الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 2

الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أوقات وشروط استجابة الدعاء

ذكر الشيخ عبد الرزاق البدر شروط استجابة الدعاء مستندا إلى كلام الإمام ابن القيم في كتابه «الجواب الكافي». تشمل هذه الشروط حضور القلب والدعاء في أوقات معينة مثل الثلث الأخير من الليل وبين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبات وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر.

تفاصيل شروط إجابة الدعاء

يذكر أهم الشروط لاستجابة الدعاء، منها حضور القلب وعدم الغفلة، واليقين بإجابة الله للدعاء، والتوسل بأسماء الله وصفاته، والبدء بالحمد والصلاة على النبي، والإلحاح في الدعاء مع الأدب مع الله. يشدد على أهمية هذه الشروط لتحقيق الاستجابة.

أهمية حضور القلب في الدعاء وتأثيره

يؤكد الشيخ على أهمية حضور القلب أثناء الدعاء، حيث أن غفلة القلب وعدم التركيز في الدعاء من أسباب عدم استجابته. يحذر من الانشغال بالهواتف وغيرها أثناء الدعاء، ويشير إلى ضرورة إغلاق المشتتات والإقبال على الله لتحقيق استجابة الدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «الدعاء الذي لا يرد»، في ذكر المقدمة: قال وقد جمع العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله خلاصة بديعة حوت خيرا عظيما، بين فيها رحمه الله أهم ما ينبغي أن يعتني به الداعون في دعائهم الله تعالى، ثم ختم كلامه بعد سرده لهذه الضوابط في الدعاء بقوله: «فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا». وكلام الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الجواب الكافي»، وقوله: «فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا»، يعني إذا تضمن هذه الضوابط وتوفرت فيه هذه الشروط، فإن مثل ذلك -أي مثل هذا الدعاء- لا يكاد أن يرد؛ لأنه توفرت فيه أسباب الاستجابة. قال: فكان من النصح والخير نشر كلامه مع التعليق عليه بما يوضح مقاصده ويجلي فوائده. وسأسرد في البداية كلامه تاما. إذن هذه الرسالة هي عبارة عن تعليق على كلام الإمام ابن القيم رحمه الله في ذكره لجوامع الدعاء أو أسباب استجابة الدعاء إذا توفرت فيه هذه الشروط والضوابط. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب» -يعني إذا دعا على هذا الحال قلبه حاضر، وكذلك متمعن لما يقول ولما يسأل- فيجتمع حضور القلب مع نطق اللسان. قال: «وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة»، وهي: الثلث الأخير من الليل -يعني أن تقسم الليل ثلاثة أثلاث من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فالثلث الأخير هو من أوقات إجابة الدعاء- وسيأتي ذكر الأدلة الدالة على ذلك. هو الآن سيسرد هذه الضوابط على جهة الإجمال، ثم سيفصلها مع التعليق. قال: «وعند الأذان» -يعني عند الفراغ من الأذان مباشرة، بعد أن تردد مع المؤذن ألفاظ الأذان، فإذا فرغ وأتيت بالذكر، فإنك تدعو في هذا الوقت، فهو من أوقات إجابة الدعاء-. قال: «وبين الأذان والإقامة» -يعني بعد الفراغ من الأذان إلى إقامة الصلاة، فما بين هذين الوقتين هو وقت لإجابة الدعاء-. قال: «وأدبار الصلوات المكتوبات» -يعني في أواخر الصلاة قبل السلام-. قال: «وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة من ذلك اليوم». نعم، وهذا على قول من قال من أهل العلم: إن ساعة الإجابة في يوم الجمعة هي في هذا الوقت من وقت صعود الإمام على المنبر إلى أن تنتهي صلاة الجمعة، وآخر ساعة بعد العصر -أي يوم الجمعة- كذلك. قال: «وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب وذلته وتضرعا ورقة» -يعني كذلك تضمن الدعاء هذه الأوصاف، أن يكون الداعي عنده خشوع في قلبه يدعو مع خشوع القلب وحضوره وتدبره، وانكسار الداعي بين يدي ربه سبحانه وتعالى، فيكون ذليلا خاضعا منكسرا متذللا متقربا إلى ربه جل وعلا، يرجو من ربه أن يستجيب له وأن يقبل دعاءه-. قال: «واستقبل الداعي القبلة» -أي عند أثناء الدعاء يتوجه إلى جهة القبلة-. قال: «وكان على طهارة» -أي طهارة كاملة من الحدث الأكبر ومن الحدث الأصغر-. قال: «ورفع يديه إلى الله» -يعني مع دعائه رفع يديه إلى الله سبحانه وتعالى-. قال: «وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار» -يعني في أثناء دعائه يطلب من الله جل وعلا أن يغفر له وأن يرحمه وأن يتوب عليه وأن لا يؤاخذه بذنوبه وبتقصيره-. قال: «ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه» -يعني تلطف في دعائه وتأدب مع ربه سبحانه وتعالى، وألح في المسألة -يعني يكرر السؤال ويلح على الله أن يستجيب له مع أدب، وكذلك تعظيم لله سبحانه وتعالى-. قال: «ودعاه رغبة ورهبة» -يدعو الله عز وجل وهو يرغب في ثواب الله جل وعلا وفي الفوز بنعيم الله، وهكذا أيضا هو على رهبة وخوف من عقاب الله سبحانه وتعالى-. قال: «وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده» -فيتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، فيقول: يا رحيم ارحمني، يا غفور اغفر لي، ونحو ذلك من دعاء المسألة والتوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه، فإن ذلك من أسباب إجابة الدعاء-. قال: «وقدم بين يدي دعائه صدقة» -يعني يتصدق، فإن الصدقة أجرها عظيم، وهي تذهب غضب الرب، وإذا ذهب غضب الرب كان ذلك من أسباب إجابة الدعاء-. قال: «فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، ولسيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة أو أنها متضمنة للإسم الأعظم» -يعني إذا صادف أن اختار من الأدعية ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أكمل وأفضل، وهكذا الأدعية المتضمنة للإسم الأعظم -أي مثل حي القيوم ونحو ذلك- فهذا أيضا مما يجعل هذا الدعاء موضعا أو يغلب على الظن إجابة دعاء هذا الداعي-. قال رحمه الله: «الأمر الأول: حضور القلب واجتماعه على المطلوب». قال: «فالأمر الأول أن يدعو المسلم بقلب حاضر». وحضور القلب هو إقباله على الله عز وجل، فلا يكون دعاؤه مجرد حركات لللسان وقلبه غافل -يعني يدعو بلسانه: اللهم أوفر لي، اللهم ارحمني، اللهم سلك الجنة إلى آخره، وقلبه منشغل بأمور الدنيا غير حاضر مع دعاءه، هذا لا ينتفع في الغالب الداعي إذا كان على هذا الحال-. قال: «بل يحرك لسانه بالدعاء مع حضور القلب» -يدعو بلسانه ويستشعر ما يدعو به في قلبه، يكون قلبه حاضرا متدبرا متمعنا لما يتلفظ به ولما يسأل به ربه سبحانه وتعالى، فيجتمع نطق اللسان وهكذا حضور القلب والجنان، فيكون بذلك سببا لاستجابة الرحمن سبحانه وتعالى-. قالوا لهذا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه». أخرجه الترمذي وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» هذا أيضا سبب من أسباب إجابة الدعاء، أن تدعو الله عز وجل وأنت موقن بالإجابة -يعني عندك يقين أن الله جل وعلا سيستجيب لك-. وهذا من حسن ظن العبد بربه أن يدعو وهو يوقن أنه سيستجيب له ما يدعو، وأنت في نفسك تقول: الله هل يستجيب الله لي أو لا؟ أنت في شك وفي ريب وفي تردد: هل سيستجيب الله عز وجل لك أم لا؟ لا، لا تكون كذلك، بل أدع وأيقن بالإجابة، أيقن بالإجابة؛ لأنك تعلم أن الله عز وجل يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. الله عز وجل أمرك أن تدعوه ووعدك بالإجابة، إذن أدع وأنت موقن أن الله جل وعلا سيستجيب لك. قال: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» -الذي يدعو بلسانه وقلبه غير حاضر غافل في أمور الدنيا وفي أعمالها، هذا لا يستجيب الله له، إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل له-. وهذا دليل صريح؛ لأن حضور القلب من أسباب إجابة الدعاء، كما أن غفلة القلب وبعده عن استشعار ما يدعو به الداعي هذا من أسباب عدم استجابة الدعاء. قالوا: من علامات عدم حضور القلب في الدعاء كثرة الانشغال والحركة وقت الدعاء، فتجد لسانه يتحرك بالدعاء ويده تعبث بالأرض أو بالثوب أو غير ذلك -يعني يدعو وهو منشغل، يحرك يده، يعبث ربما بثوبه، بعمامته، بقلمه، بجواله-. قال: «أو تجده يلتفت ببصره يمينا وشمالا ووقت دعائه». وهذا كله لأن القلب لم يجتمع وقت الدعاء لله سبحانه وتعالى. لذلك لما رأى عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجلا يدعو يدعو الله وبيده حصا يلعب بها، قال له: «ألا ألقيت الحصى وأخلصت إلى الله الدعاء؟». أخرج أبو نعيم في «حلية الأولياء»: أن عمر بن عبد العزيز رأى رجلا يدعو الله وهو يلعب بالحصى، يلعب بالحصى، قال له: «ألا ألقيت الحصى وأخلصت إلى الله الدعاء؟»؛ لأن هذا الحال ينافي ما ينبغي أن يكون عليه العبد في حال دعائه لربه إذا أراد أن يستجيب الله سبحانه وتعالى له، فلا ينبغي أن يغفل وأن يلهو بشيء غير الإقبال على الله. فقال: «ألا ألقيت الحصى وأخلصت إلى الله الدعاء؟» -يعني لا تنشغل بشيء غير الدعاء-. قال: وقد استجد في زماننا هذا حصى من لون آخر في أيدي الناس في الغالب أوقاتهم، شغلت القلوب أكثر من الأيدي، بركام كبير من اللهو واللعب، فلم تعد تحسن الدعاء والتضرع والسؤال. ولهؤلاء يجدر أن يقال: «ألا أغلقت الجوال وأخلصت لله السؤال؟» -يعني لا تعبث، لا يشغلك الجوال عن دعاء الله سبحانه وتعالى، تدعو الله وأنت تقلب الجوال وتتصفح في الجوال، هذا لا، لا ينبغي ولا يجتمع-. يعني حضور القلب وأخذ أسباب إجابة الدعاء وأنت على هذا العبث وهذا اللعب واللهو، فإذا أردت أن تدعو الله عز وجل أغلق الجوال وأقبل على الله سبحانه وتعالى بالدعاء والسؤال. قال: فأول الأمور لمن أراد أن يستجيب الله عز وجل دعاءه أن يقبل بقلبه على الله سبحانه وتعالى وقت الدعاء، وأن يجاهد نفسه على جمع قلبه وفكره على مطلوبه وحاجته، وأن لا يشغله بغير ما يدعو به ربه عز وجل. فإن القلب يتشتت إذا أهمل -يعني إذا شغل بأشياء كثيرة فالقلب تشتت-، إذا كنت تكلم وتنظر وتعبث بيدك فيتصير القلب مشتتا بين هذه الأعمال، وحينئذ لا يكون العبد مستجمعا لما يقول ويدعو به ربه. أما إذا كان ساكنا مقبلا على ربه، رافعا يديه إلى الله، وحاضر القلب عند الدعاء، فهذا مما به إن شاء الله يحصل استجابة الدعاء. قال: فلابد من المجاهدة على جمعه وإحضاره وقت الدعاء. هذا أول هذه الأمور التي ينبغي أن يعتني بها المسلم عند دعائه إذا أراد من الله جل وعلا أن يستجيب له: أن يكون حاضر القلب مجتمعا على مطلوبه ودعائه، غير منشغل بشيء غير منشغل بشيء إلا الدعاء. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.