتناول آراء العلماء حول رواية الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب، ويشترط لروايتها ألا يكون ضعفها شديدا وألا تتعلق بالحلال والحرام. يُناقش أيضًا ضوابط رواية الحديث الضعيف، مثل عدم اعتقاد ثبوت العمل به واستخدام صيغة التمريض.

الاستدلال بالحديث الضعيف وتوضيحات حوله

يُوضح أن العالِم قد يستدل بالحديث دون أن يعني أنه صحيح، بل قد يعني فقط أنه ورد أو أنه لم يتذكر صحته أثناء الاستدلال. هذا يبين أن الاستدلال بالحديث لا يعني بالضرورة اعتباره صحيحا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ رحمه الله: ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحو ذلك. الحمد لله في صفات الله، وفي باب الحلال والحرام قال: ومن يرخص في رواية الضعيف ما ذكرناه ابن مهدي وأحمد بن حنبل رحمه الله، قالوا: إذا عزوتم إلى النبي عليه الصلاة والسلام من غير إسناد، فلا تقل: قال صلى الله عليه وآله وسلم كذا وكذا، وما أشبه من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضا. طيب، مسألة رواية الحديث الضعيفة والتسامح فيها، هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء من ناحية الرواية، وكذلك من ناحية الاحتجاج. الحديث الضعيف أولا، هنا من ناحية الرواية، هل يتسامح في رواية الحديث الضعيف؟ فجاء عن بعض السلف، كعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم، أنهم قالوا: يتسامح فيها. واحتمال كلام الإمام أحمد يدل على احتمالين، إما أنه أراد أن هذا يتسامح في الرواية عن ذلك، وإما أراد أنه لا يشدد فيها، لا يشدد في الرواية التي يكون فيها مثلا الإسناد الضعيف، أو الرواية التي تأتي في الترغيب والترهيب، وأنه لا يبحث عنها كثيرا ويشدد فيها، وإنما قد يتساهل فيها. وجاء ذلك عن الإمام أحمد أنه كان عند بيته عبد الله بن إدريس الكوفة، فقالوا له: يا أبا عبد الله، موسى بن عبيدة الربذي هل يقبل حديثه؟ فقال: أو هل يروى عنه؟ قال: لا بأس في المواعظ والترغيب والترهيب. أما إذا جاء الحلال والحرام، أردنا رجالا هكذا، وقبض الإمام أحمد على كلتا يديه وأفرد الإبهام. فقال: أردنا رجالا هكذا، حتى بعضهم لما يقول: هذه جاءت عن الإمام أحمد من هذه العبارة، معناه يقولون: جاءت هذه عن الإمام أحمد، هو معناه قال: نريد رجالا أقوياء، أشدة إذا جاء الحلال والحرام، أردنا رجالا أقوياء أشدة. فظاهر أنه ما أراد أن هذا تأكيد، وإنما أراد أنهم أقوياء شداد. لكن معناه قالوا: هذه العبارة معناها وجدوها الآن يستعملونها، فقالوا: هذا جاء عن الإمام أحمد. طيب، فالمهم أن الإمام أحمد يقول: إذا جاء الحلال والحرام أردنا رجالا أشدة وقوية. فهل أراد رحمه الله أنه مثل هؤلاء يروى عنهم القصص والأحاديث وكذا ويتسامح فيها ولا يتشدد؟ أم أراد أنه لا يبحث عن هذه الأحاديث؟ فالاحتمال الأول هو الأظهر؛ لأنه ذكر له رجلا معينا، وهذا الرجل معين هو ضعيف معروف، موسى بن عبيد الربذي ضعيف الحديث، سيء الحفظ. فقال إمام أحمد: إذا جاء لا بأس في الترغيب والترهيب. وكأنه يرى أنه جائز أن يروى حديث مثل هؤلاء في الترغيب والترهيب والقصص، وما لا يكون فيه حلال وحرام أو من أسماء الله والصفات وهكذا. قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: لكن عمه، لكن هنا ذكر الإمام أحمد خصوصا بمثل موسى بن عبيد الربذي وغيره. طيب، فدل هذا على أن العلماء يجوزون. وذكر بعض العلماء أنه لا نفع في رواية الأحاديث الضعيفة، وأن الأحاديث الصحيحة فيها غنية عن الأحاديث الضعيفة. وقد ذكر ذلك الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه، وكذلك جاء عن ابن العربي المالكي، وجاء عن جماعة من الحفاظ أنهم ينهون ويحذرون من رواية الحديث الضعيف، ويقولون: إن في الأحاديث الصحيحة غنية عن الضعيف. وهذا لا بأس به. لكن العلماء رأوا أن مثل هذه الأحاديث ليست جزما أنها ضعيفة، ما نستطيع أن نجزم أنها ضعيفة؛ لأن هؤلاء لهم حفظ ولهم دين، عندهم تقوى عندهم دين، لكن أحيانا يخطأون بسبب سوء حفظهم. فمثل هؤلاء الصواب قد يكون حليفا له، قد يكون قريبا منه. فلهذا يقول العلماء: إنه لا بأس إذا روى الإنسان حديثا في الترغيب والترهيب، لا بأس أن يرويه. لكن وضع العلماء على هذا شروطا، كما ذكر الحافظ في النزهة. أولا: أنه لا يكون ضعفه ضعفا شديدا، هذا شرط. أن لا يكون ضعفه ضعفا شديدا، لو كان متروكا أو كذلك فيه كذاب أو كذا، لا يعمل به، هذا ولا يحدث به. لكن العجيب الآن أنه يأخذ أحكاما من هذه الأحاديث الضعيفة، وهذا خطأ. أو يعمل مثلا، يطبق عملا، مثلا على سبيل المثال: إحياء ليلتين العيد، إحياء ليلتين العيد، هذا حكم يحتاج إلى دليل. والحديث الذي جاء فيه لا يصح، من حديث عمر بن هارون، وهو متروك. فالأخذ معنى قول الإمام النووي رحمه الله: إن هذا من فضائل الأعمال، ويتسامح فيها، ليس صحيحا؛ لأن الحديث ضعيف جدا. وهو نفسه الإمام النووي ذكر في الإرشاد معنى ما ذكره ابن الصلاح: أنه من هذه الشروط أن لا يكون شديد الضعف. وكذلك من الشروط التي ذكروها: أن لا يكون في الحلال والحرام، أو ما يكون من صفات الله وأسمائه، وغير ذلك من هذه الأمور التي هي عظيمة. والأمر الثالث أيضا من هذه الشروط: أن لا ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقال: قال رسول الله، وإنما يؤتى بصيغة التمريض، أو يقال: روي في الحديث أنه كذا وكذا. أنه يقال: روي في الحديث كذا وكذا، ما يقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يأتي به بصيغة التمريض أيضا. كذلك أن لا يعتقد ثبوت العمل به، أنا عند العمل لا أعتقد أنه بسبب هذا الحديث عمل أو ثبوت الحديث به، وإنما من باب الاحتياط. أنا لا يعتقد عند العمل به ثبوته، ويقال مثلا: هذا قد جاء فيه حديث، وإنما يقال: روي فيه حديث، لا بأس. يقال: روي فيه حديث، فلا بأس؛ حتى لا يعتقد أن هناك حديثا ثابتا في هذه المسألة. وذهب بعض العلماء إلى أن قول الإمام أحمد، وكذلك عبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، في باب التساهل في هذه الأمور، ليس من باب أنه يعمل بها، وإنما يتساهل فيها لأجل أنه يستشهد بها، أو أنها من الحديث الحسن؛ لأنه جاءت رواية عن الإمام أحمد أنه ذكر عمر بن شعيب، وذكر أيضا غيره من هذه الروايات التي هي مقبولة عند كثير من أهل العلم. فالظاهر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قول إمام أحمد بالاحتجاج بالحديث الضعيف، ليس المراد الضعيف الاصطلاحي، ليس المعروف الضعيف الاصطلاحي، وإنما الحديث الضعيف المراد به الحسن عند المتأخرين، الحديث الحسن عند المتأخرين، الحسن لغيره، معنى الذي يستشهد به. فلهذا من عبارات الإمام أحمد أنه كان يقول: الضعيف قد يحتاج له. وأما المنكر فأبدا منكر، سواء كانت جاءت شواهد أو ليست شواهد. فهذه بعض الشروط التي ذكرها العلماء، وكذلك بعض الضوابط. قال: وما أشبه من الألفاظ بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضا، حتى فيما يشك في صحته. وقد ذكر ابن حبان رحمه الله في هذا الباب تشديدا، ولم يقبله العلماء، فقال: لا يحل لأحد أن يروي حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يعلم صحته، وهو لا يعلم صحته. يقول: لا يحل، معنى حتى لو كان شاكا في صحته، لا يقول: قال رسول الله، وإنما يقول مثلا: وارد في الحديث، أو كذا، أو لا يعلم صحته. وهذا قد يكون ثقيلا على الناس؛ لأن ليس كل أحد يحدث بحديث لابد أن يكون يعلم صحته في ذلك الوقت. لكن هذا الأولى، وهذا الأفضل، خاصة للعلماء والمشايخ. ولهذا ذكر ابن الصلاح مسألة: وهي إذا صحح العالم أو إذا عمل العالم بالحديث، هل هو تصحيح له أو حدث به؟ هل هو تصحيح له؟ فالصحيح أنه ليس تصحيحا له؛ فقد يستدل العالم بالحديث ولا يريد أنه صحيحا، وإنما يريد أنه ورد هذا الحديث، أو أنه لم يستذكر في حال الاستدلال صحته.