الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تناول المقطع الأول فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واستحبابها في مختلف الأوقات مثل عند دخول المسجد وفي الإحرام، كما بين صحة بعض الآثار الواردة في هذا الشأن.
يشرع عند الدخول والخروج من المسجد أدعية محددة مثل التسليم على النبي والدعاء بفتح أبواب الرحمة والفضل، مستندة إلى أحاديث صحيحة.
المقاطع اللاحقة تشرح أحاديث متعلقة بأذكار دخول المسجد والخروج منه، وتوضح الأذكار الصحيحة والضعيفة، مع التركيز على الصلاة على النبي.
ذكر بعض الأذكار الإضافية مثل الاستعاذة من الشيطان الرجيم عند دخول المسجد، مع الإشارة إلى أهمية الصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، رحمه الله، في كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم": قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، ومن أبي تميم الشختياني، عن محمد، وهو ابن سيرين، أنه كان يدعو للصغير ويستغفر، كما يدعو للكبير، فقيل له: إن هذا ليس له ذنب، أي هذا الصغير، فقال: ﴿قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، وقد أمرت أن أصلي عليه. وهذا الأثر صحيح إلى محمد بن سيرين، رحمه الله، فهو أثر مقطوع، وهو صحيح. كأنه لما اعترض عليه: كيف تدعو لهذا الصغير بالمغفرة والصغير لا ذنب له؟ بمعنى أنه لم يكتب عليه القلم، هو غير مكلف، غير مكلف، فلا يؤاخذ بما حصل منه من ترك واجب أو فعل محرم. فقال جوابا على ذلك: الله عز وجل أمرنا أن نصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، ومن معاني الصلاة الرحمة. لما تقول: "اللهم صل على محمد"، أي أثن عليه في الملأ الأعلى، وإرحمه، واعطف عليه، وانصره، وغير ذلك من المعاني. وليس معنى الصلاة معنى الرحمة؛ لأن الله عز وجل قد فرق بين الصلاة والرحمة في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، إذن دل هذا أن الصلاة غير الرحمة، لكن قد تشتمل وتتضمن معنى الرحمة. أي رحمة الله جل وعلا. قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، عن صالح بن محمد بن زائدة، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في الإحرام، حال الإحرام بحج أو عمرة. لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأن صالح بن محمد بن زائدة ضعيف، كما أشار إليه علامة الألباني، رحمه الله. قال: وحدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا سيف بن عمر التميمي، عن سليمان العبسي، عن علي بن حسين، قال: قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: "إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم". يعني إذا أتيتم المساجد وأردتم الدخول فيها، وهذا المراد، ليس المراد المرور خارج المسجد أو عند المسجد، المقصود إذا أردتم دخول المساجد، أي إذا دخلتم المساجد لقصد الطاعة والعبادة، فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الأثر موقوف على علي، رضي الله عنه، وهو ضعيف، ضعيف جدا؛ لأن سيف بن عمر التميمي متروك، ويحيى بن عبد الحميد هو الحماني، وهو متهم بسرقة الحديث. فهذا الأثر لا يصح، كما أشار إليه علامة الألباني، رحمه الله. لكن صح في حديث أبي أسيد أو أبي حميد، مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا جاء أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم إني أسألك من فضلك". هذا الحديث ثابت، فقد أخرجه جماعة من أهل السنن، فهو عند أبي عوانة في صحيحه، وكذلك ابن خزيمة وابن حبان، وجاء أيضا بنحوه عند أبي داود. ففيه ذكر السلام على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد. إذا جاء المسلم إلى المسجد وأراد الدخول، فإن من أدعية الدخول إلى المسجد أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي عليه، ثم يقول: "اللهم إني أسألك، اللهم افتح لي أبواب رحمتك". يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم صل وسلم على نبيك محمد"، "اللهم افتح لي أبواب رحمتك". هذا عند الدخول؛ لأنك تدخل المسجد لطاعة الله ولعبادة الله، فذلك سبب لنيل رحمة الله سبحانه وتعالى، فأنت تطلب الرحمة من الله عند دخولك إلى بيت من بيوت الله. وإذا خرجت من المسجد تسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وتسأل الله من فضله: "اللهم إني أسألك من فضلك". لأنك ستخرج إلى الدنيا في طلب حاجاتك وقضاء أمور حياتك ومعاشك، وتسأل الله سبحانه وتعالى من فضله. إذن هذا يشرع عند دخول المسجد وعند خروجه. وقد جاء هذا الحديث صحيح، حديث أبي سعيد أو أبي حميد، أصله في مسلم، لكن من غير ذكر السلام على النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما فيه: "إذا دخل المسجد تقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرجت تقول: اللهم إني أسألك من فضلك". لكن الحديث صحيح، يعني بزيادة الصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا زكريا، عن وهب بن الأجدع، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم أتوا الصفا، فقوموا من حيث ترون البيت، فكبروا سبع تكبيرات، بين كل تكبيرتين حمد الله، وثناء عليه، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألة لنفسك. وعلى المروة مثل ذلك". وهذا الأثر موقوف على عمر، رضي الله عنه، من قوله، موقوف من قوله. وهذا الأثر صحيح، كما أشار إليه علامة الألباني، رحمه الله. ففي هذا الأثر يحث عمر، رضي الله عنه، أن من جاء إلى البيت، أي لأجل العمرة أو الحج، فطاف بالبيت سبعا، ثم صلى عند المقام ركعتين، ركعتين الطواف، ثم ذهب إلى الصفا، فإنه يقف في جبل الصفا، ويتجه إلى جهة البيت، إلى جهة الكعبة. قال: ثم يكبر سبع تكبيرات، يكبر سبع تكبيرات. النبي صلى الله عليه وسلم في صفة حجه عليه الصلاة والسلام، في حديث جابر، لما وصف صعود النبي عليه الصلاة والسلام على الصفا، قال: "فوحد الله وكبره". فوحد الله وكبره، ولم يقيد التكبير بعدد معين، فمطلق التكبير، تكبر ثلاث، خمس، سبع، تسع، على حسب ما تحب. وهنا عمر، رضي الله عنه، يقول: "فكبروا سبع تكبيرات". فإما يكون هذا اجتهادا منه، رضي الله عنه، أو يكون بشيء علمه من النبي عليه الصلاة والسلام، فيحتمل هذا ويحتمل هذا. لكن لو فعل الإنسان هذا أحيانا فلا بأس، وخاصة أن عدد السبع قد جاء في كثير من الأعمال، ومن ذلك من أعمال الحج والعمرة، الطواف سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبعة. فلذلك قال هنا: "فكبروا سبع تكبيرات". لكن لو خالف الإنسان، لا بأس، لو زاد أو أنقص، فالأمر في ذلك واسع. ثم قال: بين كل تكبيرتين حمد لله، وثناء عليه، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا والشاهد هو قوله: "وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم"، يعني حث عمر، رضي الله عنه، على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه التكبيرات. يكبر التكبيرة الأولى، ثم يثني، يحمد الله جل وعلا، ويثني عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل لنفسه ما شاء من فضل الله سبحانه وتعالى، يفعل ذلك سبع مرات، ثم يفعل في المروة مثل ذلك. قال: وحدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلت المسجد فقولي: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم صل على محمد، وآل محمد، واغفر لنا، وسهل لنا أبواب رحمتك. فإذا فرغت فقولي مثل ذلك"، يعني عند الخروج من المسجد، غير أن تقولي: "وسهل لنا أبواب فضلك". هذا الحديث سنده فيه ضعف، وهو يحيى بن عبد الحميد، وهو الحماني، فيه ضعف. لكن الحديث صحيح بالشواهد، له شواهد كثيرة تدل على صحة ما ورد فيه. قال: وحدثنا سليمان بن حرب، قال: وحدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن ذي حدان، قال: قلت لعلقمة: ما أقول إذا دخلت المسجد؟ قال: تقول: "صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". يعني بهذا اللفظ. لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأن علقمة تابعي، وهو من تلاميذ ابن مسعود، وكذلك السند فيه ضعف، فسعيد بن ذي حدان مجهول، فلا يصح هذا الأثر. قال: وحدثنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن منصور، عن يزيد بن ذي حدان، قال: قلت لعلقمة: يا أبا شبل، ما أقول إذا دخلت المسجد؟ قال: تقول: "صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله". قلت: من حدثك؟ أنت سمعته؟ قال: لا، حدثنيه أبو إسحاق الهمداني. وهذا أيضا الإسناد ضعيف؛ لأن هذا يزيد بن ذي حدان لا يعرف له ترجمة، كما أشار إليه العلامة الألباني، رحمه الله. والثابت كما مر معنا: أنك تسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وتقول: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك". "اللهم افتح لي أبواب رحمتك". وإذا خرجت تسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وتقول: "اللهم إني أسألك من فضلك". فأصل هذا الحديث في مسلم، وذكر السلام فيه ثابت في روايات أخرى خارج الصحيح. هذا من حيث السلام على النبي عليه الصلاة والسلام عند دخول المسجد وعند خروجه. وإلا فهناك أذكار أخرى، كحديث عمر بن العاص عند أبي داود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل قال: أعوذ بوجه الله العظيم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم". يقول ذلك إذا دخل المسجد عليه الصلاة والسلام. هذا أيضا ثابت. لكن المقصود هنا ذكر ما يتعلق بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.