شرح العقيدة الواسطية 33

شرح العقيدة الواسطية 33

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 33، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

إثبات صفة الكلام لله عز وجل وتأصيلها

يثبت أهل السنة والجماعة صفة الكلام لله عز وجل لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل. الكلام صفة كمال لله تعالى.

تفاصيل إثبات صفة الكلام لله وتوضيح معتقد أهل السنة

أهل السنة يثبتون صفة الكلام لله إثباتا يليق بجلاله، ويقولون بأن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد. يرفضون لوازم المبتدعة لصفة الكلام.

تعبير أهل السنة عن صفة الكلام لله تعالى بصوت وحرف

أهل السنة يثبتون أن كلام الله بصوت وحرف، مستندين إلى منهجهم في إثبات الصفات على ما عرفه العرب في لغتهم. يستدلون بذلك من القرآن والسنة.

خاتمة وتأكيد على صحة قاعدة أهل السنة في صفة الكلام

المقطع يشهد بصحة قاعدة أهل السنة بأن كلام الله يتألف من صوت وحرف، مستنداً إلى أدلة تم تقديمها مسبقاً. يختتم بالتأكيد على العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾. قال: وقوله ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾، وقوله ﴿وإذ قال الله يا عيسى﴾، وقوله ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾، وقوله ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾، وقوله ﴿منه من كلم الله﴾، وقوله تعالى ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾، قال: وقوله ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾، وقوله ﴿إذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين﴾، وقوله ﴿وناداهما ربهما ألم أنهاكما عن تلكما الشجرة﴾، وقوله ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾. طيب، هذه النصوص القرآنية الثابتة لدينا تدل على إثبات صفة من صفات الله، ألا وهي صفة الكلام. فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة لله؛ لأن الله أثبتها لنفسه: ﴿وكلمه ربه﴾، ﴿إذ نادى ربك﴾، ﴿وناديناه﴾، ﴿وإذ قال الله﴾. تجد أن صفة الكلام أضيفت إلى الله عز وجل. وقد أشرنا أن الشيء المضاف إلى الله إما يكون من الأعيان، وإما أن يكون من المعاني التي لا تقوم بنفسها. فإضافة المعاني -أي لا يقوم بنفسه- إلى الله، فإضافة الصفة إلى موصوفها. هنا، أخواني في الله، مسائل نشير إليها كتمهيد لهذه المسألة ولهذه الصفة. أول مسائل الباب، أخواني في الله، أن أهل السنة والجماعة يثبتون يثبتون صفة الكلام لله جل وعلا؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل. أما دلالة الكتاب، فالأدلة التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى بين أيدينا، وسيأتي معنى الكلام عليها بإذن الله. وأما أدلة السنة، ستأتي معنا كذلك؛ لأن المؤلف بعد هذا الباب عد لنا بحثا في إثبات صفات الله من خلال السنة النبوية. وكما جاء في الصحيح في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه». في إثبات صفة الكلام. وأما الإجماع، فقد حكى أكثر من واحد من أهل السنة على أن أهل السنة يثبتون صفة الكلام. وسيأتي معنا. والأمر الرابع: العقل. الدلالة العقلية تدل على أن الله يتكلم. ووجه ذلك أن العقل يقول بأن الكلام صفة كمال. أن الكلام صفة كمال، بخلاف الذي لا يتكلم كالأخرس؛ فهي صفة نقص. نحن كبشر، مثلا، لو قيل: هذا فلان يريد أن يتقدم إليكم يتزوج من عندكم، لكنه أخرص، هذا عيب؛ أخرص عيب نقص، نقص في حق هذا الرجل، فيرفض؛ ما يستطيع أن يعبر بكلمة. فالنقص يكون في ماذا؟ في عدم الكلام. وأما الكمال يكون بالكلام. فلله المثل الأعلى. ومن هنا، إبراهيم عليه السلام عندما أراد أن يبرهن على بطلان الآلهة والأصنام التي عبدت من دون الله، من أين فند هذه الآلهة؟ فند الألوهية عنها بهذه المسألة، فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾. فأراد إبراهيم عليه السلام أن يخاطب عقولهم الضيقة: إذا كنتم تعتقدون أن هذه آلهة، دعوها تتكلم معكم، دعوها تتكلم؛ لكنها صماء خرساء، فاعلموا أنها لا تستحق أن تعبد، فضلا أن تتخذ آلهة من دون الله عز وجل. وهكذا في قصة موسى عليه السلام مع أصحاب العجل، في قصة موسى عليه السلام مع أصحاب العجل، كان من أعظم ما به يبرهن على أن هذا العجل ليس بآلهة: أنه لا يتكلم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا﴾. انظروا، هذا إلهكم، انظر هل يتكلم؟ ما يتكلم، ساكت. فالدلالة العقلية، أخواني في الله، تدل على أن الله متكلم؛ لأن الكلام صفة كمال. ومن هنا، وجد الأشاعرة أنفسهم بضرورة إثبات صفة الكلام لله. فالأشاعرة يثبتون صفة الكلام لله، ليس للدلالة النصية؛ لا، ولكن للدلالة العقلية. لأنهم إنما يثبتون الصفات التي دل العقل عليها. المسألة الثانية، مما يذكر في هذا المقام من مسألة الكلام: أن أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الكلام لله إثباتا يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، يتكلم. كيف يتكلم الله؟ أعلم، لكنه يتكلم. فما يأتي به المبتدعة من اللوازم ليس بلازم. فمثلا يقولون: أن من لوازم الكلام لابد من الحنجرة، ولابد من الأسنان، ولابد من اللسان، ولابد من الشفة. قالوا: نعم، أنتم إذا أردتم أن تثبتوا صفة الكلام لله، هذا يضطركم إلى أن تثبتوا هذه الأشياء. نقول: سبحان الله، هل هذا لازم؟ إن قالوا: نعم، قلنا: هذا باطل. المسألة الثالثة: أن صفة الكلام، أخواني في الله، من أعظم الصفات التي وقع فيها الاضطراب بين المبتدعة أنفسهم وبين أهل السنة. صفة الكلام من المسائل التي وقع فيها الاضطراب بين المبتدعة أنفسهم؛ إذ أن من نظر إلى أقوال المبتدعة يرى أنهم عشرات الأقوال: المعتزلة لهم قول، المجسمة لهم قول، الحلولية لهم قول، في صفة كلام الله. تنازع فيما بينهم في تصورهم لصفة الكلام. المسألة الرابعة، وهي المسألة المهمة في مسألة صفة الكلام لله عز وجل: عبارة يأتي بها أهل السنة عندما يثبتون صفة الكلام لله، يقولون: بأن كلام الله جل في علاه قديم النوع، حادث الآحاد. بأن كلام الله جل في علاه قديم النوع، حادث الآحاد. هذه من عبارات السلف. فما معنى هذا؟ وما معنى ذاك؟ قديم النوع، بمعنى أن أصل الصفة، أصل الصفة، تعبير آخر: جنس الصفة، أصل صفة الكلام، جنس صفة الكلام، هي ثابتة لله في القدم. ثابتة لله في القدم، بمعنى أن الله جل في علاه له القدر على الكلام. أي أن الله جل في علاه له القدر على الكلام، فهي صفة ثابتة قائمة به جل في علاه. صفة ثابتة قائمة بالله، يتكلم سبحانه، أي: لم يخلق له القدر على الكلام، فهو قديم النوع. هذا معنى العبارة. أما العبارة الثانية، وهي حادث الآحاد، الآحاد بمعنى أفراده، أفراد الكلام، أفراد الكلام هو حادث. بمعنى أن الله يحدثه متى ما شاء، يحدثه متى ما شاء. فهو يتكلم متى ما شاء، كيف شاء. فقد تكلم في الماضي، ويتكلم في الحاضر، وسيتكلم في المستقبل. والدليل على حدوث كلامه سبحانه وتعالى ما جاء في قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون﴾. محدث، قال العلماء: أي حديث النزول، حديث النزول، أي: الآن تكلم به الرب عز وجل، الآن. حديث، بمعنى: الآن تكلم به الرب عز وجل. فهذا معنى حادث الآحاد، أي: أن أفراد الكلام يتكلم به الرب سبحانه وتعالى متى ما شاء. ومن هنا تأتي المسألة الخامسة، وهي: هل الكلام صفة ذاتية أم صفة فعلية؟ من خلال الفقرة الرابعة تأتي الفقرة الخامسة، ألا وهي: هل الكلام صفة ذاتية لله أم صفة فعلية؟ وقد مر معنا في أوائل الرسالة الفرق بين الصفات الذاتية، وهي التي متعلقة بذاته، لا تنفك عن الله، والصفات الفعلية، هي التي تفعل بمشيئته، متى ما شاء. ثم نأتي إلى الكلام: هل نقول: هي ذاتية؟ أم نقول: هي فعلية؟ قال العلماء: صفة الكلام صفة ذاتية فعلية. ذاتية باعتبار أن الله متصف بها، وله القدر على الكلام. ذاتية باعتبار أن الله متصف بها، له القدر على الكلام. وهي فعلية؛ لأنها متعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى. فهي ذاتية، باعتبار، وفعلية، باعتبار آخر. فمن عمل السلف عندما قالوا أولا: بأن صفة الكلام قديمة النوع، حادث الآحاد، أن الله متصف بها في القدم، في الأزل، متصف بها في القدم، وأن الله له القدر على الكلام. لم نقل بأنها صفة ذاتية فقط؛ لأن لو قلنا: صفة ذاتية، بمعنى: الله الكلام مستمر، يتكلم استمرارا ذاتيا، ما يتوقف. بل نقول: ذاتية، باعتبار أن الله متصف بها، أي: له القدر على الكلام. مثلك أنت الآن، لو قيل لك: يا فلان، إيش تقول في الإنسان هذا، الأخ فلان؟ يتكلم. نعم، يتكلم، بس هو ساكت الآن. يا أخي، أنا أقول لك: أجيبك إجابة: أن فلان هذا يتكلم، من حيث القدر على الكلام. نعم، يتكلم، ليس أخرس، ما هو صاحب عاهة، يتكلم هو، لكن إن أردت أن تفعل الآن، هو ساكت، ما يتكلم. فالكلام، أخواني في الله، يطلق على صاحبه باعتبار الاتصاف به: هل يتكلم؟ بمعنى: هل له القدرة على الكلام؟ نعم، له القدرة. أنتم عندي جميعا متكلمون، كلكم عندي، سكوت الآن، سكوت، لكن قول: تتكلمون، بمعنى: أن عندكم القدرة على الكلام. لكن إن تكلمتم، كذلك، هذا نوع من وعي التكلم، تكلم. فعلي، حديثكم الآن، من تكلم؛ لأن أحد سأل سؤال، قول: الآن تكلمت. وقبل أن تسأل، أنت متكلم، باعتبار أنك متصف بصفة الكلام. ولله المثل الأعلى، فربنا سبحانه وتعالى، تعد صفة الكلام ثابتة لله، باعتبارها صفة ذات، أي: أن الله عنده القدرة على الكلام. وتعتبر صفة فعل، إذا تكلم سبحانه وتعالى، فهو يتكلم بمشيئته، إذا شاء تكلم سبحانه وتعالى. فهذا المراد، أخواني في الله، من الفقرة الرابعة، ومن أن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد، ومن الفقرة الخامسة: بأن صفة الكلام صفة ذاتية، باعتبار، فعلية، باعتبار آخر. من مسائل الكلام، أخواني في الله، مسألة: هل يعبر عن كلام الله بأنه صوت وحرف؟ هل يعبر عن كلام الله بأنه صوت وحرف؟ هل لي أن أعبر بهذا؟ يقول أهل السنة: نعم، يثبتون أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت وحرف. نعم، هذا التعبير يسوغ. قال إمام السجزي رحمه الله: «فقول خصومنا: إن أحدا لم يقل أن القرآن كلام الله حرف وصوت». قال: «كذب وزور». بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك. إلى أن قال: «ولم أجد أحدا يعتد به، ولا يعرف ببدعة، من نفر من ذكر الصوت». إلا البويطي رحمه الله، إن صح عنه. فيفيدنا هذا ما ذكره الإمام السجزي رحمه الله أولا: أنه نقل عن السلف، وأن هذا ثبت عنهم جميعا، على أنهم يقولون بأن كلام الله بصوت وحرف. وما استثنى من هؤلاء إلا ما نقل عن البويطي، ومن بعض الشافعية. وأيضا، أخواني في الله، من باب الاستدلال على أن كلام الله صوت وحرف، يقال: أن منهج أهل السنة في هذا الباب: أنهم يثبتون الصفة على ما عرفت عند العرب؛ لأن الله خاطبنا بلسان عربي. كما قلنا في قضية الاستواء: الاستواء. ومعلوم، معلوم من أي اعتبار، معلوم: بأن الله خاطبنا بلغتنا، باللغة العربية. بأن الله استوى، واستوى في اللغة العربية بمعنى: علا وارتفع. والله عز وجل أخبرنا أنه تكلم، والكلام الذي يعرف عند الكلام العربي: أنه مسموع، يسمع، يكون بصوت. فنحن نفهم الصفات التي خاطبنا الله جل وعلا بما كان من لغتنا. فإن الكلام ما يكون كلاما إلا بصوت. زد على ذلك: أن الأدلة دلت على ذلك، كما جاء من حديث عبد الله بن أنيس، من حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس يوم القيامة... إلى أن قال: فيناديهم بصوت: أنا الملك، أنا الديان». أي: صفة الكلام. كذلك، مما يضاف إلى ذلك: أن من أنكر مسألة الصوت والحرف عن كلام الله، لابد أن يأتي بدليل؛ لأنه الذي خرج عن المنطوق. هو الذي خرج. نحن نبقى على الأصل. فمن رفض أن يثبت لله أن كلام الله بصوت وحرف، فيطالب بالدليل. كذلك، ستأتي معنا مسألة مهمة جدا، من المسائل التي ستأتينا في هذا الباب: أن الكلام ما يعد كلاما إلا بأمرين، ألا وهما: اللفظ والمعنى. الكلام لا يعد كلاما إلا بأمرين: اللفظ والمعنى. معنى: أي له مغزى. وأن يكون ملفوظا، يكون ملفوظا، بمعنى: يكون مسموعا. وهذا سيأتي معنا. أشهد أن هذه كلها أدلة تدل على صحة هذه القاعدة التي سار عليها أهل السنة: من أن كلام الله صوت وحرف. إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.