التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 8

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الشاذ والمنكر في الحديث النبوي وبيان أهميتهما

يتناول هذا الفصل تعريف الشاذ والمنكر في الحديث النبوي، حيث يُعرّف الشاذ بأنه ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه، والمنكر بأنه ما رواه الضعيف مخالفًا لمن هو أقوى منه. يُوضح أيضًا كيفية التفريق بين المحفوظ والشاذ والمنكر.

أقسام المتابعة والاعتبار في علم الحديث

يناقش هذا الفصل تعريف المتابعة وأقسامها، حيث تُعرّف المتابعة بوجود راو آخر يروي نفس الحديث عن نفس الشيخ، وتنقسم إلى متابعة تامة وقاصرة. كما يُشرح الاعتبار وتتبع طرق الحديث لمعرفة المتابع والشاهد.

مراتب المقبول من الأحاديث وكيفية التعامل معها

يتناول هذا الفصل مراتب المقبول من الأحاديث، حيث ينقسم المقبول إلى معمول به وغير معمول به، ويتم النظر في مراتبه عند المعارضة لمعرفة الأصح والأقوى. كما يُوضح كيفية الأخذ بالأحاديث المقبولة في ضوء المتابعات والشواهد.

التوفيق بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالقدر

يتناول هذا الفصل كيفية التوفيق بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالنصيب المكتوب، حيث يجب على الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويبتعد عن أسباب المرض أو الهلاك دون تعارض مع الحديثين حول القدر والنصيب المكتوب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله وصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. انتهينا مما ذكره المؤلف رحمه الله مما يتعلق بزيادة الثقة والخلاصة في زيادة الثقة التي تقبل إذا زاد الثقة زيادة ولم يخالف من هو أكثر منه عددا أو حفظا، فإنها تكون مقبولة. وأما إذا زاد زيادة وخالف من هو أوثق منه أو أكثر منه عددا من الثقات، فحينئذ تكون زيادته شاذة. وبهذا ينضبط أمر زيادة الثقة مع الحكم على تفرد الراوي بمخالفة من هو أولى منه بالشذوذ. قال المصنف رحمه الله: فإن خولف أي الراوي بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه المرجحات، فالراجح يقال له المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له الشاذ. يعني إذا تفرد الراوي بزيادة أو رواية خالف من هو أرجح منه بأن لم يذكروا هذه الزيادة، وهؤلاء الذين خالفهم هم أحفظ منه. كأن يكون من زاد هذه الزيادة ثقة والذين لم يزيدوها هم مثل هو زيادة في الثقة، أو يكون صدوقا ومن لم يزيدها ثقة، أو يكون أكثر منه عددا، فهو واحد والذين لم يزيدوها ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فحينئذ تكون رواية هؤلاء الكثر هي المحفوظة، ورواية هذا المتفرد يقال لها شاذة. قال: مثال ذلك ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمر بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا توفي في أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه. الحديث. وتمام الحديث: قال هل له أحد؟ قالوا: لا إلا غلاما أعتقه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراثه له. قال: وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره. قال: وخالفهم حماد بن زيد فرواه عن عمر بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس، يعني رواه مرسلا. حماد بن زيد رواه عن عمر بن دينار مرسلا ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة. انتهى كلامه رحمه الله. أبو حاتم هنا رجح رواية ابن عيينة، فابن عيينة تابع ابن جريج في وصل الحديث في روايته موصولا عن ابن عباس. محمد بن زيد وهو ثقة إلا أنه رواه مرسلا ولم يذكر ابن عباس، ورجح أبو حاتم رواية ابن عيينة. قال: فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منهم، وهم ابن عيينة وابن جريج. عرف من هذا التقرير أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه. الشاذ ما رواه المقبول، المقبول يعني من يقبل حديثه، فيدخل في ذلك الثقة ويدخل في ذلك الصدوق. وهذا أولى من تعبير من عبر في تعريف الشاذ بمخالفة الثقة، لأن قوله مخالفة الثقة يخرج مخالفة من دون الثقة كالصدوق، فهي أيضا تعتبر شاذة. فالتعبير بمخالفة المقبول يشمل الثقة ويشمل الصدوق. قال: وإن وقعت المخالفة مع الضعف، فالراجح يقال له المعروف، ومقابله يقال له المنكر. إن وقعت المخالفة مع الضعف، يعني إذا كان هذا الذي خالف هو ضعيف ممن لا يقبل حديثه، راوي ضعيف ممن قيل فيه ضعيف أو سيء الحفظ إلى آخره، وتفرد بهذه الرواية وخالف من هو أولى منه، فيقال لرواية ماذا يقال لها؟ منكرة. يقال هذه رواية منكرة أو يقال هذا حديث منكر. قال: مثال ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، عن أبي إسحاق أي السبيعي عن العيزار بن حريث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة. الحديث رواه الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل. وحبيب هذا ابن حبيب ضعيف. قال أبو حاتم في العلل: هو منكر، لأن غيره أي غير حبيب من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا، وهو المعروف. المعروف أن هذا الحديث موقوف من قول ابن عباس. فحبيب هذا رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحكم على روايته بالنكارة. قال: وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عموما وخصوصا من وجه، لأن بينهم اجتماعا في اشتراط المخالفة، وافتراقا في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق، والمنكر راويه ضعيف. هذا هو الفرق بين الشاذ والمنكر. الشاذ راويه ثقة، رواية الشاذ ثقة أو نقول راويه ثقة أو صدوق ممن يقبل حديثه. والمنكر راويه ضعيف لا يقبل حديثه. قال: والمتابعة على مراتب. الآن يقول: ما تقدم ذكره من الفرد النسبي، ما هو الفرد النسبي؟ مر معنا أن الفرد ينقسم إلى فرد مطلق وفرد نسبي. الفرد المطلق يكون التفرد في أصل السند من جهة الصحابي. الفرد النسبي يكون في أثناء السند أن يتفرد راوي بالرواية عن شيخه مثلا، ولا يرويه عنه غيره، ويروى الحديث من طرق أخرى. هذا فرد نسبي. قال: إن وجد بعد ظن كونه فردا قد وافقه غيره، فهو المتابع. يعني مثلا على سبيل المثال عرفنا أن فلان من الرواة مثلا الإمام الزهري رحمه الله تفرد بالرواية هذا الحديث عن شيخه، ثم وجدنا أن هناك راويا آخر روى هذا الحديث كذلك عن شيخ الزهري الذي تفرد عنه الزهري بالرواية عنه، فهذا الراوي الثاني يكون متابعا للزهري. يسمى متابع للزهري في الرواية عن شيخه. هذا يسمى المتابعة. قال: والمتابعة على مراتب، ومآلها ترجع إلى مرتبتين. قال: لأنها إن حصلت للراوي نفسه، فهي التامة. تسمى متابعة تامة إذا كانت المتابعة في الشيخ نفسه. تابعة فلان فلانا في الرواية عن هذا الشيخ تسمى متابعة تامة. كما سيأتي المثال. قال: وإن حصلت لشيخه فمن فوقه، فهي القاصرة. يعني أن يروي فلان هذا الحديث من طريق أخرى عن شيخ شيخه، ليس عن هذا الراوي نفسه الذي تفرد بالرواية عن شيخه، لكن يروي عن شيخه فمن فوقه، فيسمى هذه متابعة قاصرة. قال: مثال المتابعة ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين. فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدوه في غرائبه. يعني في تفرداته. قال: لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد وبلفظ: فإن غم عليكم فاقدروا له. لكن وجدنا للشافعي متابعا وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك. فهذه متابعة تامة. لماذا تامة؟ لأن القعنبي هنا تابع الشافعي في الرواية عن شيخه وهو مالك. قال: واعلم أن تتبع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي يظن أنه فرد ليعلم هل له متابع أم لا هو الاعتبار. تتبع طرق الحديث في هذه الكتب يسمى الاعتبار. يسمى الاعتبار. إذن الاعتبار هي الطريق التي توصل بها إلى معرفة المتابع والشاهد. قال ابن الصلاح رحمه الله: اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه لوحده، بل يكون معدودا في الضعفاء. وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكرهم في المتابعة والشواهد. وليس كل ضعيف يصلح لذلك. يعني قد يدخل في باب المتابعة والشواهد من كان ضعيف، لكن يرتقي حديثه في الشواهد لما يقال: هذا فلان يستشهد بحديثه. أيش معنى يستشهد بحديثه؟ يعني في باب الشواهد. إذا جاء من طرق أخرى أو تابعه غيره في الرواية، فيرتقي حديثه إلى الحسن إذا كان ضعفه يسيرا. قال: وجميع ما تقدم من أقسام المقبول تحصل فائدة تقسيمه باعتبار مراتبه عند المعارضة. يعني إذا حصل تعارض واختلاف، فينظر الأصح والأقوى والأرجح، فيقدم على غيره. قال: ثم المقبول ينقسم أيضا إلى معمول به وغير معمول به، لأنه إن سلم من المعارضة، أي لم يأت خبر يضاده، فهو المحكم. وأمثلته كثيرة. الحديث الذي لم يعارضه حديث آخر. طبعا المعارضة هذه في الظاهر، وإلا لا يوجد حديثان صحيحان متعارضان تعارضا حقيقيا، بمعنى لا يمكن الجمع بينهما بأي وجه من وجوه الجمع، وهما صحيحان. قال: وإن عورض، فلا يخلو إما أن يكون معارضه مقبولا مثله، أو يكون مردودا. فالثاني لا أثر له، لأن القوية لا تؤثر في مخالفة الضعيف. يعني إذا كان الحديث المعارض ضعيفا، هذا مردود. العبرة بالصحيح. قال: وإن كانت المعارضة بمثله، فلا يخلو إما أن يكون الجمع بين مدلوليهما بغير تعسف، أو لا. غير تعسف يعني من غير تكلف أن يتكلف الجمع على وجه فيه شيء من التعسف، وحمل الأحاديث على غير ظاهرها، هذا غير مقبول. لكن إذا أمكن الجمع من غير تعسف وتكلف، فلا بأس، فإنه يقبل. قال: وإن أمكن الجمع، فهو النوع المسمى مختلف الحديث. إذا أمكن الجمع بين هذه الأحاديث، فهو المسمى عندهم بمختلف الحديث. مختلف الحديث: هو الحديثان اللذان بينهما تعارض في الظاهر، فيجمع بينهما. قال: ومثل لهم ابن الصلاح رحمه الله بحديث: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول. حديث أبي هريرة في الصحيحين، وزاد مسلم: ولا نوء ولا غول. قال: مع حديث: فر من المجذوم فرارك من الأسد. وكلاهما في الصحيح. الأول في الصحيحين، والثاني في البخاري. قال: وظاهرهما التعارض. وجه التعارض في الحديث الأول حيث أبي هريرة نفى النبي صلى الله عليه وسلم العدوى. وفي الحديث الثاني: فر من المجذوم فرارك من الأسد، فيه الأمر بالفرار من المجذوم خوف العدوى. فكأن فيه إثباتا للعدوى. فهنا في الظاهر شيء من التعارض بين الحديثين. الأول ينفي العدوى، والثاني يثبت العدوى. قال: وجه الجمع بينهما: أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن الله سبحانه وتعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضه. يعني أن المنفي ما كان يعتقد أهل الجاهلية من ثبوت العدوى بطبعها، أنها تعدي بنفسها وبذاتها. فهذا نفاه النبي صلى الله عليه وسلم: لا عدوى. أي بنفسها وبطبعها. وأمره عليه الصلاة والسلام بالفرار من المجذوم كالفرار من الأسد، هذا من باب الأخذ بالاسباب. من باب الأخذ بالاسباب أن الإنسان يأخذ بالسبب ويبتعد من أسباب مظنة حصول المرض أو الهلاك. وحينئذ لا تعارض بين الحديثين.