كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 2

الدرس في كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام القسمة بين الشركاء

يناقش أحكام القسمة بين الشركاء وأنواعها وشروطها. يشرح الفرق بين قسمة الإجبار وقسمة التراض.

الإقرار وتعريفه وأحكامه

يتناول تعريف الإقرار وأهميته في الفقه الإسلامي. يبين شروط المقر وأثر الإقرار في مختلف أبواب العلم.

أهمية أداء الحقوق وإرجاعها لأصحابها

يؤكد على وجوب الاعتراف بالحقوق وإرجاعها لأصحابها. يبين عواقب عدم أداء الحقوق يوم القيامة.

الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم

يتضمن الدعاء للنبي بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه. يعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أعلم سعد رحمه الله بكتابه "منج السالكين". قال: باب القسمة. قال: وهي نوعان: قسمة إجبار فيما لا ضرر فيه ولا رد عوض، كالمثليات والدور الكبار والأملاك الواسعة، وقسمة تراض، وهي ما فيه ضرر على أحد الشركاء في القسمة أو فيه رد عوض، فلابد فيها من رضا الشركاء كلهم. وإن طلب أحدهم فيها البيع وجبت إجابته. وإن أجروها كانت العجرة فيها على قدر ملكهم فيها. والله أعلم. هذا الباب باب القسمة. وأجمع أهل العلم على جواز القسمة في الجملة. واستدلوا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، وقوله عز وجل: ﴿أَنبِئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الشفعة فيما لم يقسم». قضى النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بين أصحابه. فهذه الأدلة تدل على مشروعية القسمة. ذكر هنا أن القسمة على نوعين: قسمة إجبار، وقسمة تراض. قسمة إجبار فيما لا ضرر فيه أي على الشريكين، ولا رد عوض، أي لا يحتاج أن يعطيه شيء عوضا عما أخذ. فهنا يجبر على هذه القسمة. وصمت بذلك لأن من امتنع منها أجبر عليها. من امتنع منها أجبر عليها إذا توفرت الشروط. ومن ذلك ثبوت ملك الشركاء، الشرط الثاني انتفاء الضرر فيها. قال: كالمثليات والدور الكبار والأملاك الواسعة، أي أشياء المتماثلة، كمثلا عندنا سيارات مثلا متماثلة أو أراضي مساحاتها متماثلة، أو مواشي أو غنم أو فرش إلى آخر ذلك. وهكذا الدور الكبار كالبيوت مثلا والأراضي والأملاك الواسعة كمزارع مثلا نحو ذلك. فالشيء الذي ليس فيه قسمته ضرر وهنا يجبر من امتنع من القسمة على قسمتها. قال: وقسمة تراض النوع الثاني. قسمة تراض وهي ما فيه ضرر على أحد الشركاء في القسمة أو فيه رد عوض، فلابد فيها من رضاء الشركاء كلهم. لماذا؟ حتى ينتفي الضرر. فلابد من الرضاء لأن هذه القسمة يعني ما يمكن أن تقسم إلا بحصول شيء من الضرر على أحد الشركاء أو يكون فيه رد عوض. يكون فيه رد عوض يعني مثلا أن يكون نصيب أحدهما أكثر من الآخر، فهذا الذي أخذ الأكثر يعوض الذي نقص عليه من حقه بقدر ما أخذ. ولابد من التراضي أن يرضى هذا بهذه القسمة وبهذا النقص الذي حصل له في مقابل أن يرد له الآخر شيء من العوض في مقابل ما أخذ. قال: وإن طلب أحدهم فيها البيع وجبت إجابته. إذا طلب أحدهم فيها البيع وجبت إجابته، مثلا بيت صغير ما يمكن أن يقسم إلا بحصول شيء من الضرر أو برد العوض. فإذا قال: نبيع هذا البيت ثم نقسم الثمن، وهنا يجاب إلى ذلك. فإن امتنع الآخر قال: لا ما نبيع، ولم يحصل التراضي لأنه يجبر على البيع لدفع الضرر. فإن أبى باعه الحاكم وقسم بينهما الثمن على قدر أملاكهما. قال: وإن أجروها كانت الأجرة فيها على قدر ملكهم فيها. لو قالوا: بدل ما أن نبيع هذا البيت ويأخذ كل واحد يعني نصيبه، نؤجر هذا البيت ونقسم الأجرة. فلو كان أحدهم يملك الثلث والآخر يملك ثلثين، فلصاحب الثلثين ثلثين الأجرة، ولصاحب الثلث ثلث الأجرة. ولو كان الملك بينهما بالنصف، ولكل واحد نصف الأجرة. وهكذا. وهذا من العدل الذي يحصل به دفع الظلم والضرر عن الشركاء. قال رحمه الله: باب الإقرار. قال: وَأَقَرَّ أَوِ اعْتِرَافُ الْإِنْسَانِ بِحَقٍ عَلَيْهِ بكل لفظ دال على الإقرار بشرط كون المقر مكلفا. وهو من أبلغ البينات، ويدخل في جميع أبواب العلم من العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات وغيرها. وفي الحديث: «لا عذر لمن أقر». ويجب على الإنسان أن يعترف بجميع الحقوق التي عليه للأدميين ليخرج من التبعة بأداء أو استحلال. والله أعلم. وصل الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. هذا آخر باب ذكره المصنف رحمه الله في هذا الكتاب المبارك، وهو باب الإقرار. والإقرار مأخوذ من المقر وهو المكان، كأن المقر يجعل الحق في موضعه. والإقرار كما قال: اعتراف الإنسان بحق عليه، يعني يعترف بحق من الحقوق سواء كان هذا الحق مالا في ذمته أو متاعا أو كان هذا الحق اعتراف بجناية جناها بقتل أو جرح أو غير ذلك. قال: بكل لفظ دال على الإقرار، لا يشترط في الإقرار أن يكون بلفظ أقر، ما يشترط ذلك. بل ولو كان بغير هذا اللفظ مما يدل على الإقرار إنه يصح. لو قال مثلا: لي أو عندي لفلان مئة ألف، هذا إقرار. قال: بشرط كون المقر مكلفا، يعني عاقلا بالغا، أن يكون عاقلا بالغا. فلا يصح الإقرار من مجنون لأن المجنون لا تعتبر تصرفاته. فلو أقر المجنون بمال أو أقر بجناية أو أقر بمعصية يترتب عليها حد كسرقة أو زنا أو غير ذلك ما يقبل منه. وهكذا الصغير، وهكذا السفيه كذلك. وهكذا المكره لو أقر بشيء على جهة الإكراه فإنه لا يؤخذ به. إذن لا بد أن يكون مكلفا عاقلا بالغا. قال: وهو من أبلغ البينات، يعني على الدلالة على ثبوت الحقوق. من أبلغ البينات الإقرار أن يقر الإنسان بهذا الحق الذي عليه أنه عنده مال لفلان أو أنه سرق أو أنه قتل أو أنه زنا. الإقرار بينة قوية لأن العاقل لا يكذب على نفسه أنه فعله ولم يفعله، ولا يؤذي نفسه لما فيه الضرر عليها إلا وهو صادق بالغالب. ولهذا قام النبي صلى الله عليه وسلم الحدود بالإقرار. لما أقر ماعز عن نفسه بالزنا، وهكذا الغامدية، وهكذا زوجة الأجير الموجر، وغضي أونيس الأمراتي. هذا فإن اعترفت فرجمها فاعترفت. ويؤخذ الإنسان بما أقر به. قالوا: يدخل في جميع أبواب العلم من العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات وغيرها. أن يدخل هذا الباب في جميع أبواب العلم. في العبادات إذا أقر مثلا بأنه لم يصلي الصلاة الفلانية يلزمه فعلها. كذلك في باب الطهارة، وفي باب المياه، في باب الصلاة، في باب الصيام، في باب الحج إلى آخره من أبواب العبادات. وهكذا باب المعاملات في البيع والشراء إذا أقر بأنه اشترى السلعة من البائع بكذا وكذا يلزمه ذلك. أو أقر بأنه هو الذي أتلف هذه السلعة قد اشتراها سليمة ويضمن ذلك. أو أقر لفلان بدين عنده في ذمته فيلزمه ذلك. قال: وفي الحديث «لا عذر لمن أقر». هذا الحديث لا أصل له كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ليس له أصل. والإنسان إذا أقر بشيء ووجدت شبهة فإنه قد تدرأ قد تدرأ الحدود بالشبهات. فيمكن أن يرد إقراره إذا وجدت الشبهة أو شبهة بحقه. لهذا ماعز لما أقر على نفسه بالزنا هذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعلك قبلت، لعلك غمزت، لعلك ثم أمر الصحابة أن ينظر هو أن يشموا فمه لعله وشرب شيئا». هذا كله يعني لأجل رد الشبهة وانتفاء الشبهة إذا حصل مثل ذلك أقر الإنسان ووجدت شبهة في إقراره فإنه قد يكون له عذر في الرجوع عن هذا الإقرار. قال: ويجب على الإنسان أن يعترف بجميع الحقوق التي عليه للآدميين ليخرج من التبعة بأداء أو استحلال. نعم يجب على المسلم أن يعترف بجميع الحقوق التي عليه للآدميين إذا كانت له عنده حقوق للناس ديون أو أموال أو ودائع أنه يعترف بها لا يجحدها ولا ينكرها حتى يخرج من تبعيتها بأداء بأن يرجعها إلى أصحابها أو باستحلال إن كان قد استعملها وأتلفها فيستحل من أصحابها يطلب منهم العفو والسماح وأن يجعلوه في حل حتى لا يأتي يوم القيامة فيحمل تبعة هذه الحقوق على ظهره. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم». اليوم ممكن أن ترد الحق بالمال لكن في يوم القيامة سيكون الاختصاص بالحسنات والسيئات. فإذا أخذ الإنسان أموال الناس ثم أنكرها وجحدها ولم يقر بها سيأتي يوم القيامة وهو يحمل هذه الحقوق ويطالبه أصحابها بها. وحينئذ سيكون مفلسا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتعرفون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج ويأتي وقد ضرب هذا وأخذ مال هذا. فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فحملت عليه ثم طرح في النار». رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. هذه خسارة عظيمة. تذهب هذه الحسنات كلها بسبب ظلم الناس وأخذ حقوقهم وعدم الاعتراف بها. لذلك يجب على المسلم أن يعترف بحقوق الناس سواء كانت أموالا أو ودائع أو وثائق أو أعيان أو غير ذلك. يعترف بها ويؤديها إلى أصحابها. وإن كان حصل منه شيء من الإتلاف في هذا المال الاستعمال أو نحو ذلك. يتحلل من صاحبه فإن أحسن جعله في حل فذاك. وإن لم يرض إلا برد هذا المال الذي عنده وجب عليه أن يرده له حتى يبرأ من تبعة هذا المال. هذا آخر ما ذكر المصنف رحمه الله في هذا الكتاب المبارك. وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذا الكتاب "منج السالكين وتوضيح الفقه في الدين". غفر الله جل وعلا لمؤلفه ولشارح مشايخنا وعلمائنا ونفعنا الله سبحانه وتعالى بما قرأنا وسمعنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.