الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشترط في الراوي أن يكون مسلمًا عاقلًا بالغًا، سالمًا من الفسق وخوارم المروءة، متيقظًا غير مغفل، حافظًا لما يرويه، فاهمًا للمعنى. يتم إثبات عدالة الراوي من خلال استفاضة الثناء عليه أو تعديل الأئمة له.
تناقش أقسام العدالة وأدلتها، حيث ثبتت عدالة الصحابة بتصديق الله لهم، واستفاضة العدالة تحمي الشخص من تأثير كلام الناس. كما تطرق إلى آراء الأصوليين حول إضافة عدالة القاضي كقسم ثالث.
اختلف العلماء في حكم رواية الثقة عن الراوي الضعيف بين اعتبارها تعديلا أو لا، واستشهد بآراء الأئمة مثل أحمد والشافعي ومالك في روايتهم عن ضعفاء.
ذكر ابن صلاح قول ابن عبدالبر بأن كل حامل علم معروف بعنايته به يعتبر عدلاً، مما يوسع مفهوم العدالة ليشمل العلماء المعروفين بعنايتهم بعلمهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى الحافظ ابن كثير: النوع الثالث والعشرون معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل، وبيان الجرح والتعديل. قال: المقبولة ثقة، الضابط لما يرويه، وهو المسلم العاقل البالغ، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وأن يكون مع ذلك متيقظا غير مغفل، حافظا لما يحدث من حفظه، فاهما لما يحدث على المعنى. فإن اختل شرط مما ذكرنا، ردت روايته. وهذا قد ذكرناه قبل، وهذا يعتبر مثل المراجعة لما تقدم في كلام على الصحيح. أخذنا ما معنى الثقة والعدالة والضبط، والعدل الضابط، والثقة الذي يقبل حديثه. ما هو؟ المسلم العاقل البالغ، سالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وأيضا زاد هنا أن يكون مع ذلك متيقظا غير مغفل. معنى متيقظا في حديثه، معنى ليس ممن أصابته الغفلة، غفلة الصالحين، بحدث بالتوهم، هذا خطأ. حافظا لما يحدث من حفظه، فاهما لما يحدث على المعنى، يعني يفهم في لغة العرب ما يغير المعنى. فإن اختل شرط مما ذكرنا، ردت روايته. فلابد أن يكون حافظا ضابطا، أو عدلا ضابطا. والضبط يقتضي عدم الغفلة، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن الطعن في الحفظ هو خمسة أشياء: معنى سوء الحفظ، والغفلة الشديدة، وأيضا الخطأ الفاحش، والوهم، والمخالفة. هذه الخمسة الأشياء ذكرها الحافظ مما يطعن به في رواية الراوي في حفظه. معنى يطعن إما لسوء حفظه، أو لفحش غلطه، أو لغفلته، أو لوهمه، أو لمخالفته للثقات. فهذه خمسة أشياء يطعن بها في الراوي في ضبطه. وذكر أيضا خمسة أشياء يطعن في العدالة. قالوا: تثبت عدالة الراوي باشتهاره بالخير، والثناء الجميل عليه، أو بتعديل الأئمة، أو اثنين منهم له، أو واحد على الصحيح. ولو بروايته عنه في قول. الآن أراد أن يبين كيف تثبت عدالة الراوي. فثبت عدالة الراوي بعدة أشياء. ذكر هنا المؤلف أولا: باستفاضة الثناء عليه، أن يستفيد الثناء عليه بالجميل والخير، كأئمة المعروفين، كمالك، والشافعي، وأحمد، وابن المبارك، وسفيان، والليث، والأوزاعي، وغيرهم من أئمة الإسلام. هؤلاء استفاضتهم تكفي، لو لم نجد من يعدلهم، لكانت استفاضتهم استفاضة عدالتهم تكفي. فلهذا مثل هؤلاء لا يقبل قول أحد فيهم، مهما كان هذا الشخص. أن لو جاء مثلا عالم يريد أن يطعن في أحد هؤلاء الأئمة، فهؤلاء عدالتهم استفاضة عند العلماء. ولهذا لما تكلم ابن معين على الشافعي، وإن كان الظاهر والله أعلم أنه لم يرد الشافعي محمد بن إدريس، وإنما أراد الشافعي الذي كان في بغداد رجل يقال له الشافعي. وأما محمد بن إدريس فهو إمام، فكلام ابن معين لم يؤثر فيه، مع أنه إمام الجرح والتعديل. ابن معين إمام الجرح والتعديل بإطلاق، معناه هو المقدم في الجرح والتعديل، لكن كلامهم في الشافعي لم يؤثر على الشافعي. لماذا؟ لأن الشافعي قد استفاضت عدالته، فلا يقبل من أحد كلام، بل الذي يتكلم في مثل هؤلاء إنما يتكلم في نفسه، أن يكون عيبا فيه، وليس في هؤلاء. وذكر عبد الله بن أحمد عن نبيه أنه قال: من ثبتت عدالته عندنا، لم يذهبها شيء، أو لم يذهبها كلام أحد، كائنا من كان. يعني إذا ثبتت العدالة، خلاص عدل، ما يذهبه كلام أحد من الناس ممن تكلم. وإلا لو أخذنا كلام كل أحد، لما بقي لنا إمامنا. فهذا ابن حزم تكلم في مالك، وتكلم كذلك في الشافعي، وغيرهم من الأئمة، تكلم فيهم، لكنه لم يأخذ كلامه، وإنما صار كلامه ضرر عليه. طيب فهذا النوع الأول من العدالة. وقبل ذلك بعضها العلم، قال: أول العدالة الأولى هي عدالة الصحابة، هذه عدالة ما بعدها عدالة، لأن الله عز وجل هو الذي عدّل لهم، السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه. هذه عدالة ما بعدها عدالة. ولهذا اتفقت الأمة، ولا إمام على أن الصحابة كلهم عدول، كلهم عدول، لم يستثنوا أحدا. ومن استثنى من بعض أهل البدع، استثنى بعضهم أبا بكرة، واستثنى بعضهم معاوية، واستثنى بعضهم عمرو بن العاص، فهؤلاء كلهم كلامهم باطل وخطأ. ولم يفرق بين أحد من الصحابة، والصحابة كلهم عدول، رضي الله عنهم. والمراد بالصحابة: أي من حسن سيرته مع النبي عليه الصلاة والسلام. أما من خالف النبي، وإن انتسب إلى الصحابة، أو نُسب إلى الصحابة، فهو أيضا على شر، ليس على خير. والثانية هي الاستفاضة، استفاضة العدالة. والثالثة ذكر بعض أهل الأصول أن الثالثة هي عدالة القاضي، لكن هذه يذكرونها في الشهادات، لا دخل لها في الحديث. أن تجد في كتب الأصول هذه الشروط موجودة في كتب الأصول، لكن يزيدون عدالة القاضي. إذا عدل القاضي رجلا، فعدالته تكون أرفع من غيره، لكن هذه في الشهادة، ليس في الرواية. وبعد ذلك في الرواية: تزكية الأئمة، وتعديل الأئمة للرواة، تعديل الأئمة للرواة، هذا أيضا يعتبر تعديل وتزكية. وذكر بعض أهل العلم أن رواية الثقة عن الراوي، تعتبر عدالة، جاء ذلك عن أبي حاتم، أنه سئل ابنه فقال: يا أبي، رواية الثقة عن الراوي، هل تنفعه؟ قال: نعم تنفعه. لكن الصحيح الذي عليه أكثر العلماء، خاصة المتأخرين، فالحافظ ابن حجر، وابن رجب، والذهبي، والعراقي، وغيرهم: أن رواية الثقة عن غيره، ليست تعديلا له. ومما يدل على ذلك: أنه ما من أحد من الأئمة، إلا وقد روى عن ضعيف، إلا اليسير. فهذا الإمام أحمد، مع جلالته، ومع أيضا إمامته، فقد روى عنه ناس ضعفاء. روى عنه ناس ضعفاء، ممكن أنه أحسن الظن بهم. مثل نصر بن باب، روى عنه الإمام أحمد في المسند، وقد كذبه أكثر الأئمة. والشافعي رحمه الله، يروي عن محمد بن أبي حية الأسلمي، وقد كذبه أحمد وغيره. وهكذا أيضا شعبة، كان كثير التحري في الرواية، إلا أنه روى عن عاصم بن عبيد الله، وعن محمد بن عبيد الله العرزمي. مالك رحمه الله، هو من أشد الناس تنقضا، وكان سفيان بن عيينة يقول: مالك قدوة في الرجال، فمن قدوتنا في الرجال مالك، أي من روى عنه مالك، روينا عنه. فكان مالك يتخذ قدوة، وخاصة في أصحاب المدينة، إلا أنه روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق، فقال: غرني سمته، وغرني سكوته. أنا عرفت أنه فيه ضعف، لكن قال: غرني سكوته وسمته. فالمهم أنه ما من أحد من العلماء، إلا اليسير جدا، ممن لم يرو إلا عن ثقة. أن قليل ممن لم يرو عن ثقة، كيحيى بن سعيد، أن يحيى بن سعيد متشدد في هذا الأمر كثيرا. كذلك عبد الرحمن بن مهدي، وإن كان بعضهم يذكر أنه روى عن بعض الضعفاء، لكن ضعفاء عند غيره، أما عنده فليس بضعفاء، وهو كان متحريا أيضا. سليمان بن حرب، يقال: أنه ما روى عن ضعيف أبدا. وهكذا جماعة من أهل العلم، لكنهم قليل. وإلا أكثر الأئمة قد روى عن أناس ضعفاء. كان مالك يقول لأهل العراق: هذا شعبتكم، يروي عن عاصم بن عبيد الله. أنا يريد أنه شعبة، أنتم تقولون شعبة شعبة، وهو يروي عن عاصم بن عبيد الله، وعاصم بن عبيد الله العمري ضعيف من أهل المدينة. قال ابن صلاح: توسع ابن عبدالبر، فقال: كل حامل علم، معروف العناية به، فهو عدل، محمول أمره على العدالة. طيب هذا إن شاء الله نتركه في درس العام.