أخلاق العلماء للإمام الآجري 4

أخلاق العلماء للإمام الآجري 4

الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلماء وكلامهم في إزالة الظلمات

يشرح الشيخ أبياتًا مروية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه موضحًا فضل العلماء وكلامهم. يستشهد بآثار عن ابن مسعود رضي الله عنه في فضل العلم وتعلمه.

فضل طلب العلم وأثره الإيجابي

يُبين فضل طلب العلم وأثره على صاحبه، حيث تحفه الملائكة وتستغفر له جميع المخلوقات. طلب العلم يعتبر جهادًا في سبيل الله.

تحذير من العجب والرياء والإخلاص في العمل

ينصح الشيخ بالابتعاد عن العجب والرياء في الأعمال الصالحة ويوضح أهمية الإخلاص. ينبغي إخفاء الأعمال الصالحة لتنفعه في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. الصلاة عليهم وعبد الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال إمام الأجري رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكل، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كلام الحكيم حياة القلوب، فعَلِّموا السماء غيثًا للأمم، فنطق الحكيم جلاء الظلم، وصمت الحكيم دعاء الحكم، حياة الحكيم جلاء القلوب، كضوء النهار يجل الظلم. والشاهد منه أن هذه الأبيات المروية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورضاه، فيها فضل العلماء. فالحكيم هو الراسخ في العلم، فكلام العلماء الراسخين حياة للقلوب، كما أن المطر النازل كالغيث غيثًا للأمم يغاثون، فكذلك كلام العلماء الراسخين تحيا به القلوب كما تحيا الأرض بالمطر. فنطق الحكيم جلاء الظلام، يعني إذا نطق ينكشف الظلام، يكون الناس في ظلمة لا يتضح لهم الطريق، وما أكثر الظلمات المعنوية، سواء بسبب الشهوات أو الشبهات، فإذا نطق العالم الراسخ انكشفت الظلمة واتضح للناس الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه. وصمت الحكيم دعاء الحكم، معناه: حتى إذا صمت فصمته حكمة، يدعو كل من يتتبع خلقه أن يصمت، فليس كل حادثة لا بد أن يكون للناس فيها رأي، بل من الحوادث ما حكمته فيه السكوت والصمت، وأن لا يكون لك فيها رأي ولا كلام ولا صوت، وهذا يُعرف بصمت العالم الراسخ. وقوله: حياة الحكيم جلاء القلوب، معناه: ما دام الحكماء العلماء الراسخون أحياء، فبإذن الله القلوب لا تزال تجلي، مثل المعدن الذي لا يستمر بتجليته يصدأ ويجمع الران عليه، حتى ولو كان التجلية شيء يسير، تمشي أحيانًا على بعض مقابض الأبواب تجد عليها أثر لمس الناس يلمع بسبب هذا اللمس اليسير، بتكراره يبقى لامعًا، وبإهماله يأتي الصدأ والران عليه. وهكذا حياء العلماء الراسخين الحكماء جلاء القلوب، يجلي هذه القلوب، ألا يجتمع عليها الران؟ موعظة تلو موعظة، نصيحة تلو نصيحة، تذكير تلو تذكير، تبقى القلوب حيًا جلية، لا يتراكم عليها الران. وبموت العلماء تموت المواعظ والنصائح، فعند ذلك يجتمع الران على القلوب، كضوء النهار ينجلي ظلامًا، ضوء النهار إذا قدم الظلام تنجلي وتذهب، ما كأنه كان ليلًا، بينما كان ليلًا قبل هذا النهار. وهكذا كذلك إذا مات العالم، بل إذا مات العلماء، فإن الظلمة تعم، ولا يزال الناس في حيرة، كضوء النهار إذا ذهب تنسى أنه كان نهارًا، بشدة الظلمة التي تراها. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين -وهو الأجري نفسه- رحمه الله: وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة. قال: لأنه معالم الحلال والحرام، والأنيس بالوحشة، والصاحب بالخلوة، والدليل على السراء والضراء، والزين عند الأخلاء، والقرب عند الغرباء. قال: يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخلق قادة يقتدى بهم، وأئمة في الخلق ينتقل آثارهم وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في حبهم، بجناحها تمسحهم، حتى كل رب ويابس لهم مستغفر، حتى حيتان البحر وهوامه. ومعنى كل شيء استغفر له وسبح له، لأن العلم حياة القلوب، لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأحرار، ومجالسة الملوك، والدرجات العلا بالدنيا والآخرة. والفكر به يُعجل بالفقه، والمعنى التفكر في مسائل العلم والبحث فيه ومدارسته، بالقيام به يطاع الله عز وجل، ويعبد الله عز وجل. وأكثر هذه الجمل وردت بها نصوص مرفوعة صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، بعضها مر، وبعضها سيأتي إن شاء الله. قال: وبه توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال من الحرام، إمام العمل والعمل تابعه، معناه: بغير العلم ما تستطيع أن تأتي بالعمل، فهو إمامه الذي العمل يقتدي به ويتبعه. قال أخبرنا أبو بكر -وهو نفسه الآجري- رحمه الله، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا المصري، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبد السلام بن سليمان، عن يزيد بن سمرة، عن كثير بن قيس، وبه يرفع هذا السند عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليستغفر للعالم كل شيء، حتى الحيتان في جوف البحر. وبهذا الإسناد ضعيف لضعف كثير بن قيس، لكن له شواهد ومتابعات كثيرة، مر بعضها وسيأتي البعض الآخر، ولهذا صحح الشيخ الألباني رحمه الله أي بمجموع طرقه يرتقي للحسن. قال: أخبرنا أبو بكر -وهو الأجري نفسه- قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن موسى بن زنجويه القطان، قال: حدثنا إسماعيل بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا أبو حفص بن عمر، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما سلك عبد طريقًا يلتمس به علمًا إلا سهل الله له طريقًا إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر. وبهذا الإسناد به ضعف لجهالة حفص بن عمر، كما كان بالتعليق عثمان بن عطاء، ولكن الحديث له شواهد ومتابعات، ولهذا حسنه الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. قال: أخبرنا أبو بكر -وهو الأجري نفسه- قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا شيبان بن حروف، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، قال: حدثنا أبو علي بن الحكم، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، قال: حدثنا أبو صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني جئت أطلب العلم، فقال: مرحبًا يا طالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة، وتضعه بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا، من حبهم لما يطلب. والحديث حسنه الشيخ الألباني كما جاء في التعليق، ومعنى الصحيح تدل عليه أدلة كثيرة، مضى بعضها وسيأتي البعض الآخر. قال: أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو بكر القاسم بن زكريا المطرز، قال: حدثنا أبو بشر محمد بن الصباح الجرجاني، قال: حدثنا أبو بشر جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة. وهذا الحديث أصله بصحيح مسلم، أصله بصحيح مسلم، وبهذا الإسناد هو كذلك صحيح. قال: أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عباس الواسطي، قال: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثنا جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. وبهذا الإسناد فيه ضعف لضعف جعفر الرازي عيسى بن أبي عيسى، وكذلك لأجل عبد الله بن العباس الواسطي، ولكن الحديث له طرق، وهذا حسنه الشيخ الألباني رحمه الله بطرقه، وإلا فأصل السند ضعيف. وطلب العلم في سبيل الله كما جاء عن معاوية بن خريج، فهو يبلغ ويصل إلى ما لا يصل إليه غيره، فيجمع حظ الصائم القائم والمجاهد في سبيل الله، لأنه كذلك في جهاد في سبيل الله. فالجهاد جهادان: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبرهان، والثاني أعظم من الأول، ولهذا بقيت هذه الأمة إلى قيام الساعة بالثاني، ليس بالأول. وهذا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولمن خالفهم، حتى يأتي أمر الله، على ذلك بماذا؟ هذا الظهور يظهر الفرقة الناجية والطائفة المنصورة بماذا؟ بالحجة والبرهان. فلم يزل ولا يزال ظهور الفرقة الناجية والطائفة المنصورة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهدنا هذا، هي الظاهرة، وإن كان في بعض الأزمنة كانوا ظهور أهل القتال بالسيف والسنان، فكان لهم الغلبة. قال: أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن علقمة بن أبي مسلم، عن أبان بن عثمان، عن أبيه عثمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يشفع يوم القيامة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء. وهذا الحديث لهذا الإسناد ضعيف بضعف علقمة بن أبي مسلم، بل هو ضعيف جدًا لأنه متروك الحديث، وابن أبي مسلم كذلك ضعيف، فلا يصح. ومعنى صحيح قد ثبت في أحاديث أخرى إن شاء الله، أي شفاعة العلماء أن العلماء يشفعون بعد الأنبياء والشهداء، فالعلماء أتباع الأنبياء، ولهذا كان كما قال غير واحد من أهل العلم: قدموا في غير موضع على الشهداء. قال السائل: عندنا مصلى للجنائز بجانب المقبرة، تم تسويره ثم سقف، ثم يتم الآن تبليطه، وهل يشرع هذا الفعل؟ الأولى أن لا يبلط ولا حاجة لذلك، حتى لا يكون إسراف ولا تبذير، ولا كذلك أخذ لمكان قد يحتاج إليه أهل المقبرة. لكن لو سقف لأجل أن يجمع الضرر عن المصلين يحتاج الصلاة في الظهر أو غيره من أوقات الحرب، فلا بأس بذلك. وطبعًا يكون المصلى بعيدًا عن المقبرة، ليس ملتصقًا بها، فموضع الصلاة بين القبور لا يجوز، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبر وبين القبور، وكذلك حتى على الجنازة على الجنازة في المقبرة. وأما بجانب المقبرة مصلى فهذا جائز، قد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، وكذلك هو قول عامة أهل العلم. قال السائل: يقول إذا كان المصلي أعمى وخرجت منه ريح، فماذا يعمل والناس يصلون؟ هل يجوز أن يأخذ بيد أحد يبقى إذا كان الأمر كذلك يبقى حتى يخرجون من الصلاة ثم يعيد الصلاة؟ وإن كان يستطيع يخرج وحده إلى الخلف خرج، ثم سيجد إن شاء الله من يعينه للوصول إلى مكان الوضوء، ويتوضأ وينتبه أن لا يكون مبتلى بالوسواس، وهذا كثير وللأسف، فلا يفتح على مفسدة، يوسوس في قلبه ويقلل في قلبه هذه الأوهام. قال: ما هي النصيحة لمن دخل بقلبه العجب والرياء بنفسه؟ ينبغي للإنسان أن يجتنب العجب والرياء، وفي نفس الوقت لا يحرم نفسه من العمل الصالح بحجة العجب والرياء، فلا إفراط ولا تفريط. والشيطان حريص أن يحرمك من الخير، ربما أنت تراجع القرآن فيقول لك: أنت مرائي، يريدك ماذا؟ تسكت، لا تقرأ القرآن. ربما أنت صائم فيقول لك: أنت مرائي، يريدك ماذا؟ تفطر، ولا تصم. وهكذا كلما فعلت طاعة أدخل في قلبك ما يصرفك عن هذه الطاعة بأنواع الأوهام والوساوس، وكما سماه الله: وسواس خناس. فلا تضع هذا الخناس أن يوسوس في قلبك ويقلل في قلبك هذه الأوهام. كما أنه لا يعني ذلك أنك تتساهل إذا حصل منك شيء، لا تجاهد نفسك، فالرياء أن تظهر العمل لأجل أن يراك الناس. أما إذا رأك الناس وأنت تعمل العمل، فهذا شيء آخر، هذا شيء آخر. فلا تظهر الأعمال لتجلب تنائي الناس، وفرق بين الأمرين. وأعظم من هذا أن تحدث بهذا العمل، فلا تحدث به، اجعل أعمالك خفية بينك وبين الله سبحانه وتعالى، خبيئة تنفعك في الدنيا والآخرة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله.