الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 70، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا بعد حادثة الإسراء والمعراج لعلمه أن قومه سيكذبونه، ثم جاء أبو جهل وسأله مستهزئا عن ما حدث. طلب أبو جهل من رسول الله أن يدعو قومه ليخبروه بما حدث.
وصف النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى بدقة، مما أثار دهشة الكفار وتصديق أبي بكر الصديق له. تصديق أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم يدل على إيمانه القوي.
من فوائد حادثة الإسراء والمعراج بيان أهمية بيت المقدس، وعظيم شأن العبودية، وفضل الصلاة، وفضيلة أبي بكر الصديق. كما أن الاستدلال بقصة الإسراء والمعراج على جواز التوسل بالأموات باطل.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي المقطع بالتأكيد على علم الله تعالى المطلَق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، في مبحث السيرة النبوية، كان حديثنا عن حادثة وملخص ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج، وما الذي حصل له باختصار. ثم كان الوقوف على حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو الذي ينقل لنا ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة هذه الليلة. قال: إنه صلى الله عليه وسلم جلس منعزلا حزينا لعلمه أن الناس سيكذبونه، فمر عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: أي شيء حدث؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، أسري بي الليلة إلى بيت المقدس. فقال أبو جهل: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم. فقال أبو جهل: أرأيت إن دعوت قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فنادى أبو جهل في الناس، فلما اجتمعوا، حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وقع. قال ابن عباس: فمن بين مصفق، وبين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب. فقالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت. قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر، حتى وضع أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعته وأنا أنظر إليه. فما أخطأ منه شيئا، فقال القوم: أما النعت، فوالله لقد أصاب. جاء عند الحاكم والبيهقي أن جماعة من الكفار تسابقوا إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقالوا له: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟ فقال أبو بكر: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: أشهد بالله إنه لصادق. فسمي أبو بكر بالصديق رضي الله تعالى عنه لعظيم تصديقه برسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا، إخواني في الله، قلاصة هذا الحديث العظيم الذي فيه بيان لحادثة الإسراء والمعراج. نختم هذا الفصل، إخواني في الله، ببعض الفوائد السريعة. أولا: فيها ثبوت هذه الحادثة، فلا مجال للنكران أو الجحود. ثانيا: فيها بيان لدليل من دلائل النبوة عليه الصلاة والسلام. ثالثا: فيها بيان لأهمية بيت المقدس. رابعا: فيها بشرى لنبينا أن ملكه سيصل إلى بلاد الشام. خامسا: فيها بيان لعظيم شأن العبودية، فالعبودية وصف، وأنك يا عبد الله كلما كنت عبدا لله حقا وصدقا، فالله يرقيك إلى أعظم المقامات. سادسا: فيها بيان أن الإسلام هو دين الفطرة. سابعا: فيها بيان لعظيم قدر الصلاة، إذ أن الصلاة وإن كانت خمسا في العدد، فأجرها خمسين. ثامنا: فيها بيان لفضيلة الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه. تاسعا: الرد على من يستدل بقصة الإسراء والمعراج على جواز التوسل بالأموات. فهذا الاستدلال باطل من وجوه، منها: أن العلماء لم يستدل بهذا الحديث على هذه الفائدة الغريبة. ومنها: أن الذي التقى بهم نبينا إما أن يكون أرواحا مع أجساد، أو أرواحا فقط. فإن كان الأول، فلا إشكال في تبادل المنافع بين الأحياء. وإن كان الثاني، فحياة البرزخ لا تقاس عليها أحوال الدنيا. ومنها: أن نبينا لم يذهب إلى موسى، بل موسى هو الذي أتى إليه. ومنها: أن نبينا لم يستفد من موسى كشف الكربات أو قضاء الحاجات، بل نصحه موسى بأن يرجع إلى الله ويسأله التخفيف. فالحاصل، يا عبد الله، أنه لا استدلال بقصة الإسراء والمعراج على جواز التوسل بالأموات. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.