الخطبة بعنوان من حِكم النكاح، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 23 ذو الحجة 1443هـ الموافق 22 يوليو 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
النص يبين مشروعية النكاح والحث عليه في الإسلام من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يعتبر الزواج من سنة الأنبياء والرسل ويحث عليه الإسلام.
النكاح واجب على من استطاع الباءة وخاف على نفسه من الحرام، ويستحب لمن كان قادرا على مؤنه. شرع الله النكاح لحفظ الفروج وتحقيق الأنس بين الزوجين.
ينبغي تيسير أمور الزواج وتخفيف التكاليف لتحصين الشباب، وقد كان النبي قدوة في ذلك بتخفيفه في مهور نسائه وبناته. التيسير في الزواج يعين الشباب على حفظ أنفسهم.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا الختام يعبر عن التبرك والاحترام للنبي.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾، ويقول سبحانه ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، ويقول عز وجل في كتابه الكريم ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾، ويقول عز وجل ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾، ويقول عز وجل مخبرا أن النكاح من سنة الأنبياء والرسل ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» متفق عليه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وفي حديث أنس في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بلغه قول أولئك النفر الذين تقالوا وعمل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش، وقال الثالث: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام «أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني». ويقول عليه الصلاة والسلام «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة». هذه الأدلة عباد الله وغيرها كثير في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام تدل على مشروعية النكاح وقد حثت الشريعة عليه حثا عظيما. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أمر به كما في قوله «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة»، والباءة فسرت بتفسيرين: الأول مؤن النكاح وتكاليفه، والتفسير الثاني ما يتعلق بالوطء والجماع، وكل المعنيين صحيح. فمن استطاع الباءة فليتزوج، وهذا أمر والأصل في الأمر أنه للوجوب، فيكون النكاح واجبا على المرء إذا كان قادرا عليه وكانت نفسه تشتاق إليه ويخاف على نفسه من الحرام. وأما إن كان قادرا على مؤن النكاح ولم يكن مشتاقا إليه ولا يخاف على نفسه من الحرام، فإنه يستحب في حقه النكاح. عباد الله، لقد شرع ربنا جل وعلا النكاح لمقاصد عظيمة وحكم جليلة، ألا وإن منها حفظ الفروج، إذ أن الله عز وجل خلق الإنسان وجعل في كيانه الغريزة الجنسية، فجعل الله عز وجل الزواج الشرعي محلا وسبيلا إلى إشباع هذه الغريزة بالطرق الصحيحة الشرعية وبعيدا عن العبث بها. ومنها عباد الله كذلك ما يكون في هذا الزواج من الأنس والسكن والراحة والمودة والرحمة بين الزوجين، قال الله عز وجل ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. نعم عباد الله، إنها لآيات عظيمة تدل على عظيم صنع الخالق وبديع أحكامه وشرعه. يتزوج الرجل المرأة وتتزوج المرأة الرجل ولا يعرف كلاهما الآخر، فما هي إلا لحظات وساعات وكذلك أزمنة قليلة وإذ بينهما من المودة والرحمة والشفقة ما لا يوجد عند غيرهما. وهذه آية عظيمة من آيات الله جل وعلا يجد الإنسان الراحة والسكن والطمأنينة حين يؤوي إلى أهله وإلى زوجه، وهكذا كذلك المرأة تجد مثل ذلك. وهكذا أيضا من حكم مشروعية النكاح حفظ الأنساب من الضياع، وكذلك حصول الترابط بين القرابة والأرحام، وكذلك أيضا من حكم النكاح بقاء النسل البشري وتكثير عدد المسلمين لإغاظة الكفار ولنشر دين الله جل وعلا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» رواه أبو داود عن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه. فالنبي عليه الصلاة والسلام حث على النكاح ودل وبيّن أن من مقاصده تكثير النسل وتكثير هذه الأمة، فإنه عليه الصلاة والسلام يكاثر بأمته سائر الأمم. ولهذا عباد الله تجدون أعداء هذا الدين من اليهود والنصارى وأعوانهم يحاربون تكثير النسل ويقيمون تلك المنظمات التي تدعو إلى تقليل أو تحديد النسل، كل ذلك لأجل إضعاف كثرة المسلمين والإقلال من ذلك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وهكذا أيضا من حكم النكاح حفظ الأخلاق، أخلاق الرجال والنساء من التردي في هاوية الزنا والعلاقات المشبوهة، فإن الزواج يحفظ الرجل ويحفظ المرأة من اتباع سبل الحرام التي توقع في الزنا عياذا بالله. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود «فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». نعم، النكاح يعين الرجل على غض بصره وعلى حفظ فرجه. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ينبغي على الآباء والأمهات وعلى العقلاء أن يعينوا أبناءهم لتحصين فروجهم ولإكمال نصف دينهم بالتيسير والتخفيف في أمور الزواج والنكاح. فإن غلاء المهور وكثرة التكاليف التي تتبع ذلك مما يجعل أمر النكاح الشرعي فيه صعوبة وفيه كلفة عظيمة، فإن ذلك خلاف مقصود الشريعة. فالشريعة رغبت في التخفيف والتيسير، فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام الذي هو خير الخلق عليه الصلاة والسلام وقدوتنا في سائر الأمور في العبادات وفي المعاملات. هذا زواجه عليه الصلاة والسلام بخير نساء الأمة وكن أقل النساء مهورا، قال عمر رضي الله عنه: لا تغلوا في صداق النساء، فلو كان ذلك مكرمة أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وفي صحيح الإمام مسلم أن رجلا من الأنصار تزوج امرأة فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «كم أصدقتها؟» قال: أربع أواق من الفضة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كأنكم تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، اذهب لا نجد لك شيئا». هكذا عباد الله فعل النبي عليه الصلاة والسلام أنقص في مهور نسائه وهن خير نساء هذه الأمة، وهكذا في مهور بناته وهن خير بنات هذه الأمة. وهكذا حث ورغب عليه الصلاة والسلام بالتخفيف في أمور الصداق والمهر في سائر أنكحة المسلمين، وهكذا كذلك ما يتبع ذلك من تكاليف الزواج والنكاح كغرف النوم وغيرها. ينبغي النظر في ذلك والتخفيف والتيسير ما أستطيع إلى ذلك سبيلا، فإن قلة التكاليف في النكاح مما يعين الشباب على الزواج والإقدام عليه وحفظ أنفسهم وفروجهم. مع كثرة المغريات والشهوات التي تنتشر في أوساطهم، فإن ذلك من دواعي حصول الشر إن لم يتدارك العقلاء ذلك بسلوك الطرق الصحيحة التي توافق مقاصد الشريعة من التخفيف والتيسير في أمور الزواج. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «إن من يمن المرأة تسهيل أمرها وقلة صداقها»، فحصنوا البركة وهو حصن الخير وكثرته بالتسهيل والتخفيف في أمور النكاح. ألا فجزى الله خيرا كل من أعان إخوانه الشباب على إحصان فروجهم بما بذل من مال أو وجاهة وشفاعة أو عمل وجهد، فإنهم يشكرون على ذلك. ونسأل الله عز وجل أن يثيبهم وأن يعظم أجرهم وأن يخلف لهم خيرا، وهكذا يحصل الخير في المجتمع إن حصل التعاون وحصل التكاتف وحصل كذلك نفع المسلمين بعضهم لبعض، فبهذا يحصل الخير العظيم. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين، اللهم لا تشمت بنا عدوا ولا حاسدا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.