الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 78، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المؤلف أن الأسباب سواء كانت قدرية أو شرعية هي من قدر الله تعالى ولا تنافي القدر، حيث قدم أمثلة على الأسباب القدرية مثل هبوب الرياح ونزول المطر، والأسباب الشرعية مثل إنزال القرآن وفعله الطاعات. الله جل وعلا جعل أسبابا قدرية وشرعية لحصول المسببات وأمر الإنسان بأخذ هذه الأسباب.
الله جل وعلا جعل أسبابا قدرية وشرعية لحصول المسببات، وأمر الإنسان بأخذ هذه الأسباب، مع التأكيد على أن كل شيء بقدر الله. أخذ الأسباب لا يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر، بل هو من مقتضى حكمة الله.
يشرح المقطع الفرق بين الأسباب والمسببات، موضحا أن الأسباب هي سبب لحصول المسببات وليست هي التي أوجدتها، وأن الله جل وعلا هو الذي أوجد المسببات. يبين أن الإيمان بالقدر لا ينافي الأخذ بالأسباب القدرية والشرعية.
أشار الشيخ إلى أن هناك طائفتين من الناس، الأولى غلطت والثانية فرطت في التعامل مع الأسباب، وسيأتي تفصيل ذلك في الدرس اللاحق. ثم ختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد قال مؤلف -رحمه الله تعالى- والأسباب من قدر الله تعالى، أو القدر لا ينافي الأسباب القدرية أو الشرعية التي جعلها الله تعالى أسبابا، فإن الأسباب من قدر الله تعالى، وربط المسببات لأسبابها هو مقتضى الحكمة التي هي من أجل صفات الله عز وجل، والتي أثبتها الله لنفسه في مواضع كثيرة من كتابه. فمن الأسباب القدرية قوله تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾. ومن الأسباب الشرعية قوله تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجه من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديه إلى صراط مستقيم﴾. وكل فعل رتب الله عليه عقابا أو ثوابا فهو من الأسباب الشرعية، باعتبار كونه مطلوبا من العبد، ومن الأسباب القدرية باعتبار وقوعه بقضاء الله وقدره. ذكر المؤلف -رحمه الله- في هذا الموضع أن الأسباب من قدر الله جل وعلا، وأن القدر لا ينافي الأسباب القدرية ولا ينافي الأسباب الشرعية التي جعلها الله تعالى أسبابا، بل الأسباب من قدر الله تعالى. الله جل وعلا جعل أسبابا قدرية وجعل أسبابا شرعية. ذكر المؤلف هنا مثال الأسباب القدرية التي جعلها الله جل وعلا نزول المطر الذي يحصل به حياة الأرض، وهكذا كذلك هبوب الرياح التي يحصل بسببها إثارة السحاب الذي بعد ذلك يتسع في الأفق، ثم بعد ذلك ينزل منه المطر والقطر، فكل هذا من الأسباب القدرية التي جعلها الله سبحانه وتعالى أسبابا بحصول المسببات، أي التي بسببها حصلت تلك المسببات، مثل حياة الأرض كان بسبب نزول المطر، وحياة النبات كان بسبب نزول المطر، وإثارة السحاب كان بسبب هبوب الرياح. فهذه المسببات من إثارة السحاب وحياة الأرض والزرع كانت بسبب أسباب قدرية جعلها الله سبحانه وتعالى أسبابا. وهذه الأسباب القدرية أو الأسباب الشرعية ذكر هنا مثال لأسباب الشرعية، إنزال القرآن، القرآن سبب شرعي لحصول الهداية، سبب شرعي لحصول الهداية، المسبب هو الهداية، حصلت بسبب ما هو السبب؟ القرآن، والأخذ بالقرآن والعمل بالقرآن سبب لحصول مسبب وهو الهداية، فهذا سبب شرعي، الطاعة سبب لدخول الجنة، سبب شرعي، نعم، المسبب الجنة، والسبب الطاعة، المعصية سبب لدخول النار، النار مسبب حصل بسبب السبب فعل المعصية. فالأمور بقدر الله جل وعلا، لكن جعل الله جل وعلا أسبابا جعل الله جل وعلا أسبابا قدرية وأسبابا شرعية. لا تقول: أنا إن كنت من أهل الهداية فأنا من أهل الهداية، وإن كنت من أهل الضلالة فأنا من أهل الضلالة، نقول: لا، أنت ما مور بأخذ أسباب الهداية، ترك أسباب الضلالة، وعليك أن تأخذ بالأسباب، وكله بقدر الله. إذا أخذت أنت بأسباب الهداية نعم كان ذلك سببا لحصول المسبب نعم، وهو حصول الهداية ودخول الجنة، وهو بقدر الله. وإذا أخذت بأسباب الضلالة كان ذلك سببا لحصول المسبب، وهو حصول الضلال ودخول النار، وكله بقدر الله جل وعلا، كله بقدر الله جل وعلا. أخذت بالأسباب فبقدر الله، تركت الأسباب فبقدر الله، وأنت مامور بالأخذ بالأسباب، ولن يحصل إلا ما قدر الله جل وعلا، لكن أنت مامور بالأخذ بالأسباب القدرية والأسباب الشرعية. والله جل وعلا هو الحكيم المتصف بصفة الحكمة، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه الموافق للغايات المحمودة منه. والله جل وعلا الحكيم، فمن مقتضى حكمة الله جل وعلا أن جعل هذه الأسباب القدرية والشرعية جعل لحصول المسببات أسبابا، لا يحصل المسبب هكذا لا، وإنما بأسباب. تريد الهداية لها أسباب، تريد الحياة لها أسباب، تريد النجاة لها أسباب، تريد الشبع له أسباب، تريد الجوع له أسباب، وهكذا تريد الجهل له أسباب، تريد العلم له أسباب. فجعل الله جل وعلا لحصول هذه المسببات أسبابا، وهذا من مقتضى حكمة الله جل وعلا أن جعل لكل شيء سببا. أن تجني ثمرا من الشجرة لا تجلس عند الشجرة وتنظر إلى الثمر، تقول: لا سقط يا ثمر، لا، لا يفعل، السبب ما هو؟ هز الشجرة، هذه هز النخلة، إذا أردت أن يسقط الثمر. مريم -رضي الله تعالى عنها- لما رأت الثمر، وهي إمرأة نفاس، هل جلست عند الشجرة تقول: أني ضعيفة، كيف هز الشجرة؟ كيف هز النخلة؟ نخلة جذع، نعم، عظيم، نعم، لا، أمر الله جل وعلا أن تأخذ بالسبب لتتحصل على الثمر، وهز إليك بجدع النخلة تساقط عليك رطبا جنيّا. فإذا سبب هز النخلة سبب لسقوط الثمر، سبب لسقوط الثمر، قد يسقط الثمر وقد لا يسقط، لأن سقوط الثمر بقدر الله جل وعلا، وهز النخلة سبب لسقوط الثمر، سبب، وله أثر، لكن ليس معنى ذلك أن الهز هو الذي أوجد سقوط الثمر، الذي أوجد الثمر وأسقط الثمر هو الله جل وعلا، أما الهز فهو سبب. المطر سبب لحصول حياة الأرض، سبب لحصول حياة الأرض، ليس المطر سببا لوجود الحياة في الأرض، فرقوا، المطر سبب لحصول حياة الأرض، وليس المطر سبب في وجود حياة الأرض، لا، وليس المطر أوجد حياة الأرض، إنما هو سبب لحصول حياة الأرض، وليس المطر هو الذي أوجد الحياة، الذي أوجد حياة الأرض وأوجد حياة النبات هو الله جل وعلا. الدواء سبب للشفاء، الدواء سبب لحصول الشفاء، ليس الدواء يوجد الشفاء، ليس الدواء أوجد الشفاء، فرق بين الدواء أوجد الشفاء وبين الدواء سبب في حصول الشفاء، الدواء سبب في حصول الشفاء. أنت تشرب الدواء لماذا؟ لأن شرب الدواء سبب لحصول الشفاء، لكن هل شرب الدواء يوجد الشفاء؟ لا، الذي يوجد الشفاء هو الله جل وعلا. أنت تركب السفينة لتنجو من الغرق، وركوب السفينة سبب للنجاة من الغرق، لكن هل ركوب السفينة هو الذي أوجد النجاة؟ لا، الذي أوجد النجاة هو الله جل وعلا، والسفينة سبب للنجاة، وإلا فقد تركب السفينة وتغرق، لماذا؟ لتعطل القوى الموجودة في هذا السبب التي لها الأثر في حصول النجاة من الغرق، التي جعلها الله جل وعلا. فإذا عندنا أسباب، نعم، جعل الله جل وعلا أسبابا قدرية يحصل بسببها مسبباتها، لكن الأمر بقدر الله، إذا أذن الله جل وعلا بوجود المسببات وجدت، وإذا لم يأذن الله جل وعلا بوجود المسببات لم توجد، أن ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى. فالأسباب أسباب فقط، أسباب فقط، ليست هي الموجدة، فيها تأثير، ولكن ليست تؤثر بذاتها. وفي هذا كما سيأتي معنا ظل طائفتان، ظل طائفتان مفرطة وغالية، مفرطة أنكرت تأثير الأسباب وأن الأسباب لا أثر لها، وغالية وجعلت الأسباب مؤثرة بذاتها، أي هي التي أوجدت المسببات، والحق هو الوسط بين هاتين الطائفتين الضالتين، وهو منهج السنة والجماعة، أثبت تأثير الأسباب وأنها ليست مؤثرة بذاتها، وإنما مؤثرة بأمر الله جل وعلا وبقدر الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر مؤلف -رحمة الله تعالى- في هذا الموضع أن الإيمان بالقدر لا ينافي ما ذا؟ من الأسباب القدرية والشرعية، لا ينافي القدر، بل هو من قدر الله جل وعلا، سواء كانت أسبابا شرعية أو أسبابا قدرية. وقد أطلت في ذكري الأمثلة في الأسباب القدرية، وفي الأسباب الشرعية كذلك لها أمثلة، مثلا فعل الطاعة سبب شرعي لحصول الهداية، فعل الطاعة سبب شرعي لحصول الهداية ودخول الجنة، له أثر في حصول الهداية وفي حصول الجنة، لكن هل الطاعة هي التي أوجدت دخول الجنة؟ وهل الطاعة التي أوجدت الهداية؟ لا، الذي أوجد الهداية هو الله، والذي أوجد الجنة هو الله سبحانه وتعالى ودخول الجنة. ثم ذكر بعد ذلك -رحمه الله- حال الناس في الأسباب كما شرحت إليه، طائفة غلط وطائفة ماذا فرطت، وهذا يأتي إن شاء الله تفصيله في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. صلى الله عليه وسلم مبارك علينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.