التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 6

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفضيل صحيح مسلم على البخاري وشرط اللقاء في الرواية

يناقش تفضيل صحيح مسلم على البخاري ويفسر أن هذا التفضيل يرجع إلى حسن الترتيب وليس الأصحية. كما يتناول شرط اللقاء في رواية الحديث بين البخاري ومسلم.

المناقشة حول شرط اللقاء وأهمية ثبوت اللقاء بين الراوي والمعلم

يشرح شرط اللقاء في الرواية وآراء البخاري ومسلم حوله، ويبين أهمية ثبوت اللقاء في قبول الرواية. يوضح آراء الحافظ ابن حجر في هذا السياق.

أرجحية صحيح البخاري على مسلم وتعريف الحديث على شرط الشيخين

يبرز أرجحية صحيح البخاري على مسلم لكونه أكثر صحة واتفاق العلماء على تفوقه. كما يوضح تعريف الحديث على شرط الشيخين وشرط إخراجهما للرواة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبي محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه "نزهة النظر": "قال: وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، فلم يصرح بكونه أصح من صحيح البخاري؛ لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، إذ المنفي إنما هو ما تقتضي صيغة أفعل من زيادة الصحة في كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم ينفي المساواة". يعني يحمل كلامه كأنه يقول: متى يوجد تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بعد صحيح البخاري؟ كانوا يقولون هكذا: بعد صحيح البخاري. هو لم يقول أن صحيح مسلم أصح من صحيح البخاري. قول هذا لا يدل على أنه يقدم مسلم على صحيح البخاري. هذا مراد الحافظ رحمه الله. قال: وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة، وينسب هذا القول إلى الإمام النووي رحمه الله، أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق، وجودة الوضع والترتيب. يعني لم يرد أن صحيح مسلم أصح، وإنما أراد أنه أفضل من حيث الترتيب والجودة في الصناعة. وهذا صحيح أن مسلم يقدم على البخاري من حيث حسن الترتيب والصناعة، لكن من حيث الصحة فالبخاري أصح. قال: ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية. ولو أفصحوا به لرده عليهم شاهد الوجود؛ فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم، وأشد، وشرطه فيها أقوى وأسد. فالبخاري -كما سيأتي- اشترط ثبوت اللقاء، ولم يكتفي بمجرد المعاصرة. وأما مسلم فاكتفى بمجرد المعاصرة. وكذلك أيضا أن كثيرا مما تكلم فيهم لم يخرج لهم البخاري في صحيحه، بخلاف مسلم، كحمد بن سلمة وسهيل أبي صالح ونحوهم. قال: وأما رجحانه من حيث الاتصال، فاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء مرة، وعنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، يعني أن يكون عاصره مع إمكان اللقاء. أما إذا عاصره واللقاء غير ممكن، فهذا لا يعتبر شرط مسلم. قال: وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلا. يعني مسلم ألزم البخاري بكونه يشترط ثبوت اللقاء، بأنه عليه أن لا يقبل العنعنة -يعني رواية من عن عن برواية عن- لماذا؟ لأن "عن" لا تفيد ثبوت اللقاء؛ فقد يكون لقي شيخه، وقد يكون لم يلق شيخه، وإنما عليه أن يقبل التحديث والإخبار. قال: وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة، لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمعا منه؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسا، والمسألة مفروضة في غير المدلس. يعني يقول الحافظ: إذا كان قد ثبت اللقاء، فرواية الراوي عن شيخه بعن تحمل على السماع؛ ولأنه يغلب على الظن أنه قد سمع منه لثبوت لقائه به، وكونه لا يلزمه أن لا يقبل العنعنة هذا إذا كان مدلسا. والكلام هنا في غير المدلس. وهذا الكلام قد ينقلب على الإمام البخاري رحمه الله؛ إذ أن مسلم كذلك لما اشترط أو اكتفى بالمعاصرة مع إمكان اللقاء. ومثل ذلك لو روى الراوي بعن وهو لم يكن مدلسا، فإنها تحمل على السماع؛ لأن العنعنة إنما ترد إذا كان الراوي مدلسا معروفا بالتدليس. وإذا لم يكن كذلك، فالأصل أنه سمع من شيخه. قال: وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط؛ فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددا من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري. والحافظ رحمه الله جمعهم في كتاب "هدي الساري في مقدمة فتح الباري"، ودافع عنهم دفاعا شديدا. قال: مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم. يعني هؤلاء المتكلم فيهم. وأما الإمام مسلم فأكثر من إخراج حديث من تكلم فيهم. قال: بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم، ومارس حديثهم، بخلاف البخاري في الأمرين. يعني أن مسلم أكثر من رواية من تكلم فيهم، والأمر الثاني أنهم ليسوا من شيوخه بحيث يقال أنه عرف صحيح حديثهم من سقيمه وخبرهم. بل هم من رواة الصحيح والذين ليس لهم معرفة وخبرة بحديثهم. قال: وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال؛ فلأن من انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا ممن انتقد على مسلم. هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجل من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلما تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه ويتتبع آثاره، حتى قال الدارقطني: لولا البخاري لما جاء مسلم أو راح. والأحاديث التي انتقدت في الصحيحين نحو ثمانمائة حديث، اختص البخاري بأقل من ثمانين حديثا، والبقية انتقدت على الإمام مسلم رحمه الله. يعني أكثر من مائة حديث انتقدت على الإمام مسلم. وعلى كل، فهما من أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا، وأصحها البخاري ثم مسلم. قال: ومن ثم -أي من هذه الحيثية- وهي أرجحية شرط البخاري على غيره، قدم صحيح البخاري على غيره من الكتب المصنفة في الحديث، ثم صحيح مسلم؛ لمشاركته البخاري في اتفاق العلماء على تلقي كتابه بالقبول أيضا، سوى ما علل -يعني سوى الأحاديث التي انتقدت وتم فيها الانتقاد-. قال: يعني الآن يقدم البخاري ثم مسلم من حيث الأصحية، ثم يقدم في الأرجحية من حيث الأصحية ما وافقه شرطهما؛ لأن المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح. والمراد بشرطهما أن يكون هؤلاء الرواة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم، ممن عرفوا بالعدالة والضبط، وبنفس الشرط الذي أخرج به البخاري ومسلم. لم يخرج هذا الحديث، فيقال: هذا الحديث على شرطهما. مثل الحاكم لما تتبع البخاري ومسلم بكتابه "المستدرك"، ينظر للحديث الذي هو على شرطهما، رواته رواة الصحيح، ولم يخرج هذا الحديث في صحيحهما، فيقال: هذا الحديث على شرطهما ولم يخرجاه. يعني رواته رواة الصحيح، وطريقة التي أخرجاها بهذا السند هي نفسها التي وقف عليها في هذا الحديث. فهذا يقال: على شرطهما. أما إذا أخرج لهؤلاء الرواة، لكن لم يخرجا لهما من رواية أحدهما عن الآخر -يعني مثلا سماك عن عكرمة، أخرجا لسماك وأخرجا لعكرمة، لكن ما أخرجا من طريق سماك عن عكرمة؛ لأن روايته عنهم ضعيفة- فما يطلق عليه أنه على شرطهما. لا، ليس هذا على شرطهما؛ لأنهما لم يخرجا لسماك عن عكرمة. واضح.