تذكير البررة بحديث لا عدوى ولا طيرة

الخطبة بعنوان تذكير البررة بحديث لا عدوى ولا طيرة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 20 صفر 1444هـ الموافق 16 سبتمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

نفي تأثير العدوى والطيرة في الإسلام

يناقش هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نفى فيه تأثير العدوى والطيرة، ويبين أهمية أخذ الأسباب والتوكل على الله. كما يوضح معنى الطيرة والتشاؤم بمختلف أشكاله.

التحذير من التشاؤم والاعتقاد بتأثير النجوم

هذا الفصل يركز على تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من التشاؤم والاعتقاد بتأثير النجوم والغيلان، ويبين أن هذه الأمور منافية لتوحيد الله. كما يؤكد أن الأمور بيد الله وحده.

أهمية الدعاء والذكر في تعزيز الإيمان

يتضمن هذا الفصل أدعية وطلبات من الله تعالى لتعزيز الإيمان وتزيينه في القلوب، مع بعض عبارات التسبيح والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يظهر رغبة في الطاعة والالتزام بالرشد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، روى الإمام البخاري في صحيحه، وكذا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، زاد مسلم: «ولا نوء ولا غول». ففي هذا الحديث نفى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الاعتقادات التي كان يعتقدها أهل الجاهلية مما ينافي التوكل على الله جل وعلا وصدق الاعتماد عليه. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى» أي لا عدوى تؤثر بنفسها وتؤثر بطبعها كما كان يعتقد أهل الجاهلية، وإنما قد تقع العدوى بأمر الله سبحانه وتعالى وبإذنه. ولذلك جاء في مسند الإمام أحمد وعند ترمذي في سننه، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يعدي شيء شيئًا»، قالها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. فقال أعرابي: يا رسول الله، إنا نرى النقبة تكون في مشفر البعير أو في ذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى الأول؟» أي هذا البعير الأول الذي ظهر فيه الجرب، من أين أتاه؟ ومن أين وقع له؟ أليس من الله سبحانه وتعالى؟ فكذلك بقية الإبل التي أصابها هذا المرض هو بأمر الله سبحانه وتعالى وبإذنه. وهذا لا ينافي أن المسلم يأخذ بالأسباب، فيبتعد عن من يخشى أن ينتقل إليه المرض بأمر الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يورد ممرض على مصح»، وأمر عليه الصلاة والسلام أن لا يدخل إلى البلد التي وقع فيها الطاعون. فكل ذلك من الأخذ بالأسباب الذي لا ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى، كما أن الإنسان مأمور أن لا يوقع نفسه في مواقع الهلاك كإلقاء نفسه في الماء أو في النار، فكذلك عليه أن يأخذ بأسباب السلامة، ومن ذلك البعد ممن ابتلاه الله جل وعلا بشيء من الأمراض، وذلك كله بأمر الله سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة»، والطيرة هي التشاؤم، التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم. أن يتشاؤم الإنسان بشيء يراه، كأن يرى حيوانًا كالغراب أو البومة، أو يرى إنسانًا فيتشاؤم منه، كأن يرى في أول صباحه رجلًا أعمى أو رجلًا أعرج فيتشاؤم منه، عياذًا بالله. أو التشاؤم بمسموع، أي كالتشاؤم بصوت من الأصوات كصوت الغراب أو صوت الحمار أو صوت الكلب أو غير ذلك من الأصوات. والتشاؤم بمعلوم هو التشاؤم بشيء من الأزمان كالأيام والشهور. فالنبي عليه الصلاة والسلام نفى أن يكون للطيرة تأثير، وكان التشاؤم في الجاهلية أكثر ما يتشاؤمون من الطير، ولذلك سميت تشاؤمًا بالطيرة، لأنهم كانوا يتشاؤمون بها. إذا أراد أحد منهم أن يقدم على عمل من الأعمال كزواج أو سفر أو نحو ذلك، رأى الطير وربما زجرها فينظر أين تذهب. فإن ذهبت إلى جهة اليمين، وهو ما يسمى عندهم بالبوارح، أقدموا على ما أرادوا أن يفعلوا، وإذا ذهبت إلى جهة اليسار، وهو المسمى عندهم بالسوانح، تشاؤموا وتركوا ما أرادوا أن يقوموا به من الأعمال. فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون للطيرة تأثير، فما عسى أن يفعل هذا الطائر من جلب نفع أو دفع ضر؟ وإنما الأمر بيد الله سبحانه وتعالى. قال عكرمة: كنا عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فمر طائر فقال رجل: خير، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لا خير ولا شر، لا خير ولا شر»، منكرًا على هذا الرجل ومعلمًا له العقيدة الصحيحة، وأن ذلك لا تأثير له. وخرج طاوس رحمه الله في سفر ومعه رجل، فسمع صوت غراب فقال: خير، فقال: «وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني، لا تصحبني». نعم، هكذا أنكر عليه ليعلمه العقيدة الصحيحة. ولذلك كانت الطيرة مما ينافي توحيد الله جل وعلا بالكلية، أو منقصًا له. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». قال ابن مسعود: «وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل»، رواه أبو داود. فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الطيرة شرك، فإنها مما ينافي توحيد الله سبحانه وتعالى. فقد يقع العبد في الطيرة ويقع في الشرك الأكبر، عياذًا بالله الذي يخرجه من دائرة الإسلام. وذلك إذا اعتقد أن هذا المتطير به له تأثير وفاعل مع الله سبحانه وتعالى، فإنه بذلك قد وقع في الشرك الأكبر. وإن اعتقد أنه سبب من الأسباب في جلب النفع أو دفع الضر، فقد وقع بهذا في الشرك الأصغر، إذ أنه جعل هذا الأمر سببًا ولم يجعله الشرع سببًا من الأسباب. فانظر يا عباد الله إلى خطورة هذا الاعتقاد الذي كان يعتقده أهل الجاهلية، وربما وقع فيه بعض الناس من التشاؤم ببعض الحيوانات أو ببعض الناس أو ببعض الأزمان والأيام. بل ربما تشاؤم بعض الناس من أهل الخير والفضل والصلاح، كما فعل قوم فرعون مع موسى عليه السلام وأصحابه. قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. هكذا أخبر الله عز وجل عن قوم فرعون أنهم إذا جاءتهم الحسنة، أي الخصب والأمطار والغيث، قالوا: «لنا هذه»، نحن أجدر بذلك ونحن أحق بذلك. وإذا أصابتهم السيئة من الجدب والقحط وقلة الأمطار والغيث، قالوا: «هذا بسبب موسى وأصحابه»، هذا بسبب موسى وأصحابه. هكذا بعض الناس، هداهم الله، لربما إذا حصل شيء من ذلك قالوا: «هذا بسبب هؤلاء المطاوعة»، قلت الأمطار وقلت الأرزاق. وهذا من التشاؤم المحرم الذي يفسد توحيد صاحبه. قال الله جل وعلا: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي شؤمهم هو بسبب أعمالهم وكفرهم بآيات الله وبرسله عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما جاء به موسى خير لهم في الدنيا والآخرة. هكذا عباد الله، يفعل التطير بصاحبه. ولذلك كان نفاه النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا طيرة» أي لا تأثير لهذه الأشياء التي يتشاءم منها الإنسان ويتطير منها، وإنما هي عبارة عن أوهام وخيالات لا تأثير لها. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا هامة»، والمراد بالهامة حيوان من الحيوانات، وهي البومة. إذ أن أهل الجاهلية كانوا إذا وقعت البوم على بيت أحدهم تشاؤموا من ذلك، وقالوا: إنها تنعى أحدًا من أهل البيت، أي أنها تخبر بموت أحد من أهل البيت. فلذلك كانوا يتشاؤمون منها، فنفى النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون لهذا الطائر شيء من هذا التأثير، وإنما ذلك من الخيالات والأوهام. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا صفر»، والمراد بصفر على القول الصحيح هو التشاؤم بهذا الشهر، شهر صفر. إذ أن أهل الجاهلية كانوا يتشاؤمون منه، وكانوا يتشاؤمون منه ولربما لم يتزوج أحد منهم في هذا الشهر تشاؤمًا. وذلك كما ذكر أهل العلم أنه وقع في سنة من السنين أن مرضًا أصاب الأعراس في ذلك في تلك السنة فتشاؤموا من هذا الشهر. فالنبي عليه الصلاة والسلام ينفي أن يكون لشهر صفر كذلك تأثيرًا في حدوث شيء من الأمراض أو الأسقام أو الأحداث. فقال: «ولا صفر» أي لا تشاؤم بشهر صفر، فلا ينبغي للمسلم أن يتشاؤم بشيء من الأزمان أو الأيام أو الشهور كشهر صفر أو كشهر شوال. فقد كان أهل الجاهلية يتشاؤمون من شهر شوال، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال». فانظروا أي نسائه أحظى عنده، أي لها من المحبة ولها من القربة من الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من عائشة رضي الله عنها. فكانت عائشة رضي الله عنها أحب نساء النبي عليه الصلاة والسلام إليه، وأرادت بذلك أن تبطل هذا المعتقد الذي كان يعتقده أهل الجاهلية، وأنه لا تأثير لشيء من الأزمان في حدوث شيء من الأشياء أو في جلب نفع أو دفع ضر. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام في زيادة مسلم: «ولا نوء ولا غول». والمراد بالنوء واحد الأنواء، وهي النجوم والكواكب. والمعنى لا تأثير لهذه النجوم في حركاتها وفي سيرها على الحوادث الأرضية. وهذا ما يسمى بعلم التأثير، إذ أن علم النجوم ينقسم إلى قسمين: علم التأثير وعلم التسيير. أما علم التأثير، وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث الأرضية من موت إنسان أو حياة آخر أو إصابته بشيء من المصائب والأسقام. فالنبي عليه الصلاة والسلام نفى أن يكون لهذه النجوم في حركاتها تأثير على ما يقع في الأرض. ولذلك جاء في حديث ابن عباس عند أبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر»، زاد ما زاد. أي كلما زاد اقتباسًا من النجوم كلما زاد اقتباسًا من السحر. والمراد بذلك ما يفعله أهل التنجيم الذين يستدلون بالنجوم على شيء من الحوادث والوقائع، فإن ذلك من الشرك بالله جل وعلا. وأما النوع الثاني من أنواع علم النجوم فهو علم التسيير، وهو الاستدلال بحركات النجوم على معرفة الجهات أو معرفة القبلة أو نحو ذلك، فإن ذلك جائز. قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال قتادة رحمه الله، كما في صحيح البخاري: «خلق الله عز وجل النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها». فمن ابتغى بها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع سبيله، وتكلف ما لا علم له به. فالاستدلال بحركات النجوم على معرفة جهة القبلة أو كذلك معرفة الجهات فهذا جائز، أو كذلك أيضًا الاستدلال بحركاتها على معرفة أوقات نزول الأمطار، فإن هذا جائز على الصحيح، إذ أنه يعرف ذلك بمعرفة حركات النجوم وسيرها. أما الاستدلال بها على الحوادث الأرضية فهذا هو المنفي، وهو الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام ونفاه بقوله: «ولا نوء» أي لا تأثير لهذه الأنواء فيما يقع في هذه الأرض. **أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.** الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام في زيادة مسلم: «ولا غول»، والغول واحد الغيلان، وهي ما كان يعتقده أهل الجاهلية أن جنسًا من الشياطين والجن كانت تتصور وتتمثل بصور شتى في الفلاة، أي في الصحراء، فتضل الناس. فنفى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله: «ولا غول» أي لا يوجد ذلك، ولا كذلك يقع هذا الأمر. وليس المراد نفي أصل الشياطين، فإنها موجودة ومخلوقة، ولكن المراد نفي هذا المعتقد الذي كان يعتقده أهل الجاهلية. هكذا عباد الله، نفى النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأمور التي تضر بمعتقد العبد، ولربما تنفي إيمانه بالكلية أو تنقصه. فالواجب على المسلم أن يكون معتمدا على الله ومتوكلا على الله، وكذلك يعلم أن الأمور بيد الله، وأن النافع والضار هو الله سبحانه وتعالى. فيكون مقدما في أموره معتمدا على ربه وخالقه، آخذا بالأسباب التي أذن بها الشرع. وبذلك يكون محققًا لتوحيد الله جل وعلا في هذه الأمور وفي هذه المسائل. وكلما قوي إيمان العبد وكلما صح وكل على ربه جل وعلا، كلما كمل توحيده لربه وخالقه. **أسأل الله جل وعلا أن وفقنا وإياكم لطاعته.** اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.