التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 29

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام قراءة القرآن ومس المصحف

تناول المقطع حكم قراءة القرآن ومس المصحف على غير وضوء، حيث أجاز قراءة القرآن بدون وضوء لكن اشترط الوضوء لمس المصحف. هذا الحكم يستند إلى أقوال جمهور العلماء وأثار الصحابة والتابعين.

آداب التعامل مع القرآن أثناء القراءة

ناقش المقطع آداب قراءة القرآن، خاصة كيفية التعامل مع التثاؤب والنعاس أثناء القراءة، وأمر بالتوقف عن القراءة عند الشعور بهما. كما أشار إلى أن الجنب لا يقرأ القرآن حتى يغتسل.

أحكام قراءة القرآن للجنب والحائض

بحث المقطع في حكم قراءة الجنب والحائض للقرآن، حيث اختلف العلماء بين المنع والجواز بدون مس المصحف. استند الجواز إلى ضعف الحديث الذي يحرم ذلك، وأفتى ابن تيمية بجواز قراءة الحائض للقرآن.

ختام بالصلاة على النبي

اختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، تعبيرًا عن الاحترام والتقدير للنبي وتأكيدًا على الالتزام بالسنة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري، رحمه الله: في كتابه «أخلاق حملة القرآن»، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي، قال: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد: القراءة على غير وضوء؟ قال: لا بأس بها، ولكن لا يقرأ في المصحف إلا متوضئ. قال إسحاق: يعني ابن راهويه، هو كما قال، سنة مسنونة. في هذا الأثر الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، سئل عن القراءة على غير وضوء، أي قراءة القرآن، قال: لا بأس بها، لا بأس أن يقرأ المسلم القرآن من غير وضوء، قال: لكن لا يقرأ في المصحف إلا متوضئ، يعني إذا أراد أن يقرأ القرآن وهو على حدث، فلا بأس بذلك، لكن لا يمس المصحف إلا إذا كان متوضئا. قال إسحاق بن راهويه: هو كما قال، سنة مسنونة، أي أن المحدث لا يمس المصحف، هذه السنة كان عليها الصحابة، رضوان الله عليهم، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم. ويدل على ذلك قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، هذا الحديث في الكتاب الذي كتبه النبي، صلى الله عليه وسلم، لعمر بن حزم، وهو إن كان مرسلا، إلا أن العلماء تلقوه بالقبول، حتى قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كتبه له. وهذا القول: أن المحدث لا يمس القرآن، المصحف، هو قول جمهور العلماء، جاء قول جمهور العلماء، وقال به من الصحابة: سلمان الفارسي، رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وأيضا نقل القول بذلك عن سعد بن أبي وقاص: أنه كان ينهى المحدث عن مس المصحف. وقال في موضع آخر: أنه لا يمس المصحف إلا متوضئ، ولا يجوز صلاة الجنازة إلا بطهارة، ويجوز سجود التلاوة أو الشكر بلا طهارة. قال: هذا ثابت عن الصحابة، رضوان الله عليهم، وإن كان المسألة فيها خلاف، المسألة فيها خلاف، لكن هذا قول جمهور أهل العلم، وهو كذلك المنقول عن الصحابة، رضوان الله تعالى عنهم. قال: وحدثنا إسحاق، قال: وحدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: كان أبو عبد الله - يعني الإمام أحمد بن حنبل - ربما قرأ في المصحف وهو على غير طهارة، فلا يمسه، ولكن يأخذ بيده عودا أو شيئا يصفح به الورق. يعني إذا أراد الإنسان أن يقرأ من المصحف وهو على غير طهارة، لا بأس أن يتصفح الصفحات بشيء في يده، بعود أو قلم أو نحو ذلك، فيصفح الصفحات ويقرأ. قال: وحدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي، قال: حدثنا المشرف بن أبان، قال: حدثنا ابن عيينة، عن زر، قال: قلت لعطاء: أقرأ القرآن؟ قال: أقرأ القرآن، فيخرج مني الريح؟ قال: تمسك عن القراءة حتى تقضي الريح. عطاء - وهو ابن أبي رباح - سئل: أن الرجل يقرأ القرآن، فيخرج منه الريح في أثناء القراءة - يعني الفساء - فقال: تمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح، يعني في أثناء خروج الريح، قف عن القراءة تعظيما لكلام الله، سبحانه وتعالى، أن تتكلم به في مثل هذه الحال. فإذا انقضت الريح وانتهى، ترجع وتستمر في القراءة، يعني المراد بذلك القراءة من حفظه، القراءة من حفظه أو من غير مس المصحف. قال: وحدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد - وهو ابن جبر - قال: إذا تثاءبت وأنت تقرأ، فأمسك حتى يذهب عنك. إذا جاءك التثاؤب وأنت تقرأ القرآن، فأمسك عن القراءة حتى يذهب التثاؤب، ثم تستمر في القراءة؛ لأن الإنسان إذا تثاءب يتغير مظهره، ويكون في مظهر غير حسن، والشيطان يضحك منه، كما أخبر النبي، عليه الصلاة والسلام، وربما كذلك دخل من فيه. فلذا أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، عند التثاؤب أن يكظمه الإنسان ما استطاع. فإذا كان الأمر كذلك، مع ما مضى: أنه ربما عند التثاؤب وهو يقرأ، ما سيقرأ الآيات بقراءة صحيحة، ما سيقرأ الآيات أو الكلمات بقراءة صحيحة، فلهذا يتوقف حتى ينتهي منه التثاؤب، ثم يستمر في قراءته. قال: وأخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا محمد بن الصباح الدولابي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا نعس أحدكم فليرقد، فإن أحدكم يريد أن يستغفر فيسب نفسه». والحديث في الصحيحين. النبي، صلى الله عليه وسلم، أمر من أتاه النعاس وهو يصلي - كما في رواية الصحيحين - أنه يذهب فينام، يعني يخفف صلاته ويخرج من الصلاة، ينصرف من الصلاة ويذهب ينام، يرقد حتى يذهب عنه النوم. لماذا؟ قال: «فإن أحدكم يريد أن يستغفر فيسب نفسه»، يعني قد يحصل منه صدور بعض الكلام من غير شعور، من غير شعور، ربما يريد أن يدعو فيسب نفسه من غير أن يشعر. وهكذا حال القراءة إذا غلبه النعاس، حال القراءة، فيتوقف؛ لأنه في حال النعاس ربما يقرأ الآيات ويتلفظ بالكلمات، فلا ينطقها نطقا صحيحا، لا ينطقها نطقا صحيحا بسبب النعاس. فإذا غلبه النعاس في أثناء القراءة، يتوقف، يخلي المصحف ويرقد حتى يذهب منه النوم ويتنشط، ثم إذا أراد أن يقرأ بعد ذلك يقرأ في حال نشاطه. قال: وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عمر بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة، يقول: دخلت على علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يحجبه، أو قال: لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة. والحديث أخرجه أبو داود، وهذا الحديث فيه ضعف. حدث علي، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يمنعه من قراءة القرآن إلا الجنابة»، لا يحجبه أو لا يحجزه، بمعنى لا يمنعه من قراءة القرآن إلا الجنابة، إلا إذا كان جنبا وعليه أو متلبسا بحدث أكبر، فإنه في هذه الحال لا يقرأ القرآن. وهذا الحديث فيه عبد الله بن سلمة، وهو صدوق قد تغير حفظه، ولهذا ضعفه أهل العلم. وفيه كما سمعتم: أن الجنب لا يقرأ القرآن، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، قالوا: إن الجنب لا يقرأ القرآن حتى يرفع هذه الجنابة بالغسل. وقالوا: بأن الجنب - يعني رفع الجنابة بيده - يستطيع أن يذهب فيغتسل، وترتفع الجنابة، وحينئذ له أن يقرأ. وذهب جماعة من أهل العلم: لأنه يجوز للجنب أن يقرأ، أي من غير مس المصحف، وذلك أنه لا دليل صحيح صريح يدل على المنع. وهذا الحديث الذي استدل به من قال بالمنع لا يثبت عن النبي، عليه الصلاة والسلام. وحينئذ فلا بأس أن يقرأ وهو في حال الجنابة، مع عموم حديث عائشة: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، «كان يذكر الله على كل أحيانه». لكن من حيث الأكمل، من حيث الأكمل: أنه يعجل بالغسل ثم يقرأ على طهارة. لكن من حيث الجواز، الصحيح: أنه يجوز، لعدم وجود دليل يدل على المنع. قال: وأخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمامي، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عُبَّة، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن». والحديث كذلك أخرجه الترمذي. وهذا الحديث كذلك فيه دلالة على منع الجنب، وكذلك الحائض في حال حيضها، من قراءة القرآن. لكن هذا الحديث ضعيف، لا يصح، حديث ابن عمر حديث ضعيف، وهو من رواية إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عُبَّة، وموسى بن عُبَّة حجازي، ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: هذا حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ثم ذكر هذه العلة. وعلى هذا أيضا اختلف أهل العلم في قراءة الحائض للقرآن. فمن أهل العلم من ذهب إلى المنع: أنها تمنع من ذلك كالجنب، واستدلوا بهذا الحديث على أن الحائض لا تقرأ شيئا من القرآن. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن من غير أن تمس المصحف، لا أن تقرأ من حفظها أو كذلك أن تقرأ وتقلب صفحات المصحف بشيء بيدها، لا بأس بذلك؛ لأن هذا الحديث ضعيف لا يصح. وكذلك أن الحائض حيضها ليس بيدها، حيضها ليس بيدها، هو أمر كتبه الله عز وجل على بنات آدم. وكذلك أيضا أن الحائض مدتها طويلة، يعني ربما تجلس الحائض سبعة أيام أو ثمانية، فإذا لم تقرأ القرآن في خلال هذه الأيام سيضيع عليها كثير من القرآن، وتحتاج إلى مراجعة القرآن، وربما تكون مدرسة لخواتها بالقرآن ونحو ذلك. ومنعها من ذلك عليها ضرر بنسيان ما عندها من القرآن، ولا يوجد دليل صحيح صريح يدل على المنع. ولهذا يجوز - على الصحيح - أن تقرأ القرآن من غير أن تمس المصحف. نعم، على هذا فيجوز للجنب، وكذلك يجوز للحائض أن يقرأ القرآن. وبهذا أيضا أفتى شيخ الإسلام، رحمه الله: أنه لا مانع للحائض أن تقرأ القرآن. وقال رحمه الله: وليس في منعها من القرآن - أي الحائض - سنة أصلا. فإن قوله: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن»، حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث. وهناك أيضا فتوى للجنة الدائمة بشأن الحائض والنفساء: أنه لا بأس عليهما أن يقرآ شيئا من القرآن حال الحيض والنفاس، لا مانع من ذلك من قراءتهما للقرآن. وهذا هو الصحيح كما سمعتم؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على المنع من ذلك. وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.