الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 1

الدرس في الدعاء الذي لا يرد للشيخ عبدالرزاق العباد 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الدعاء ودلالاته من القرآن

الدعاء هو العبادة ويتضمن دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقد أمر الله عز وجل بذلك ووعد بالإجابة. الدعاء يدل على افتقار العبد لربه.

فضل الدعاء وأهميته في حياة المسلم

الله عز وجل يحب من عباده أن يسألوه ويغضب إذا لم يسألوه، والدعاء يدل على اعتراف العبد بحاجته وفقره لله. الله غني عن عباده ولا ينقص من ملكه شيء.

ضوابط وموانع استجابة الدعاء

الدعاء له شروط شرعية وموانع يجب مراعاتها لضمان الاستجابة، ووجود الشروط وانتفاء الموانع يزيد من فرص استجابة الدعاء. هناك ضوابط ينبغي للداعي الالتزام بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدئ بإذن الله القراءة والتعليق على رسالة الدعاء الذي لا يرد، لشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، حفظه الله، قال وفقه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله عز وجل أمر عباده بالدعاء، ووعدهم بالإجابة، في آي كثيرة من كتابه عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. ففي هذه الآية أمر الله جل وعلا عباده بدعائه، ووعدهم جل وعلا بالاستجابة، «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم». وأستجب واقع في جواب شرط محذوف، والتقدير: ادعوني فإن تدعوني أستجب لكم. فأمرنا الله عز وجل بدعائه، ووعدنا جل وعلا بالإجابة، ثم حذر جل وعلا ممن يستكبر عن عبادته ودعائه، «إن الذين يستكبرون عن عبادتي» أي عن دعائي، فسمى الله عز وجل الدعاء عبادة، مما يدل على عظم أمر الدعاء. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث «عبادة بن الصامت» في «السنن»: «الدعاء هو العبادة». يعني أن من أعظم أمور العبادات الدعاء، بل يكاد أن تنحصر العبادة في الدعاء. فالعبادة لا تخلو من دعاء، إما دعاء مسألة، وإما دعاء عبادة. دعاء المسألة أن تدعو الله عز وجل بالمغفرة والرحمة والفوز بالجنة والنجاة من النار. ودعاء العبادة: وهو ما يتضمنه العبادة من لسان الحال، أنك تريد مغفرة الله ورحمة الله والفوز بجنته والنجاة من عذابه. فأنت لما تصلي وتصوم وتتصدق وتقرأ القرآن وتفعل غير ذلك من أنواع العبادات والطاعات، ماذا تريد بذلك؟ تريد مغفرة الله، وتريد رحمة الله، وتريد الفوز بنعيم الله والنجاة من عذاب الله. وهذا هو معنى دعاء العبادة. قال: «سيدخلون جهنم داخرين» يعني صاغرين حقيرين ذليلين. وقال عز وجل: ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾. الله عز وجل يسمع دعاء من دعاه، إن الله عز وجل يسمع دعاء من دعاه، لا تختلط عليه سبحانه وتعالى اللهجات، ولا كذلك أيضا تختلط عليه الأصوات. فعز وجل يسمع دعاء من دعاه من عباده، وإن اختلفت لهجاتهم واختلفت كذلك لغاتهم واختلفت أصواتهم، فالله عز وجل يسمع دعاء الجميع. وقال عز وجل: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. ففي هذه الآية أخبر الله عز وجل بقربه من عباده، قرب إحاطة وإطلاع وعلم، «فإني قريب»، أن يعلم أحوال عباده ومطلع عليهم، فهو جل وعلا قريب في علوه، فهو المستوي على عرشه البائن من خلقه، كما قال عز وجل: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وهو قريب من عباده باطلاعه وإحاطته وعلمه. فالله عز وجل قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، «أجيب دعوة الداعي إذا دعان»، أيضا في هذه الآية يعد الله عز وجل بإجابة الدعاء لمن دعاه سبحانه، «فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون»، إذا أرادوا أن يحصل لهم الرشد والصلاح والكمال، فعليهم بالإيمان والاستجابة لله جل وعلا. وقال عز وجل: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾. فأمر الله عز وجل بدعائه تضرعا وخفية، تضرع أن يدعو العبد ربه منكسرا متذللا خاضعا ذليلا بين يدي ربه سبحانه وتعالى، وأن يكون الدعاء خفية، لا يكون جهرا، فإن هذا أدعى إلى الإخلاص والصدق. فالله عز وجل لا يحب المعتدين، المعتدين في الدعاء، كأن يدعو بشيء مستحيل، أو يدعو بشيء خالف شرع الله عز وجل، فإن هذا يعتبر من الاعتداء في الدعاء. ثم قال عز وجل: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، «وادعوه خوفا وطمعا» أي ينبغي أن يقترن الدعاء بالخوف من الله، خوفا من عذاب الله ومن عقاب الله، وطمعا في رحمة الله وفي نعيم الله سبحانه وتعالى. وهكذا تكمل العبادة إذا كان العبد سائرا إلى ربه جل وعلا بين الخوف والرجاء. والله عز وجل مدح أنبياءه ورسله بقول: «إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين»، «يدعوننا رغبا» أي رغبة في الثواب والأجر والنعيم، «ورهبا» خوفا من عذاب الله ومن عقابه. فأثنى الله سبحانه وتعالى عليهم بهذا السير الذي ساروا فيه إلى ربهم سبحانه وتعالى. قال: والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد رغب الله عز وجل عباده بالدعاء وحثهم عليه، مع غناه عنهم. ومن دعائهم الله عز وجل غني عن عباده، لا يحتاج لا يحتاج إلى عبادة العابدين وصلاة المصلين وصيام الصائمين ودعاء الداعين. قال عز وجل: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. وإنما الذي يحتاج إلى ذلك هو العبد، العبد هو الفقير إلى ربه سبحانه وتعالى، وهو المحتاج الذي لا يستغني عن ربه جل وعلا. قال كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني». يعني مهما عمل العبد من ذنوب ومعاصي، فإن ذلك لا يضر الله عز وجل شيئا، وإنما العبد يضر نفسه بذلك. وإذا فعل العبد ما فعل من الطاعات والعبادات، فإن ذلك لا ينفع الله عز وجل، وإنما العبد ينفع نفسه بذلك. قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا». يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا. وهذا فيه تأكيد لهذا المعنى، أن فجور الفاجر ومعصية العاصي لا تضر الله عز وجل جل وعلا شيئا، ولا تنقص من ملكه جل وعلا شيئا، وأن عبادة العابد وطاعة الطائع لا تزيد في ملك الله جل وعلا شيئا. فالعبد هو الذي يضر نفسه بفعل المعصية، وهو الذي ينفع نفسه بفعل الطاعة. قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر». الحديث رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه. وهذا من كمال غناه سبحانه وتعالى، أن العباد جميعا أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم لو قاموا في صعيد واحد، فسألوا الله عز وجل، فأعطى جل وعلا كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عنده جل وعلا شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر. إذا وضعت مخيطا -عود الإبرة المخيط التي يخاط بها- إذا وضعت في البحر وأخرجتها، ماذا تأخذ من البحر؟ لا تأخذ شيئا. وهكذا سعة غناه سبحانه وتعالى، مهما أعطى العباد، مهما أعطى العباد من خزائنه ومن غناه جل وعلا، فإنه لا ينقص مما عند الله جل وعلا شيئا. قال: وهو عز وجل مع ذلك يحب من عباده أن يسألوه، بل كلما عظمت عناية العبد بالدعاء، عظم حظه ونصيبه من محبة الله عز وجل له. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء». والحديث رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء. ومعنى هذا أن الله عز وجل يحب الدعاء، ويحب من عبده أن يدعوه، لأن في ذلك بيان افتقار العبد لربه وحاجته إلى خالقه ومولاه، وعدم غناه عن الله سبحانه وتعالى، واعترافه بحاجته وفقره وضعفه وعجزه، فلهذا هو يلجأ إلى ربه جل وعلا ويدعوه ويطلب منه قضاء حاجاته. وقال صلى الله عليه وسلم: «إنه من لم يسأل الله يغضب عليه». والحديث كذلك رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. إنه من لم يسأل الله يغضب عليه. الله عز وجل يغضب إذا تركت سؤاله ولم تسأله ولم تلجأ إليه، لأن هذا فيه معنى من معاني الاستكبار، أنك تتكبر أن تسأل الله وأن تدعوه وأن تتضرع إليه. ولهذا الله عز وجل قال كما مر معنا في قوله: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ أي عن دعائي «سيدخلون جهنم داخرين». الله يغضب إن تركت سؤاله. وبني آدم حين يسأل يغضب. الله عز وجل يغضب، وقبل هذا البيت قال القائل: لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تغلق. الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضبه. إذا سألت إنسانا حاجة ربما يغضب ولا يحب أحد أن يسأله، لأن الإنسان شحيح بخيل حريص على ما في يده. والله عز وجل هو الغني سبحانه وتعالى، يحب من عباده أن يدعوه وأن يتضرعوا إليه، فهو يغضب عز وجل إذا ترك العبد دعاءه. قال: فرب العالمين عز وجل يحب السائلين، ووعدهم بأن يجيب دعاءهم وأن يحقق رجاءهم وأن يعطيهم سؤلهم. وإذا توفر في دعائهم الشروط الشرعية وانتفت الموانع، فقد دلت نصوص عديدة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعاء المستجاب له ضوابط ينبغي للداعي أن يحرص عليها عند دعائه، وكذلك هناك موانع عليه أن يحذر منها لئلا يرد دعاؤه. يعني إذا اجتمع في الدعاء وجود الشروط وانتفاء الموانع، فإن ذلك من أدعى ما يتحقق به للعبد استجابة الدعاء. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.