الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 69، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ناقش المقطع حادثة الإسراء والمعراج حيث ركب النبي البراق وذهب إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات السبع. التقى بأنبياء الله في كل سماء وكان هناك ترحيب منهم.
فرض الله تعالى الصلاة على النبي في الإسراء والمعراج، حيث كانت خمسين صلاة ثم خففت إلى خمس صلوات بأجر خمسين صلاة. لعب نبي الله موسى دورًا في التخفيف عن أمة النبي محمد.
واجه رسول الله تحديًا في إبلاغ قومه بحادثة الإسراء والمعراج، حيث سخر منه أبو جهل واستفسر عن تفاصيل الرحلة. كما حاول أبو جهل استغلال القصة لطعن في دين النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه الدروس في ذكر ما يتعلق بسيرة أو بحادثة الإسراء والمعراج، إذ أن المؤلف وهو الناظم رحمه الله تعالى أشار إليها بقوله: قال وبعد خمسين وعامٍ تالي أسري به والصلاوات فرضت خمسًا بخمسين كما قد حفظت. فأشار إلى حادثة الإسراء والمعراج، وقد مرت معنا المسائل المتعلقة بهذا الباب كمقدمة لهذه الحوادث. وإذا جئنا إخواني في الله في ذكر خلاصة ما وقع لرسول الله عليه الصلاة والسلام في هذه الحادثة، فهي كالتالي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي له بدابة يقال لها البراق، وهي طويلة وبيضاء، وحجمها كما جاء في الحديث: فوق الحمار ودون البغل. إلا أن من أعاجيب هذه الدابة أنها تضع قدمها إلى منتهى طرفها، أثر الخطوات الخطوة الواحدة منها على مد البصر، فهي آية من آيات الله. وأن هذه الدابة ركب عليها نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان بصحبته جبريل عليه السلام حتى وصل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، فدخل المسجد وكان هناك الأنبياء في انتظاره، فحانت الصلاة فصل عليهم، فصل بهم نبينا صلى الله عليه وسلم كما جاء في الرواية: صلى ركعتين، وكان إمامهم. فلما خرج عليه الصلاة والسلام جاء جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، وكأنه يخير نبينا صلى الله عليه وسلم بينهما، اختر فاختار نبينا صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج به والعروج هو الصعود، عرج به إلى السماء عليه الصلاة والسلام، وكان جبريل يستفتح، يستأذن حين مروره في كل سماء. وجاء في بداية الروايات أنه بدأ أولًا بخازن السماء، إذ أنه استأذن فقال خازن السماء لجبريل: هل معك أحد؟ قال: نعم محمد صلى الله عليه وسلم. ثم بدأ العروج في أن جبريل عليه السلام يستأذن في السماء الأولى، استأذن واستفتح بالدخول، فكان في كل سماء يسألون: من؟ فيقول جبريل: جبريل، يعرف عن نفسه، إذا قالوا: من؟ قال: جبريل، قالوا: هل معك أحد؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، يقال له: قد بعث إليه، فيدخل في السماء الأولى على هذا الحال، ثم السماء الثانية على هذا الحال، يستأذن كلما أراد أن يصعد إلى سماء. وكان في كل سماء يجد نبيًا من أنبياء الله، ففي السماء الأولى وجد آدم عليه السلام، فرحب آدم بنبينا عليه الصلاة والسلام قائلًا: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. ثم عرج به إلى السماء الثانية بعدما استأذن جبريل فأذن له، واستفتح وفتح له، وجد عليه السلام في السماء الثانية عيسى ويحيى بن زكريا، وكان على هذا النظام من الترحيب: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. ثم لما وصل إلى السماء الثالثة كان هناك يوسف عليه السلام، كذلك رحب، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. ثم في الرابعة إدريس، ثم في الخامسة هارون، ثم في السادسة موسى عليه السلام، رحب موسى بنبينا، قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. لكن في بعض الروايات أنه لما صعد نبينا وتجاوز موسى قام موسى وبكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: هذا الغلام بعث بعدي يدخل من أمته أكثر مما يدخل من أمتي. وهذه منقبة لأهل أمة محمد عليه الصلاة والسلام أن نبينا أتباعهم الكثر، والأدلة كثيرة جدًا تدل على أن أكثر أهل الجنة من أمة الإسلام من أتباع نبينا عليه الصلاة والسلام. فلما وصل إلى السماء السابعة كذلك استفتح جبريل، قال: من؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: قد بعث إليه، فلما يستفتح في السماء السابعة يجد إبراهيم عليه السلام، ويجد أن إبراهيم قد أسند ظهره إلى البيت المعمور، ويرحب بنبينا يقول: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. فالبنوة إنما تلفظ بها آدم وإبراهيم عليهما السلام باعتبارهم الآباء والأجداد لرسول الله، فيرحبون له باسم البنوة، وأما سائر الأنبياء فعبروا عنه بالأخوة والأخ الصالح. فبعد ذلك انتهى، وصل عليه الصلاة والسلام إلى سدرة المنتهى، فكان قاب قوسين أو أدنى. وهنا ما استطاع نبينا صلى الله عليه وسلم أن يصف هذا المكان الذي وصله لعظيم وشديد الحسن الذي يخطف الأبصار، حتى ما استطاع نبينا أن يوصف هذا الشيء لم تره العين قط، هناك أوحى الله جل وعلا لعبده ما أوحى. وكان من وحي الله لنبينا عليه الصلاة والسلام في السماء أن الله فرض عليه الصلاة، وهذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: أُسري به والصلاوات فُرِضَت. أي فرضت الصلاة خمسًا وخمسين كما قد حُفِظَت، ففرض ربنا على نبيه الصلاة لكن خمسين صلاة في اليوم والليلة، فأخذ نبينا بهذا التكليف ورضي به لأنه أمر من ربه جل وعلا. فلما نزل مر على موسى عليه السلام عند نزوله من عند ربه، فقال له موسى: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك. ثم أشار موسى إلى ما لاقاه من العنت من قومه، فلا تصاب بهذا، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، فقال: يا رب خفف عن أمتي، قال: فحط عني خمسًا، خمس صلوات أسقطت من الخمسين. قال: فراجعت إلى موسى، فقال: حط عني خمسة، أي قال نبينا لموسى أن الله أسقط عني خمسًا من خمسين، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فلا يزال نبينا ينتقل من يصعد إلى ربه وينزل إلى موسى، ولا يزال موسى يوصي نبينا بضرورة التخفيف، فإن هذا المقدار من الصلاة لا يمكن لأمتك أن تطيق عليه، حتى وصل التخفيف إلى خمس صلوات. ومع ذلك لما نزل نبينا إلى موسى طلب موسى من نبينا أن يصعد وأن يطالب التخفيف، فإن الخمس لا تقدر عليه أمة، إلا أن النبي قال: فاستحييت من ربي. إلا أن مناديًا ينادي، قال سبحانه وتعالى: قد أتممت فريضتي وخففت عن عبادي. وفي روايات أن الله جل وعلا جعلها خمس صلوات في العدد وخمسين في الأجر، أتممت فريضتي وخففت عن عبادي، فهي من حيث الفريضة هي خمس صلوات، من حيث الفريضة الأجرية خمسين صلاة، نؤجر على خمسين صلاة، هي في الواقع خمس صلوات. وهذا الذي أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله: أسري به والصلوات فرضت خمسًا بخمسين، خمسًا أي خمسًا بالعدد وخمسين في الأجر، فهي خمس في العدد وخمسين في الأجر، وهذا من لطف الله جل وعلا، أنك يا عبد الله عندما تصلي هذه الصلوات الخمس عند الله تحسب لك خمسين صلاة، أنك صليت خمسين صلاة. هذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر مما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام في حادثة الإسراء والمعراج. ومما أحب أن أنبه عليه في هذا المقام، هناك رواية إخواني في الله جاءت في بعض روايات الصحيح، إلا أن فيها ألفاظ منكرة النكارة وجدت من بعض الرواة، وهو شريك بن أبي نمر، وهو إن كان من رجال الصحيح إلا أنه في حديث الإسراء والمعراج اضطرب فيه اضطرابًا شديدًا. فجاءت منه روايات اضطرب العلماء حتى في جمعها، ولهذا كلام العلماء في هذه الرواية، وهو من حديث أنس، لكن من طريق الشريك بن أبي نمر، وقد جاءت هذه الرواية في بعض الصحاح صحيح مسلم، إلا أن العلماء انتقدوها، ومن ذلك من ألفاظ حديث أنس أن قال: وكان ذلك قبل أن يوحى إليه، أي أن حادثة الإسراء والمعراج وقعت لرسول الله قبل الوحي، وهذه العبارة منكرة أنكرها جمع من أهل العلم. أنكرها الإمام الخطابي، أنكرها ابن حزم، أنكرها القاضي عياض، أذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى، وقد ذكر هذه الأقوال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ولهذا قال إمام النووي رحمه الله تعالى: ووقع في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء. فتنبه يا عبد الله إلى أي رواية من روايات الإسراء والمعراج جاءت من رواية شريك لجعلها على جنب، وإن كانت مخرجة في أحد الصحاح، لأن العلماء ما تلقوا هذا الحديث بالقبول لما فيه من الاضطراب في ألفاظه. هذا الذي سمعتموه إخواني في الله هو جل ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الإسراء والمعراج. بقي هل انتهى الأمر؟ الأمر ما انتهى، بقي ما هو أصعب من هذا، والمرحلة الكأود في هذا المقام، وهو كيف سيبلغ نبينا قومه وأصحابه ومن هم من أهل بلده بهذه الحادثة؟ كيف سيبلغهم هذه الحادثة؟ هذا أمر صعب. وقد ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند من دلائل النبوة من حديث ابن عباس في مسند الإمام أحمد مقتطفًا مما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صباح هذه الليلة ليلة الإسراء والمعراج، هذا التنقل من هنا إلى الشام، من الشام إلى السماء، وعروجه في نفس ليلة، أصبح كيف أصبح نبينا؟ أصبح على حزن. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال وفي صباح اليوم جالس نبينا منعزلًا حزينًا، قال لعلمه أن الناس سيكذبونه، ما أحد سيصدق هذا أبدًا، من سيحدث بهذا الحديث؟ قال: أن الناس سيكذبونه، فمر عليه عدو الله أبو جهل في هذه الفترة، والنبي صلى الله عليه وسلم في صراع مع نفسه حول كيف سيبلغ قومه؟ فمر عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ كالمستهزئ ها يا محمد معك أخبار؟ معك شيء؟ استهزاء واستهتار بمقامه عليه الصلاة والسلام. قال: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله: نعم، قال: وما هو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنه أسري بي الليلة، قال أبو جهل: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، فقال أبو جهل: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ أنت تقول لي الآن أنك ذهبت الأمس سرية إلى بيت الشام، بيت المقدس ورجعت، وأنت الآن عندي أصبحت بين أظهرنا؟ فقال نبينا: نعم. فقال أبو جهل: أرأيت إن دعوت قومك؟ انتظر تصبر على هذا الخبر؟ أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم بما حدثتني به؟ فقال رسول الله: نعم، فأراد أبو جهل أن يستغل هذه القصة من رسول الله طعنًا في دينه، قال: تنتظر هذا الذي أسمعتني به تسمع القوم؟ قال: أسمعهم، فقام أبو جهل فنادى في الناس. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.