التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 10

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف المرسل وبيان ضعفه

المرسل هو ما سقط من آخر إسناده بعد التابعي، ويعد من قسم الضعيف بسبب الجهل بحال المحذوف. يحتمل أن يكون المحذوف صحابيًا أو تابعيًا، وقد يكون التابعي ضعيفًا أو ثقة.

شروط قبول المرسل وأنواع السقط في الإسناد

يُقبل المرسل إذا اعتضد بطريق أخرى عند الشافعية، أو إذا كان الراوي يرسل عن الثقات فقط عند المالكية والحنفية. كما توجد أنواع أخرى من السقط في الإسناد مثل المعضل والمنقطع والمعلق.

التدليس وأثره على الرواية وتدليس سفيان بن عيينة

التدليس هو رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمع منه، ولا يقبل حديث المدلس إلا إذا صرح بالتحديث. سفيان بن عيينة من المدلسين، لكنه يستند إلى رواية الثقات مثل عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «نزهة النظر في شرح نخبة الفكر»: قال، والثاني: وهو ما سقط من آخره من بعد التابع، هو المرسل. ما سقط من آخره من بعد التابع، فالمرسل يعني ما أضافه التابع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما سقط من إسناده من بعد التابع، إذا كان التابع يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يسمى مرسلًا. وهنا لا يدرى هذا التابعي: روى الحديث عن من؟ يحتمل أن يكون عن صحابي، وإذا كان كذلك هو متصل، لكن يحتمل أن يكون عن تابعي آخر، وهذا التابعي يحتمل أن يرويه عن تابعي آخر، وقد يكون ثقة، وقد يكون ضعيفًا، فلأجل هذه الاحتمالات عُدّ المرسل من قسم الضعيف، كما سيأتي. قال: وصورته أن يقول التابعي، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا -التابع الكبير الذي جل روايته عن الصحابة، والتابع الصغير الذي جل روايته عن التابعين، وقليل روايته عن الصحابة-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، أو نحو ذلك، يعني مما يضاف إلى النبي عليه الصلاة والسلام. هذه صورة المرسل: أن يقول التابعي كبيرًا كان أو صغيرًا: قال رسول الله، أو فعل رسول الله. قال: وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا، وعلى الثاني -على كونه تابعيًا- إذا كان الصحابي ما في إشكال، لكن ما ندري: هل روايته هنا في هذا الحديث عن صحابي أو عن تابعي؟ قال: وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا -أي هذا التابعي- ويحتمل أن يكون حُمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني -أي كونه حُمل عن تابعي آخر- فيعود الاحتمال السابق، يعني يحتمل أن يكون ثقة، ويكون ضعيفًا. قال: ويتعدد إما بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية له، يعني تابعي أن تابعي أن تابعي أن تابعي إلى ما لا نهاية. قال: وإما بالاستقراء -يعني بالتتبع والنظر بما ثبت- فإلى ستة أو سبعة، يعني وجد رواية التابعين بعضهم عن بعض نحو ستة أو سبعة، يروي كل تابع عن الآخر. قال: هو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض. وروى الذهبي في «معجم شيوخه» من طريق الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم، عن عمر الميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة، فإنه من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في ليلة فقد قرأ ثلث القرآن». قال الذهبي رحمه الله: هذا حديث صالح الإسناد من الأفراد، ولا نعلم حديثًا بين أحمد بن حنبل وفيه وبين النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أنفس سواه، وهو مما اجتمع في سنده ستة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهذا لا نظير له. قال: فإن منصور من المعتمر معدود في صغار التابعين. وقد أخرجه الترمذي والنسائي من طريق زائدة، وحسنه الترمذي، مع أنه معلل. قال الإمام النسائي: ما أعرفه إسنادًا أطول من هذا. قال: فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة -هذه مسألة تتعلق برواية الحديث المرسل- إذا كان التابعي لا يرسل إلا عن ثقة، يعني يقول: أنا لا أروي إلا عن ثقة، ثم أرسل الحديث، هل يقبل منه هذا الحديث المرسل؟ قال: فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد -يعني يضعفون هذا الحديث وإن كان مرسله لا يرسل إلا عن ثقة- لماذا؟ لبقاء الاحتمال أن يكون ثقة عنده وضعيف عند غيره، وكذلك لوجود التسلسل الذي ذكر سابقًا: رواية التابعي عن تابعي آخر إلى آخره، ويشترط في الحديث الصحيح حصول الاتصال، وهذا مفقود في الحديث المرسل. قال: وثانيهما -وهو قول المالكيين والكوفيين- يقبل مطلقًا، يعني إذا كان لا يرسل إلا عن ثقة. وقال الشافعي رضي الله عنه: يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطرق الأولى، مسندًا كان أو مرسلًا؛ ليترجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر، يعني الإمام الشافعي يقبل المرسل إذا عضد من طريق أخرى، إذا جاء الحديث المرسل من طريق أخرى متصلة أو مرسلة، لكن يعني يختلف مخرج الحديث، ليس هو نفس مخرج الحديث المرسل، وهنا يعني يعتضد هذا المرسل بمجيئه من طريق أخرى، ويرتقي عند الإمام الشافعي رحمه الله إلى الحسن. قال: ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية، أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات وغيرهم لا يقبل مرسله اتفاقًا، يعني نقل الاتفاق إذا كان المرسل لا يرسل إلا عن ثقة، ويرسل عن غير الثقة، لا يقبل مرسله اتفاقًا، هكذا نقل الاتفاق. والحافظ علق على هذا الاتفاق أو نقل هذا الاتفاق في كتابه «النكت» بقوله: وإن كان في صحة نقل الاتفاق من الطرفين نظر، فإن قبول مثل ذلك عند جمهورهم مشهور. وعلى كل، فالقول الأرجح هو التوقف وعدم قبول هذا الحديث المرسل؛ لأنه يعتبر من قسم الضعيف، لكن إذا جاء من طريق أخرى، فكما قال إمام الشافعي رحمه الله: أنه قد يرتقي إلى الحسن إذا اختلف مخرج الحديث، فيكون معضدًا له. وأما كونه يرسل عن ثقة، هذا لا يكفي؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، وهو ضعيف عند غيره، كما قد حصل ذلك، وجد عند من يشترط الرواية عن الثقات، ورووا عن الضعفاء. قال: والقسم الثالث من أقسام السقط من الإسناد: إن كان باثنين فصاعدًا مع التوالي، فهو المعضل، وإلا فإن كان السقط باثنين غير متواليين في موضعين مثلًا، فهو المنقطع، وكذا إن سقط واحد فقط، أو أكثر من اثنين، لكن بشرط عدم التوالي. نعم، المعضل: ما سقط من أثناء سنده راويان على التوالي، هذا يسمى معضلًا، ويكون السقط في أثناء السند. إذن نقول: ما سقط من أثناء سنده راويان أو أكثر على التوالي، هذا المعضل. وقولنا: ما سقط من أثناء السند، خرج ما سقط من أوله، ومن آخره، فمن أول السند: المعلق، ومن آخره: المرسل. وقولنا: اثنين على التوالي، خرج به المنقطع؛ لأن المنقطع: أن يسقط راوٍ أو أكثر على غير التوالي. وأما المنقطع: فما سقط من أثناء سنده راوٍ أو أكثر على غير التوالي، هذا المنقطع. والمعلق -كما علمنا-: ما سقط من أول السند راوٍ أو أكثر. قال: ثم إن السقط من الإسناد قد يكون واضحًا، يحصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي مثلًا لم يعاصر من روى عنه، أو يكون خفيًا، فلا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث وعلى الأسانيد. فالأول -وهو الواضح- يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، بكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكنهما لم يجتمعا، وليست له منه إجازة، ولا وجادة -إجازة: يعني أن يجيزه بالرواية، فيقول له: أجزتك أن تروي عني مروياتي، أو كتابي فلاني. والوجادة: أن يجد كتاب شيخه بخطه المعروف، فيروي عنه- فإذا لم يكن له لا وجادة ولا إجازة، ولا التقى به، أو لم يجتمع به، حينئذ نعرف أن روايته عنه ماذا؟ منقطعة. قال: هذا السقط الواضح. نعم، يدرك بعدم التلاقي، يدرك بعدم التلاقي. قال: ثم من ثم احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم. نعم، احتيج إلى التاريخ؛ لأنه يتضمن تحرير مواليد الرواة: متى ولد، متى توفي، فيعرف بمعرفة المواليد والوفيات: هل لقي هذا الراوي الشيخ الفلاني أو لم يلقه؟ وهل عاصره أو لم يعاصره؟ وبهذا كشف كثير من الوضاعين الذين ادعوا الرواية عن أناس ومشايخ، تبين كذبهم بأنهم قد توفوا قبلهم بزمن طويل. قال: وقد اتضح أكذوبة أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ، ظهر بالتاريخ كذب دعواهم. نعم، ومن أشهر هؤلاء: رتا الهندي. قال الذهبي في «الميزان»: رتا، وما أدراك ما رتا؟ شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد ست مئة، فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون، وهذا جريء على الله ورسوله، ادعى لنا الصحبة بعد انقضاء زمن الصحابة. قال: والقسم الثاني -وهو الخفي-: المدلس، بفتح اللام، سمي بذلك لكون الراوي لم يسم من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدث به، وهو قد يكون أدرك شيخه ولقيه، لكن ما سمع منه هذا الحديث، إذا روايته هنا: عدم الاتصال خفي، لا يدرك بسهولة، لماذا؟ لأنه لقي شيخه وعاصره واجتمع به، لكن ما ندري: هل سمع منه هذا الحديث أم لا؟ فيأتي حافظ من الحفاظ فينص على أن فلانًا لم يسمع هذا الحديث من فلان، فهذا لا يعرف إلا الأئمة الحذاق. قال: واشتقاقه من الدلس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء، يعني أن الظلام لما يأتي يغطي النور والضوء، كذلك التدليس، فالمدلس يغطي على حقيقة الشيء، يغطي على حقيقة الشيء، يظهر أنه سمع هذا الحديث من شيخ، وهو في الحقيقة لم يسمعه، ولهذا سمي التدليس بذلك من هذا المعنى: تغطية الأشياء عن البصر. قال: ويرد المدلس بصيغة من صيغ الأداء تحتمل وقوع اللقي بين المدلس ومن أسند عنه، كـ«عن»، وكذا قال، يعني المدلس يأتي بصيغة تحتمل السماع، لو قال المدلس: حدثني، أو سمعته، وهو لم يسمع منه ولم يحدثه، لصار ماذا؟ كذابًا. لصار كذابًا. وما يأتي بصيغة صريحة -يعني بالسماع- وإنما يأتي بصيغة محتملة، مثل: عن فلان، قال فلان، يحتمل أنه سمعه منه، ويحتمل أنه لم يسمعه منه، فحينئذ يقع الاشتباه في روايته عن هذا الشيخ. قال: ومتى وقع بصيغة صريحة لا تجوز فيها الكذب، يعني ليس فيه احتمال، لو قال: سمعته، أو حدثني، وهو لم يسمع منه ولم يحدثه، إذن صار كذابًا، وإذا صار كذابًا سقطت روايته، ولم يحتج بها. لكن يأتي بصيغة تحتمل العنعنة: عن فلان، قال فلان، أن فلانًا قال، ونحو ذلك من صيغ محتملة. قال: وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلًا -يعني ممن تقبل روايته- قال: ألا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح. نعم، هذا هو الصحيح: أن رواية المدلس لا تقبل عنه إلا إذا صرح بالتحديث، إذا قال: حدثني، أو سمعته، وهنا نقبل حديثه. أما إذا أتى بصيغة محتملة كالعنعنة والأنعنة، نتوقف في حديثه. قال الإمام الشافعي رحمه الله: من دلس لنا مرة فقد أبان لنا عورته، يعني إذا دلس ولو مرة واحدة أصبح من المدلسين، حينئذ ما يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث، حتى ربما يدلس عن الثقات، ربما يدلس عن ثقة، لكن ما يقبل حتى يصرح بالتحديث. نعم، التدليس: أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، بصيغة تحتمل السماع وعدمه، أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، بصيغة تحتمل السماع وعدمه، يعني يكون الراوي قد سمع من شيخه في الجملة، لكن يأتي إلى بعض الأحاديث ما سمعها منه، فيدلس ويرويها بصيغة -يعني صيغة محتملة- كالعنعنة والأنعنة ونحوها، حينئذ يتوقف في حديثه حتى يصرح بالسماع. سفيان بن عيينة رحمه الله كان يدلس عن الزهري، فيقول: عن الزهري، أو قال الزهري، فقالوا: أسمعته منه؟ فسكت. فلما يعني كرروا عليه، قال: لم أسمعه منه، لم أسمعه منه، لكن حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. ولهذا بعضهم يعني قبل تدليس سفيان بن عيينة: أنه لا يروي إلا عن الثقات.