الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع تفسير آية من القرآن الكريم ودلالتها على التوحيد ودعاء النبي على الكفار في غزوة أحد. يبين المقطع قنوت النبي في الصلاة للدعاء على كفار قريش واستخلاص بعض الدروس منها.
يتناول المقطع آراء العلماء حول الدعاء على الكفار في الصلاة، حيث يرى أكثرهم أن الأفضل هو اللعن العموم وليس التعيين، ويستشهدون بفعل النبي ودعائه على الكفار. كما يشرح بعض الدروس المستفادة من حادثة غزوة أحد.
يناقش المقطع حدود قدرة النبي في أمور الهداية والضلال، مثل قوله لعشيرته الأقربين أنه لا يملك شيئا لهم عند الله. يشير إلى أن بعض الناس يدعون قدرات خارقة مثل إدخال الناس الجنة أو إخراجهم من النار.
يتناول المقطع تعامل العلماء الكبار مع أفكار محي الدين ابن عربي، حيث ينقلون كلامه دون نقد ويعتبرونه مسلما له ولاية. يشير إلى أن هذا الموقف قد يكون مبررا لهم بسبب خلط الأمور عليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى. قال: «باب» على المراد، ويقال: على الإضافة. أنا يجوز الوجهين، أنا يقال: «باب قول الله تعالى» على أن «قول» خبر، ويقال: على الإضافة «باب قول الله تعالى»، أنا كلاهما يجوز. على المسائل ما خذناها. قال في مسائل: قول الله عز وجل «أي شركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون». قال في مسائل: الأولى تفسير الآيتين، أنا قول الله عز وجل: «أي شركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون»، أنا فيه دلائل من دلائل التوحيد، وأن غير الله جل وعلا لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا، فكيف يكون إله؟ الثانية: قصة أحد، أنا فيه الحديث: «ليس لك من الأمر شيء»، كما كسرت رباعيته. والرباعية هو السن الذي يكون بعد الأنياب، سمى رباعية، معنى السن الذي بعد القواطع أولا القواطع، أو يسمى ثنايا، ثم الذي بعدها يسمى رباعية، وهي أربع أدراس، فهذه كسرت رباعية النبي عليه الصلاة والسلام في أحد، وشج وجهه، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» والشج هو الضرب في الوجه أو في الرأس، سمى شجه إذا كانت الضربة في الوجه أو الرأس، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» فأنزل الله عز وجل: «ليس لك من الأمر شيء»، يعني من ناحية فلاحهم وعدم فلاحهم، هذا ليس إليك. وجاء أيضا كذلك في الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الدم عن وجهه، وهو يقول عليه الصلاة والسلام -أو يذكر- نبيا من أنبياء الله عز وجل أدموه قومه، فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». أنا فيه تودد إلى الله عز وجل إلى مغفرة الله عز وجل لهم، «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، أي: لا تعاقبهم، وليس هنا المغفرة المراد بها المغفرة للمشرك، وإنما هي من باب العموم، أي: لا تعاقبهم على ذلك لأنهم لا يعلمون، وهذا من باب الرحمة بهم. قال: الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة، يعني: يقنت على هؤلاء كفار قريش، فدعا عليهم، على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وأيضا الحارث بن هشام، وهؤلاء من كانوا كفار قريش، ثم أسلموا جميعهم، أو هؤلاء الثلاثة أسلموا. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على رعل ودكوان، ودعا أيضا على معنى طغاة قريش: أبو جهل، وشيبة، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم. لكن لما دعا على هؤلاء نزلت: «ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون»، لكن تاب الله عز وجل عليهم فأسلموا، هؤلاء: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، كلهم أسلموا في الفتح، أي: بعد فتح مكة، فيعتبرون من مسلمة الفتح. قال رحمه الله: الرابع: أن المدعو عليهم كفار، الذين دعا عليهم هم كفار، ولهذا أخذ بعض العلماء من هذا أنه لا ينبغي أن يدعى على الكفار باللعن وطرد من رحمة الله وعدم فلاحهم، وإنما الأفضل أن يدعى لهم بالهداية، خاصة عند التعيين، خاصة عند التعيين لا يعين الكافر أو رجل كافر فيقول مثلا: «اللهم العن فلانا»، إلا من وصف أداؤه كثيرا، هذا للمسلمين، فلا بأس أنه يلعن من باب الزجر فقط لغيره، من باب الزجر لغيره. وبعض العلماء -وهم الجمهور- أجازوا ذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقوله جل وعلا: «ليس لك من الأمر شيء»، ليس المراد عندما لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد أنه -أي النبي صلى الله عليه وسلم- لا يملك هدايتهم ولا ضلالهم، لا يملك هدايتهم ولا ضلالهم، فلهذا فلعنهم أو غير لعنهم هذا لا يغير شيئا من أمر الله عز وجل في هؤلاء الكفار، لكن قد يكون هذا اللعن من باب الزجر. وأكثر أهل العلم يرون أن الأفضل هو اللعن العموم: «اللهم لعن الظالمين، اللهم لعن الكافرين، اللهم لعن كذا»، فلعن العموم أو معنى جهة عامة من الكفار: «اللهم عليك بأمريكا، عليك بكذا، عليك باليهود، عليك بالنصارى»، فهذا معنى سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بأس بذلك، وليس فيه إشكال، وإنما الإشكال في التعيين، الإشكال في التعيين لأنه قد يسلم هذا الرجل، يدخل الإسلام، فلهذا فالأفضل هو الدعاء بالهداية له. لهذا كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول: «يرحمكم الله»، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم»، فالدعاء للكافر بالهداية أفضل من لعنه. قال: الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها شجهم نبيهم، حرصهم على قتله، ومنها التمثيل بالقتلى، مع أنهم بنو عمهم، وهذا لشدة حنقهم وشدة أيضا الغل الذي في قلوبهم، ففعلوا ما لم يفعله الناس. وهؤلاء غالبهم أبناء عمهم -أي من الصحابة- رضي الله عنهم، فمثلوا بأبناء عمهم، مثلوا بحمزة، ويقال: أن الذي مثل به هي هند، وهذا لم يثبت بإسناد صحيح، وإنما الذي مثل به بعض كفار قريش، قيل: أنه جبير بن مطعم، وقيل غيره. والمهم أن هذه المثلة التي حصلت لم تكن تعرف عند العرب، ولهذا قال أبو سفيان للنبي عليه الصلاة والسلام: «وإنه صارت فيكم مثلة ما كنت أرضاها»، أو كما قال، معنى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: معنى هناك حصلت مثلة. والمثلة معناها: تقطيع بعض الجسد، أن تقطع أنفا، تقطع كذا، هذا يسمى مثلة. فقال: «أنه حصلت فيكم مثلة ما كنا نرضاها»، معنى ما أمرنا أحدا أن يفعل ذلك، لكن لبعض أو بعض الذين في قلوبهم الغل والحقد فعلوا مثل هذا. قال: السادسة: أنزل الله عليه في ذلك «ليس لك من الأمر شيء»، أنا في مثل هذه الأمور لأن الأمر بيد الله جل وعلا. ووجه الشاهد: ما دام أننا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نبي الله صلوات الله وسلامه عليه، ليس له من الأمر شيء، من باب نفعهم وضرهم وإسلامهم وكفرهم وهدايتهم وضلالهم، فمن باب أولى غيره. قال أيضا: السابع: قوله «أو يتوب عليهم أو يعذبهم فتاب عليهم فآمنوا»، أنا هؤلاء الثلاثة الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أسلموا في الفتح. قال: الثامنة: القنوت في النوازل، والقنوت في النوازل مشروع، ثبت ذلك من عدة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر، وأنس، وغيرهم من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت. وجاء عند البزار والطبراني وغيرهم بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم قنت»، فالقنوت يشرع إذا أراد الإنسان أو الإمام أن يقنت ويدعو على قوم أو يدعو لقوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا للمستضعفين من المؤمنين في مكة، دعا شهرا، ودعا على الكفار كفار قريش، ودعا أيضا على رعل والودكوان لما قتلوا القراء، فدعا عليهم عليه الصلاة والسلام شهرا. ولهذا قال العلماء: لا يزاد على الشهر، وبعضهم قال: يجوز بحسب النازلة، بحسب النازلة. ومثل القنوت في النوازل هذا النوازل، هذه معناها: الشيء الزائد على الواقع، الشيء الزائد أو الذي نزل بالمسلمين على غير ما كان واقعا فيهم. أما الشيء الواقع فهو يعتبر جزء من حياتهم، مثلا الآن عندنا مسألة اليهود مع الفلسطينيين، هذا الآن شيء واقع، احتلال، بعد فترة يعملون هجوما، بعد فترة يعملون هجوما، هذا صار شيء خلاص واقع، ما صار شيء جديد. قال: التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يجوز كما تقدم، أنه يدعى على الشخص بعينه أو يدعى عليه، يدعى له أو يدعى عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا لأشخاص بعينهم، ودعا على أشخاص بعينهم. أنا قال: «اللهم نجي الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين في مكة»، ودعا على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، ودعا أيضا كذلك على صناديد قريش: أبو جهل، وابنا شيبة، وعتبة ابنا ربيعة، وغيرهم. قال: العاشر: لعن المعين في القنوت، وهذا تقدم أن ذكرنا الخلاف فيه، والصحيح أنه جائز مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما أنكر الله عز وجل عليه الأمر، أنا أنكر عليه أن الأمر ليس له من باب هدايته وضلاله، وأما مسألة لعنهم فهذا جائز. قال: الحادي عشر: قصته صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه «وأنذر عشيرتك الأقربين»، أنه قام على جبل الصفا، وعم وخص عليه الصلاة والسلام. قال: الثانية عشر: جده صلى الله عليه وسلم في الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن، أنه يقوم في الناس ويقول لهم: «لو أني أخبرتكم بأن جيشا مصبحكم أكنتم مصدقي؟» قالوا: «ما جربنا عليك كذبا»، فقال: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، أن أخبرهم أنه نذير، وهذا غالبا لا يفعله إلا إذا كان ليس صادقا، غالبا لا يفعله إلا رجل كاذب أو رجل مجنون. فالنبي عليه الصلاة والسلام تحمل هذا الأمر حتى عارضه أقرب الناس إليه، عمه أبو لهب، أخزاه الله، فقال: «تبا لك أجمعتنا لهذا؟» فأنزل الله عز وجل: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ إلى آخر السورة. قال: الثالث عشر: قوله صلى الله عليه وسلم للأبعد والأقرب «لا أغني عنك من الله شيئا»، وهذا هو الشاهد، أنه لا دخل لأحد في تصرف في الأمور من ناحية الهداية والضلال، إدخال الجنة وإدخال النار، وغيرها من هذه الأشياء، ليس لأحد شيء إلا لله سبحانه وتعالى. فلا يدعي أحد أنه مثلا يستطيع أن يدخل أناسا الجنة أو يخرج أناسا من النار، كما ذكرنا أن أناسا من أهل التصوف يدعون ذلك. قال رحمه الله: حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا»، قال: «في رواحل من مال ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا»، أنا ما أستطيع أن أعطيك مالا أنفق عليك، أما أني أغني عنك من الله شيئا لا أستطيع. وهذا قال بعض العلماء: أنه قبل أن يخبر الله عز وجل لنبيه بالشفاعة، فبعضهم قال: العمر مثبت، لأن الشفاعة تكون بإذن الله، تكون بإذن الله عز وجل، وليس أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لمن أراد، وإنما الشفاعة تدخل أيضا في إذن الله وتصرفه. لكن أعلم الله عز وجل نبيه مصيره، ولهذا لما جاء في الحديث: لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لا أعلم وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل بي ولا بكم»، «والله لا أعلم وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم»، فهذا منسوخ، لأن الله عز وجل أعلم نبيه بمصيره، كما قال جل وعلا في بداية سورة الفتح: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾، فأعلم الله عز وجل أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد وغربة الدين. وخواص الناس يريد الفقهاء، معنا بعض الفقهاء، كان أيضا يرى أن الأولياء يتصرفون، وأن الأقطاب يتصرفون في الكون، يعني يريد أن يلفت الشيخ النظر في هذا الباب، انظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد العالمين صلوات الله وسلام عليه، لا يغني حتى عن ابنته، لا يغني شيئا حتى عن ابنته، فكيف هؤلاء يدعون أنهم يستطيعون يدخلون الناس الجنة، ويستطيعون يخرجون الناس من النار، ويستطيعون أن يفعلوا كذا وكذا مما لا يفعله إلا الله؟ فهذا التجرع على الله عز وجل بل العظيم، أنك تجد فقهاء يؤمنون مثل هذه الأشياء، وسبحان الله تجد معنى هذا الاعتقاد، تجد رجلا بحرا في العلم وفي الاطلاع، لكن تجد أنه يعتقد أشياء قد تخرجه من الإسلام، مثل من يعتقد في محي الدين ابن عربي. أنا الآن عندك صاحب «فتح القدير» أو «فيض القدير» عبد الرؤوف المناوي، رجل عالم كبير، وعنده اطلاع كثير في المعاني وفي الحديث وكذا، لكن سبحان الله تجد إذا جاء إلى محي الدين ابن عربي، ذكر كلامه، يذكر ينقل كلامه على أنه مسلم، له مسلم، هذا أيضا «الفيروزآبادي»، وكثير من هؤلاء الفقهاء، تجد أنهم يؤمنون بأن ابن عربي عنده ولاية، وأنه عنده حالات يخرج فيها عن الشريعة، وهذا كفر، وهذا كفر، العياذ بالله. لكن هؤلاء قد يعذرون لأنهم على الإسلام، وخلط عليهم الأمر، وخلط عليهم الأمر، ممكن أن يعذروا، ولا يقال أنهم كفار، لأنهم غالبا ما هم عليه نشر الإسلام وكذا، لكن من بينت له الحجة وأصر على ذلك، فهذا قد يحكم عليه بالكفر، والعياذ بالله.