الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يشرح مسائل تتعلق بالدعاء والاستغاثة وحدود النفع والضر، حيث يبين أن نسبة النفع والضر إلى أحد بذاته شرك في الربوبية. كما يوضح أن قول "بإذن الله" لا يبرر دعاء غير الله.
المقطع الثاني يشرح خطورة دعاء غير الله واعتقاد أن غيره ينفع ويضر، ويبين أن هذا الشرك الأكبر، ويستدل على ذلك بآيات قرآنية. كما يوضح أن النفع والضر بيد الله وحده.
المقطع الثالث يتناول تفسير بعض الآيات القرآنية ودلالتها على التوحيد، مثل طلب الرزق من الله وحده وعدم دعاء غير الله. كما يشير إلى إقرار المشركين بأن الله وحده هو الذي يجيب المضطر ويكشف السوء.
المقطع الرابع يبين حكم الاستغاثة بغير الله، حيث يوضح أنه لا يجوز الاستغاثة أو الدعاء بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لأنه يعتبر شركًا بالله جل وعلا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، يومًا وليس بعد. بعد ذكرنا قول المؤلف رحمه الله في باب من الشرك يستغيث بغير الله ويدعو غيره، وذكر العلة في ذلك، ثم قال المؤلف رحمه الله فيه مسائل. الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، العام هو الدعاء، والاستغاثة هو الخاص، فالاستغاثة كما ذكرنا قبل هي من الدعاء، ويدخل في الدعاء الاستغاثة والاستعانة، كل ذلك في دعاء المسألة، دعاء الطلب. الثاني: تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾، فإن فعلت أي دعوت من لا ينفعك ولا يضرك. الآن بعض أهل الشرك يقولون: الله عز وجل يقول ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾، لكن يقولون: أولياء الله ينفعون ويضرون بإذن الله، يأتون بإذن الله، هذه كلمة يعلقونها على كلامي، وهذا خلط في الكلام. كيف ينفع ويضر بإذن الله أصلا؟ كل شيء بإذن الله، وكل أحد نفعه وضره بإذن الله، لكن نسبة النفع والضر إلى شخص، فهذا يعتبر خطأ. وأما قولك مثلا: بإذن الله، هذا لا شك أنه كله بإذن الله، لا ينفع أحد إلا بإذن الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فلهذا ما شيء في هذا الكون ينفع إلا بإذن الله، ولا يضر إلا بإذن الله. فقولهم: إنه ينفع ويضر بإذن الله، هذا لا يزيد شيئًا ولا ينقص، معنى قولهم: إنه ينفع بإذن الله أو يضر بإذن الله، هذا كل شيء أصلا بإذن الله. فاعتقاد أن إنسانًا ينفع بذاته هذا شرك في الربوبية، أما أن يقال: إنه بإذن الله، فهذا كلام باطل وإدخال ما ليس في المسألة. أنت الآن تدعو هذا الشخص، لماذا تدعوه؟ تدعو هذا العيد أو الروس أو المحضار أو كذا أو كذا، لماذا أنت تدعو هذا الشخص باسمه؟ لماذا لا تدعو غيره؟ فدعاؤك لهذا الشخص يدل على أنك تعتقد فيه النفع والضر، وإلا لما دعوته. وأما أن يقال: هذا لعله ينفع، هذا ليس صحيحًا. معنى لو قلت مثلا: لعله عندما أدعو فلانًا لعله ينفعني، مثل ما يقول أهل التصوف القبورية يقولون: لعله ينفعني، فهذا قولك: لعله ينفعني، هذا خطأ بل باطل بل شرك، لأنك الآن تلتمس النفع منه، تلتمس النفع منه، وليس هو من أهل النفع، لا يملك نفعًا، قل: «لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرا ولا نفعًا إلا ما شاء الله». فالإنسان لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرا، فكيف بهذا الميت الذي تلتمس منه النفع والضر؟ وهذا كما قلنا إدخال أشياء ليست من صلب الأمر. فالذي يدعو غير الله فهو يلتمس منه النفع والضر، الذي يلتجئ إلى غير الله فهو يلتمس النفع والضر من هذا الذي هو يدعوه. فقولهم: إنه بإذن الله، كما قلنا لا أثر لها، لا أثر لها في واقع هؤلاء القبورية. لهذا يقولون: لو اعتقدت في حجر لنفعك، لو اعتقدت في حجر لنفعك، وهذه هي عقيدة القبورية، معناه: أنك لو اعتقدت في أي شيء فهو ينفعك، فعندهم ليس النفع النافع والضار الله عز وجل، لا، بل عندهم كل شيء ينفع، حتى الحجر والشجر. الثالث: أن هذا هو الشرك الأكبر، لأنه فيه اعتقاد ما لله عز وجل، يعتقد فيه بما يعتقد بغير الله أنه ينفع ويضر. الرابع: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين، لأن الله عز وجل يقول: ﴿فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين﴾، وهو رسول الله صلوات الله وسلام عليه خير الناس وأفضل الناس، لكن قال الله عز وجل: ﴿إن فعلت فإنك من الظالمين﴾، فدل على أن هذا الفعل يغضب الله عز وجل على فعله، هو الشرك بالله. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها، أن الآية التي بعدها قول الله عز وجل: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم﴾، فهذه الآية الصريحة فيمن يعتقد أن ضره ينكشف بغير الله أو أحد يرد النفع عنه غير الله، فإنه يعتبر مشركًا، اعتقد في غير الله عز وجل ما لا يكون إلا لله. ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾، لا أحد يكشف الضر إذا جاء المرض، من الذي يشفيك؟ هو الله، لا الطبيب ولا أيضًا الدواء ولا أيضًا فلان وفلان ممن يستغاث بهم من دون الله عز وجل، وإنما الشاف هو الله. السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرًا، قول الله عز وجل: ﴿يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾، فهنا قال: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرًا، أنه لا أحد يرد شيئًا غير الله عز وجل، الذي يعتقد أن هناك من يرد الفضل الذي يأتي من الله، فهو يعتبر كافرًا. السابع: تفسير الآية الثالثة، وهي قول جل وعلا: ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون﴾، إذا أردتم الوسيلة وأردتم الرزق وأردتم الخير فاطلبوه من الله جل وعلا. الثامن: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه، فنعيم الدنيا أيضًا يطلب من الله، ومن نعيم الدنيا هو الرزق، ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له﴾، فيطلب الرزق من الله جل وعلا لأنه هو الرزاق سبحانه وتعالى، وهو الرازق، فليس الرزق بيد أحد، ولا ينبغي للمسلم أن يعلق نفسه إلى مخلوق يظن أنه له حق في رزقه، فهذا قد يكون من الخدش في التوحيد أو يخدش في كماله. التاسع: تفسير الآية الرابعة، وهي قول الله عز وجل: ﴿ولا تدع من دون الله من لا يستجيب لك إلى يوم القيامة وهم عن دعائك غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتك كافرين﴾، فعن هؤلاء الذين يدعون غير الله ليس هناك من هو أضل منهم. العاشر: أنه لا أضل ممن يدعو غير الله. الحادي عشر: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه، أي هذا الذي يدعى من دون الله هو غافل عن دعاء الداعي، لا يدري من الذي دعاه أو هل أحد يدعوه أو لا. الثاني عشر: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له، كما قال الله عز وجل: ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾. الثالث عشر: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو، وهذا في آيات كثيرة، وهنا أيضًا في هذه الآية: ﴿وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾. الرابع عشر: كفر المدعو بتلك العبادة، وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا بهم وكانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين، أي عبادتهم هؤلاء المدعوون من دون الله كفروا بسبب هذا. الخامس عشر: أن هذه هي سبب كونه أضل الناس، أن هذه أي الدعوة التي يدعى فيها من دون الله عز وجل، والذي يدعى غير الله سبب في أنه أضل الناس. السادس عشر: تفسير الآية الخامسة، وهي قول الله عز وجل: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾، أي لا أحد مع الله، لأن هذه استغاثة، لأنها دعاء للمضطر، والاستغاثة هي دعاء المضطر. السابع عشر: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان بأنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين، وهذا كما قلنا ذكره ربنا جل وعلا في أكثر من آية: ﴿وإذا مسهم الضر في البحر ظل من تدعون إلا إياه فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. الثامن عشر: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد والتأدب مع الله، حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد دلت عليها دلائل كثيرة، ومن ذلك أيضًا تحريم بعض الأشياء كالتصوير، تحريم أيضًا كذلك بعض التوسلات، وأيضًا الأمر بأخذ الوسيلة من الله، وابتغاء الوسيلة، وأيضًا كذلك النهي عن بعض الأشياء مثل اتخاذ القبور مساجد، مثل البناء على القبور، مثل غيرها من هذه الأشياء التي هي وسائل إلى الشرك بالله جل وعلا. وخلاصة هذا الباب أن لا يجوز أن يستغيث الإنسان بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأيضًا كذلك يدعو غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه يعتبر شركًا بالله جل وعلا، فهذا الذي دلت عليه الأدلة، وهو خلاصة هذا الباب. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.