شرح أسماء الله الحسنى 25

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله الحليم ودلالته

اسم الله الحليم يعني الذي لا يعاجل عباده بالعقوبة بل يمهلهم، وحلمه يشمل جميع عباده حتى الكافرين. هذا الاسم يدل على قدرة الله وعلمه وليس على عجز أو ضعف.

حلم الله تعالى وتوبته على العباد

الله تعالى حليم على عباده، يمهلهم ويرزقهم ويفتح باب التوبة حتى قيام الساعة، ويحذر من الأمن من مكر الله. حلمه ليس عن عجز بل عن قدرة وعلم.

مقتضيات الإيمان باسم الله الحليم وتطبيقاته

يجب على المؤمن ألا يقنط من رحمة الله، وأن يبادر بالتوبة، وأن يكون حليما في المواضع التي تتطلب الحلم. الحلم قد يكون جبليا أو مكتسبا بالتحلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله جل وعلا الحليم. فالحليم اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في كتاب الله جل وعلا في مواضع، وهكذا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾، قال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. فالحليم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وثبت في السنة، حَدْر عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيح: «كان من دعائه عليه الصلاة والسلام، وهو أحد أدعية الكرب، أنه كان عليه الصلاة والسلام يقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم». فالحليم من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى اسم الله جل وعلا الحليم: الذي لا يعاجل عباده بالعقوبة، كما ذكر السعدي -رحمه الله تعالى- وابن كثير، وجماعة. فالحليم معناها: الذي لا يعاجل بالعقوبة، يحلم، أي لا يعاجل بالعقوبة، بل يمهل، يمهل عن قدرة لا عن عجز. فالله سبحانه وتعالى هو الحليم، أي لا يعاجل عباده بالعقوبة، بل يدر عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومع هذا عباده يكفرون نعمه جل وعلا ويعصونه، بل يكفرون به سبحانه وتعالى، ومع هذا يحلم عليهم جل وعلا، لا يعاجلهم بالعقوبة. لو عاجلهم بالعقوبة لما ترك على ظهرها من دابة. لو عاجل الله سبحانه وتعالى هؤلاء العاصين وهؤلاء الكافرين وهؤلاء الكافرين لنعم الله جل وعلا بالعقوبة لما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة. ولكنه جل وعلا الحليم الذي وسع حلمه سبحانه وتعالى كل عباده، حتى الكافر، الكافر وسعه حلم الله جل وعلا. فحلمه سبحانه وتعالى لجميع عباده، وهذا من عظيم حلم الله جل وعلا لعباده، لأن الحليم قد يحلم لضعف وعجز لا عن قدرة، أي أنه لا يعاجل بالعقوبة لماذا؟ لا يعاجل بالعقوبة قد يكون لعجز، يؤذونه ويشتمونه ويفعلون به ما يفعلون ومع هذا لا يعاقبهم ضعفا وعجزا. لكن الله جل وعلا الحليم حلمه لا عن عجز ولا عن ضعف، وإنما عن قدرة وعن علم جل وعلا. وإلا فالله جل وعلا لا يعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، لأنه كان عليما قديرا. وكما جاء في حديث أبي ذر في صحيح الإمام مسلم -رحمه الله- عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي العظيم: «إن الله جل وعلا يقول: يا عبادي لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني». فالله جل وعلا تضره معصية العاصين، وكفر الكافرين، ومخالفة المخالفين، كما لا تنفعه طاعة الطائعين، وذلك لغناه ولكمال غناه جل وعلا. ويحلم عليهم سبحانه وتعالى، ولا أحد أحلم من الله جل وعلا على عباده، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليشتمونه -أي شتمون الله سبحانه وتعالى- وإنه ليعافيهم ويرزقهم». العباد يشتمون الله سبحانه وتعالى ربما ليلا ونهارا، ومع هذا الله جل وعلا الحليم يعافيهم ويرزقهم، خيره جل وعلا إليهم نازل، وشرهم إليه صاعد، كما جاء في بعض الآثار: «أن الله جل وعلا قال: أنا وعبادي في نبأ عظيم، أنا وعبادي في نبأ عظيم، خير إليهم نازل، وشرهم إليه صاعد». فخير الله جل وعلا نازل إلى عباده، وما الذي يصعد منهم؟ يصعد منهم -والعياذ بالله- الشر من الشتم والتكذيب والكفران وغير ذلك. والله جل وعلا الحليم يهلم عنهم، لا يعاجلهم بالعقوبة، بل لسعة حلمه، ولأنه الحليم سبحانه وتعالى يهلم عنهم ويمهلهم سبحانه وتعالى، لكنه جل وعلا يمهل يمهل ولا يهمل سبحانه وتعالى. الحليم يمهل ولا يهمل، لكن يمهل جل وعلا لعل عباده يتوبون إليه سبحانه وتعالى ويرجعون إليه جل وعلا، وذلك لكمال حلمه سبحانه وتعالى. حلمه وسع الكافرين، فرعون فعل ما فعل، فرعون فعل ما فعل، قتل الأولاد وفعل وفعل وسبى النساء وادعى الربوبية، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ومع هذا الحليم جل وعلا يحلم عليه ويدعوه إلى التوبة، مع ما فعل. ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ويفعل ما يفعل، والله جل وعلا يرسل إليه موسى وهارون، ومع هذا يقول له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. حلم عظيم من الحليم سبحانه وتعالى. قال ابن القيم -رحمة الله تعالى عليه- كما في «شفاء العليل»: «فلنظر إلى حلم الحليم سبحانه وتعالى، فرعون فعل ما فعل، ومع هذا يرسل الرب نجل وعلا إليه موسى وهارون يدعوانه إلى التوبة، وأمرهما أن يقول له قولا لينا، فأي حلم أعظم من هذا الحلم؟ أي حلم أعظم من هذا الحلم؟». أصحاب الأخدود الذين عذبوا المؤمنين، عذبوا أولياء الله سبحانه وتعالى، خدوا لهم الأخاديد في الأرض، أحرقوهم بالنار فتنوهم، ومع هذا الحليم سبحانه وتعالى يحلم عنهم ويدعوهم إلى التوبة جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، ثم لم يتوبوا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، جاء في تفسير: «فتنوا»، أي حرقوا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي الذين حرقوا المؤمنين والمؤمنات، يعني جعلوهم في النار فتنوهم، ووضعوهم في النار في هذه الأخاديد التي خدوها لهم، ومع هذا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، ومعنى ذلك أنه يدعوهم إلى التوبة، مع فعلهم الذي فعلوه، ومع هذا يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. كما جاء عن الحسن البصري -رحمه الله وتعالى- كما في تفسير ابن كثير -رحمه الله- قال -رحمه الله وتعالى-: «عذبوا أولياء الله، حرقوهم، آذوهم، ومع هذا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، ومعنى ذلك أن باب التوبة لا زال مفتوحا، وأن الحليم جل وعلا لا زال يدعوهم إلى التوبة، مع فعلهم الذي فعلوه». وهذا من عظيم حلمه سبحانه وتعالى، فهو الحليم جل وعلا الذي وسع حلمه سبحانه وتعالى كل عباده. وهذا كم من الظالمين، وكم من المعتدين الذين اعتدوا على حرمات الله، والذين أفسدوا في الأرض فسادا عظيما، ومع هذا الحليم جعل باب التوبة مفتوحا، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويربسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا جعل باب التوبة مفتوحا إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وما لم يغرغر العبد، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام. وكل ذلك من حلمه سبحانه وتعالى بعباده. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسم الله الحليم: أن يعتقد العبد أولا أن حلم الله جل وعلا عن قدرة وعلم، لا عن عجز وجهل المضعف. ومن مقتضى الإيمان باسم الله الحليم جل وعلا: أن لا يأمن الإنسان مكر الله، لا تأمن مكر الحليم يا عبد الله، كما أنك لا تقنط من حلم الحليم. لا تأمن مكر الحليم، ولا تقنط من حلم الحليم. فحلم الحليم جل وعلا يسعك، مهما بلغت في الذنوب والمعاصي، فلا تيأس من حلم الحليم جل وعلا. وهكذا كذلك إذا علمت أن الله جل وعلا الحليم، لا تأمن مكره، لا تأمن مكر الله عز وجل فأنا أفعل وأفعل وأفعل، والله يحلم. الحليم لا، وإنما عليك أن تكون على غير أمن من مكر الحليم، وعلى عدم قنوط من حلم الحليم. فعدم أمنك من مكر الحليم بك يدعوك إلى عدم الإصرار، وعدم الاستمرار في الذنوب والمعاصي. لماذا؟ لأنك وإن علمت أن الله جل وعلا هو الحليم، لكن ليس معنى ذلك أنه سبحانه وتعالى قد لا يعاجلك بالعقوبة، لا. بل الله سبحانه وتعالى هو الحكمة البالغة جل وعلا. فكم قد أخذ بأقوام وقعوا في الأمن من مكره جل وعلا، فعاجلهم بالعقوبة. قرى وشعوب وأمم أمنت مكر الحليم جل وعلا، وكان عاقبتهم أن عاجلهم الله جل وعلا بالعقوبة في هذه الدنيا. منهم من خسف به سبحانه وتعالى، ومنهم من دمرهم جل وعلا بالرياح، ومنهم من أغرقهم، وهكذا أمم شتى وأقوام شتى عاجلهم الله سبحانه وتعالى بالعقوبة. لماذا؟ لأنهم أمنوا مكر الحليم جل وعلا. ما كان إيمانهم بالحليم سبحانه وتعالى عن شيء يرضاه سبحانه وتعالى، وإنما كان أمنهم من، وإنما كان حلمهم بالحليم جل وعلا عن أمن من مكره، عن أمن من مكره. والإنسان إذا اعتقد أن الله جل وعلا الحليم، وجعل هذا سببا لعدم الأمن من مكره، فإنه لم يؤمن بالحليم جل وعلا حق الإيمان، ولم يكن على الصواب وعلى الهداية في ذلك. فإذن: لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. لماذا؟ لأن حلم الحليم جل وعلا بهؤلاء إنما هو عن استدراج، كما قال جل وعلا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا رأيت الله يعطي العبد وهو قائم على معصيته فاعلم أن ذلك استدراج»، وتلى قول الله جل وعلا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فكم من الناس اليوم تجد يقع في الذنوب والمعاصي والمخالفات، ويصر عليها. من الذي يجعله أنه يقول: الله غفور حليم، والله غفور رحيم. فهؤلاء يقولون: الله غفور رحيم، ويقولون: الله غفور حليم، على أي اعتقاد؟ على أمن من مكر الله -والعياذ بالله- على أمن مكر الله جل وعلا. وإلا لو كانوا صادقين في ذلك لكان يكفيهم ما وقع فيهم من الذنوب والمعاصي، ولكان يكفيهم ما وقع فيه من الإصرار في مخالفة الله جل وعلا. إلى متى يدندن بهذا الكلام؟ إلى متى يقال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، والله غفور حليم، وهو لا يغير ساكنا، وهو لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. هل يستفيد من هذا شيئا؟ هل يستفيد من تصريحه بأن الله جل وعلا هو الحليم، وهو الغفور، وهو الرحيم، وهو لا يغير ساكنا، وهو لا ينزجر، ولا يرتدع، ولا يعمل بمقتضى إيمانه باسم الله جل وعلا الحليم؟ فهذا ما يزيده إلا بعدا من الله سبحانه وتعالى. بخلاف من أيقن أن الله جل وعلا الحليم، فإن ذلك يدفعه إلى عدم الإصرار على ما هو فيه من المخالفات والتقصير والتفريط في جنب الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الحليم: أن لا يقنط، أن لا يقنط العبد من حلم الحليم جل وعلا. بعض الناس ربما بلغوا مبلغا في الذنوب والمعاصي، بلغوا مبلغا في الذنوب والمعاصي والمخالفات، فظنوا أن حلم الحليم لا يسعهم، فظنوا أن حلم الحليم لا يسعهم، ورحمة الرحيم جل وعلا لا تسعهم. فربما يقولون: كيف يتوب الله جل وعلا علينا؟ وكيف يحلم الله جل وعلا علينا وعنا؟ ونحن قد فعلنا وفعلنا وفعلنا وفعلنا. لا، قل: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له. إذا علمت أن الله جل وعلا يغفر ويرحم ويحلم ويغفر كل شيء، لكن اسمع ماذا قال بعد ذلك سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، أنب إلى الله جل وعلا، وارجع وتب. لا تقف عند هذا الرجاء، قل: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم، وتقف، لا، تابع، استمر، اقرأ ماذا بعد هذا: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾، هذا الذي ينفعه. أما أن تعلم فقط أن رحمة الله جل وعلا وسعت كل شيء، وأنها وسعتك، وأن الله جل وعلا يغفر ما حصل منك من المعاصي، ثم لا تحصل منك إنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ماذا استفدت؟ ماذا استفدت حين علمت ذلك؟ بل بادر بالتوبة، لا تيأس من رحمة الله جل وعلا، لكن مع هذا عليك بالمبادرة إلى التوبة، والمسارعة إلى مغفرة الله جل وعلا، وإلى تحصيل حلم الحليم سبحانه وتعالى. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. إذن: هؤلاء الذين لم يصروا على ما فعلوا، هم الذين استفادوا في علمهم بحلم الحليم جل وعلا، وبسعة رحمة الرحيم جل وعلا. أما أن تصر أيها المذنب، وأيها المقصر، لزعم أن الله جل وعلا غفور حليم، وغفور رحيم، فإن هذا لا ينفعك يا عبد الله. فإذا: من مقتضى الإيمان باسم الله الحليم: عدم الأمن من مكر الله، وعدم القنوط من حلم الحليم سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله الحليم: أن تكون حليما يا عبد الله، أن تكون حليما. فالحليم جل وعلا يحب من عباده الحليم، يحب من عباده الحليم. لكن يكون الحلم في موضعه، أن يكون الحلم في موضعه. بعض الناس يحلم، لكن في غير موضعه، والشيء في غير موضعه لا فائدة منه. كالعفو من الناس، من يعفو في غير موضعه. فمن عفى وأصلح، يقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾، العفو الذي ترتب عليه خير وإصلاح، ومعنى هذا: العفو الذي لا ترتب عليه ذلك، فهو عفو في غير محله. من الناس من لا يستحق العفو، وإنما يستحقون إقامة الحدود عليهم زجرا لهم. لماذا؟ لأن العفو لهم لا يعينهم لا يعينهم على الخير، ولا خير فيه. وكذلك الحلم، الحلم إذا كان في غير موضعه كان كذلك مذموما، كان مذموما. فكن حليما يا عبد الله، حلما في موضعه. النبي عليه الصلاة والسلام ممن وصف بالحلم، وهكذا أنبياء الله جل وعلا. في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «لما لقي عليه الصلاة والسلام من قومه ما لاقى، وخرج عليه الصلاة والسلام، ولم يستفق إلا بقرن الثعالب، فأرسل الله جل وعلا إليه جبريل ومعه ملك الجبال، فسلم عليه ملك الجبال، وأخبره جبريل أن الله جل وعلا أرسل إليه ملك الجبال، فليأمره بما شاء». فقال ملك الجبال بعد سلامه: «إن شئت أطبقت عليهم ملك شبيل -جبلان عظيمان بمكة-». النبي عليه السلام هل قال: نعم؟ لا، وإنما حلم، حلم عليه الصلاة والسلام على قومه، ولم يطلب من ربه جل وعلا المعاجلة بالعقوبة لقومه، وإنما قال: «لا، بل أستأني بهم، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئا». وهذا من حلمه عليه الصلاة والسلام. وإلا لو طلب من ملك الجبال أن يخصف بهم، وأن يطبق عليهم، لفعل، لا لأن الله جل وعلا أرسله ليأمر النبي عليه الصلاة والسلام، أو ليطلب منه، سلم ذلك، فإذا أمر فعل. لكن حلم عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك أثنى على الأشج عبد القيس، كما جاء في حديث عباس في الصحيحين: «حين قدم وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتأخر هذا الرجل الأشج، اغتسل ثم جاء». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». فقال الأشج للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، خلقان تخلقت بهما، أم جبلني الله عليهما؟». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «بل جبلك الله عليهما». فقال الأشج: «الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله». ومن هنا نستفيد أن من الحلم ما يكون جبليا، بعض الناس جبلهم الله جل وعلا على الحلم. ومن الناس إنما يحلم بالتكسب، بالكسب يكتسب ذلك. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغني يغنه الله، وإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم». الحلم بالتحلم، إذا تحلم الإنسان، أي اكتسب تحلما، وصار حليما. فخلاصة الإيمان باسم الله جل وعلا الحليم: أنه سبحانه وتعالى لا يعاجل عباده بالعقوبة، وإلا لو عاجلهم لا ابتلعتهم الأرض، ولا أغرقتهم البحار، ولا زلزلت بهم الأرض، ولا وقعت عليهم السماوات وأطبقت عليهم. لكن الحليم جل وعلا يحلم بعباده. فنسهل سبحانه وتعالى أن يجعلنا من حلم به سبحانه وتعالى، وأن يجعلنا من آمن به جل وعلا الحليم. صلى الله وسلم وبرك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.