الدرس في شرح العقيدة الواسطية 31، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش استدلال المؤلف على علو الله بآيتين قرآنيتين تتعلقان برفع عيسى عليه السلام، ويرد على التأويلات الباطلة للمبتدعة. يشمل ذلك تفسير الرفع المذكور في الآيتين ودلالته على علو الله سبحانه وتعالى.
يناقش معاني التوفي في القرآن واستدلالات الآيات على علو الله تعالى، مثل آية صعود الكلم الطيب ورفع العمل الصالح ومحاولة فرعون بلوغ السماوات. يشير إلى دلالات هذه الآيات على علو الله.
استدل أهل السنة بقوله تعالى: أأمنتم من في السماء على علو الله، بينما فسرها المبتدعة بتأويلات بعيدة عن ظاهر الآية. الآية تحمل على تفسيرين: إما أن "في" بمعنى "على" أو أن السماء بمعنى العلو.
سيتم التطرق إلى أدلة السنة من السنة النبوية، ويتبع ذلك خاتمة بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، لازلنا، أو بالأمس بالأحرى، كان الدخول إلى بيان صفة العلو لله جل في علاه. وذكرنا أن الفرق ما بين الباب الأول والثاني، الباب الأول علو خاص متعلق باستواء الله، والأمر الثاني العلو المطلق جل في علاه. وأن العلو منهم هو علو معنوي يدخل في ذلك علو القدر، علو القهر، ومنهم من هو علو ذاتي، وهذا الذي يثبته أهل السنة والجماعة دون غيرهم. قلنا إن العلو قد دل عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، بما لا يدع مجالا للشك بأن الله جل وعلا عال على خلقه سبحانه وتعالى. ننتقل الآن إلى الآيات التي ذكرها لنا المؤلف واستدل بها على علو الله. قال رحمه الله تعالى: يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي. وقال وقوله تعالى: بل رفعه الله إليه. الآية الأولى والثانية التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى، فيها إشارة إلى قضية وقصة عيسى عليه السلام، وذلك حين دبر اليهود تلك المؤامرة لقتله. فنجاه الله سبحانه وتعالى ورافعه، والارتفاع هو الانتقال إلى جهة العلو. وتأمل في الآية الأولى والثانية، قال: ورافعك إلي، فأضاف الرفع إليه سبحانه وتعالى. وفي الآية الثانية: بل رفعه الله إليه، فالضمير في الآيتين يعود إلى الله سبحانه وتعالى فوقد رفع إلى الله. ولا يصح لما يدند به المبتدعة تأويلا لهذه الآية، كمن يقول إن الرفع إنما تم إلى محل رحمتي، رافعك إلي أي إلى محل رحمتي. كل ذلك من التأويلات الباطلة. في قوله تعالى: يا عيسى إني متوفيك، ما معنى التوفي هنا؟ للمفسرين عدة أقوال في تفسير التوفي في هذه الآية. التفسير الأول: من قال إن التوفي هنا بمعنى القبض، متوفيك أي قابضك. المعنى الثاني: أن التوفي هنا بمعنى النوم، فمعنى الآية: يا عيسى إني منيمك ورافعك. وهذا قد جاء به نص القرآن أن التوفي تعطي بمعنى النوم. المعنى الثالث للتوفي: أن التوفي هنا بمعنى الموت، فتقدير الآية: يا عيسى إني مميتك ورافعك إلي. لكن هل هذا المعنى هو الصحيح؟ أن التوفي بمعنى الوفاة؟ عيسى لم يمت، بل رفعه الله وهو حي. فقالوا: أولا إما أن يقال هنا الواو بمعنى ثم، أو أن فهم الآية يكون فيها التقديم والتأخير، فمعنى الآية: يا عيسى إني رافعك ومتوفيك. قال رحمه الله تعالى: الشاهد منها قد مر معنى إني متوفيك ورافعك، فعيسى رفع إلى الله. وأين الله؟ الله في العلو. أين عيسى؟ عيسى في العلو، إذا عند الله. فعيسى عند الله في العلو، فيثبت في هذه الآية العلو. قال قوله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه. هذه الآية الثالثة، وفيها بيان على أن علو الله من جهتين اثنتين. في قوله: إليه يصعد الكلم الطيب، يصعد والصعود هو التدرج في الارتفاع، فقوله سبحانه وتعالى: إليه يصعد، إذن الكلم الطيب يصعد إلى أين؟ إلى أعلى، عند من؟ عند ربه، عند الله. والوجه الثاني من الآية: والعمل الصالح يرفعه، يرفع لمن؟ يرفعه سبحانه وتعالى إليه. وقد جاءت الأدلة الدالة على أن رفع الأعمال لها أوقات، فهناك رفع سنوي، ورفع أسبوعي، ورفع يومي. قال وقال تعالى: يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا. وهذا من فرعون الطاغية. قال: يا هامان ابن لي صرحا، الصرح والبناء المرتفع، أي ابن لي بنيانا مرتفعا. قال: لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات، أي أريد أن أصل إلى السماء. قال العلماء: إن هذا الأسلوب القرآني، وهو أن يأتي بالإيهام، لعلي أبلغ الأسباب ثم أسباب السماوات، هذا فيه الاشتياق والتلهف. وهذا التعبير يراد منه أن يوقع في النفس الاشتياق لمعرفة ما هو المكان الذي أراده فرعون. طيب هذا الفعل من فرعون، لماذا؟ قال العلماء: ما فعل فرعون ذلك إلا لما علم من موسى أن ربه الذي يعبده في السماء. فأراد فرعون أن يتحدى موسى، قال: أتحداك، فأراد أن يرتقي في السماء حتى يلاقي الله جل في علاه. قال مؤلف رحمه الله تعالى: أأمنت من في السماء أن يخصف بكم الأرض فإذا هي تمور. هذه الآية الأخيرة التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على قضية علو الله جل وعلا. أولا، هذه الآية استدل بها أهل السنة والجماعة كما نرى من صنيع شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، دال على علو الله. وفي قوله سبحانه وتعالى: أأمنتم من في السماء، من الذي في السماء؟ الضمير يعود إلى الله جل وعلا. أأمنتم من في السماء، أأمنتم بالله الذي يخشى بأمره أن يخصف بكم الأرض. ومن العجب العجاب ما يفعله المبتدع الضلال أنهم أرجعوا الضمير إلى غير الله. قال إمام الآلوسي رحمه الله تعالى: في السماء هو الله. قال: وهذا قول أئمة السلف. وأما المبتدعة فقالوا: أي من هو سلطانه في السماء. قال الآلوسي: وهذا تأويل بارد، لأن الله سلطانه في الأرض والسماء. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن توهم أن الله في السماء بأن السماء تحوي به، فهو كاذب إن نقله عن غيره، أو ضال إن اعتقده. قال: ولا أعلم أحدا قال بهذا القول. قال العلماء: في قوله تعالى: أأمنتم من في السماء، أن هذه الآية تحمل على تفسيرين اثنين. إما أن كلمة "في" بمعنى "على"، وهذا ما يعبر عنه عند أهل اللغة بأن حروف الجر تتناوب. أو أن السماء هنا بمعنى العلو، فيكون معنى الآية: أأمنتم من في العلو. هذا يا إخواني في الله خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من آيات العلو التي استدل بها على إثبات علو الله جل وعلا. والمؤلف في هذا المقام ذكر لنا أدلة القرآن فقط. ثم بعد ذلك سيعرج على أدلة السنة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى عله وصحبه وسلم.