كتاب الطهارة 2

كتاب الطهارة 2

الدرس في كتاب الطهارة 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام الماء وطهارته

يناقش هذا الفصل مسألة الماء الطاهر والمطهر، حيث يبين أن الماء لا يخرج عن كونه طاهرًا ومطهرًا إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة. كما يشرح أن الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر مطهر أو نجس.

شرح حديث بئر بضاعة والإجماع على معناه

يناقش هذا الفصل حديث بئر بضاعة وتصحيحه وتضعيف الزيادة المروية فيه، ويبين أن الإجماع قد وقع على صحة معنى تلك الزيادة. كما يشير إلى أن أحاديث هذا الباب متعددة وتشد بعضها بعضا.

حكم الماء المتغير ومفهوم المجاورة

يناقش هذا الفصل حكم الماء المتغير بمخالطة النجاسة أو بمجاورتها، ويبين الفرق بينهما بوجود عين النجاسة. كما يشرح أثر المجاورة في انتقال النجاسة ودورها في تغيير حكم الماء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي ما ذكر في بداية هذا الكتاب والمقدمة، ومن ذلك ما مر معنا من إمامة الإمام الشوكان، رحمه الله، وعظيم جلالته، وواسع علمه. رحمه الله، إلا أنه انتقد عليه في بعض كتبه بعض الأمور، فبماذا اعتذر عن تلك الاعتذارات؟ فمن تلك الانتقادات أنه انتقد عليه بعض مباحث الصفات في تفسيره "فتح القدير"، فماذا أجيب عن ذلك؟ هذا، يا إخوان، ثانيًا، نعم، وإلا فهو بالجملة كان يقول: إنه على طريقة أهل السنة، نعم. فالإنسان قد يريد طريق السنة، ولكن لا يوفق لها بسبب عدم التوفيق لكتب أهلها، وهذا يقع كما ذكروا بترجمة ابن حزم، رحمه الله. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في كتابه "المنهاج" أن ابن حزم عنده "تجهُّم" ليس "تمسّعر" فقط، بل "تجهُّم"، ومع ذلك عذره رحمه الله. عذره رحمه الله، لماذا؟ لأن ابن حزم كان يقول: إنه على مذهب الإمام أحمد بالاعتقاد، ولكن من حيث التطبيق وقع في بعض المسائل فيها "تجهُّم"، والسبب كما ذكر شيخ الإسلام وعذره بذلك أنه لم تصله كتب الإمام أحمد وكتب أهل الحديث في الاعتقاد. تعرفون أن ابن حزم كان في آخر الدنيا، هو أندلسي، والأندلس في آخر الدنيا، وما كانت الكتب متيسرة كما تتيسر الكتب في هذا الزمان، بل حتى في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. نعم. الثالث: الاعتذار الثالث، نعم، أنه من أوائل ما ألف، رحمه الله. والإنسان ينضج بالعلم كلما ازداد سنًا وعمرًا، العلم ازداد وضوحًا في العلم. نعم، وممن تقد عليه، رحمه الله، نقله عن بعض الرافضة والشيعة في كتبه، فبماذا اعتذر له؟ نعم. أحد من هذه الجهة يجيب. نعم، لأنه كان يرد على أتباع هؤلاء فيستدل بكلام أئمتهم عليهم. نعم، وهكذا كذلك، ممن تقد عليه أن في بعض اختياراته ميول لقول الظاهرية. نعم، لماذا؟ وبما ذا اعتذر له من هذه الجهة؟ أحد من الخلف يشارك. نعم، لأنه كان يرد على الرافضة والشيعة، ومذهبهم مذهب الحنفية، فجعله يذهب إلى الطرف الآخر. ومن أكثر من رد على الحنفية أكثر من رد على الحنفية الظاهرية. إذا تقرأ في كلام ابن حزم، كما يقولون: "تمخّط بهم" هكذا يستهزئ بهم، كما يقولون: "بالفلس والدينا" بالقليل وبالكثير. فكثيرًا ما يقرأ لابن حزم، رحمه الله، ومن يقرأ لابن حزم عضلاته تكبر. ابن حزم، كما يقولون: "ملاكًا من الدرجة الأولى" في الخلافات الفقهية، قوي جدًا لنقل الآثار ورد الآراء. وأكثر ما يغضبه الرأي، أكثر ما يغضبه الرأي. فكان يرد على أهل الرأي بقوة ويستهزئ بآرائهم ويأتي بالآثار والأدلة. فالذي يدخل في كتب ابن حزم ويكثر منها لا بد أنه سيأخذ منها شيء، لا بد أنه سيأخذ منها شيء. ولهذا تجد كثير من أهل الحديث يحبون كتب ابن حزم لأنه قوي وشديد على أهل الرأي في باب الفقه. ورحمه الله أجاد في هذا، إلا أنه كما قيل: "لكل جواد كبوة"، بعض آرائه فيها شدودات، فيها شدودات. وإلا من حيث قوة الدليل ومن حيث الآثار المنقولة فهو قوي، رحمه الله. رحمه الله رحمة واسعة. نعم. ومر معنا من المسائل مسألة الأولى التي ذكرها رحمه الله بأن الماء قاهر مطهر لا يخرج عن الوصفين إلا ما غير ريحه. ماذا يريد بالوصفين؟ ماذا يريد بالوصفين؟ ها أحد من الخلف يجيب. قاهر مطهر. نعم، قاهر مطهر. وسيأتي معنا الكلام على هذين الوصفين في المسائل الآتية إن شاء الله. نعم. طيب، درس اليوم من عند المسألة الثانية. هكذا صح. ها طيب. بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: "هذه المسألة الثانية من مسائل الباب، وهي أنه لا يخرج الماء عن الوصفين إلا غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات، إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها". ومعنى كلامه، رحمه الله، أن الماء لا يخرج عن الوصفين، أي كونه طاهرًا مطهرًا، إلا أن يتغير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها. وهذا هو الصحيح كما سيأتي معنا إن شاء الله. فإن الماء ينقسم إلى قسمين: إما طاهر، وإما نجس. لا يوجد ماء طاهر غير مطهر إلا لمن ذهب إلى ذلك من الفقهاء. فمن قسم الماء إلى ثلاثة أقسام: طاهر، ونجس، وطاهر غير مطهر، فقد أخطأ. لأن أدلة الكتاب والسنة كما سيأتي معنا إن شاء الله ترد هذا التقسيم. بل الماء إما طاهر، فإن كان كذلك فهو مطهر، وإما نجس، وهو كما قال: ما غلب عليه أحد أوصافه بالنجاسة فغيرت طهارته. ولا يوجد ماء طاهر غير مطهر. وسيأتي معنا إن شاء الله فيما خالطه بعض الطاهرات أنه ما دام اسم الماء باقيًا فهو مطهر. فالماء الذي خالطه الأشنان، وهو الصابون، ما دام أنه ماء فهو طاهر مطهر. الماء الذي خالطته الأعشاب والحشيش وغبرة السيول، ما دام أنه يسمى ماء فهو طاهر مطهر. بخلاف الماء الذي انتزع منه اسم الماء، فهو وإن كان فيه ماء لكن اسم الماء انتزع. عندك بودرة حليب صببت عليه ماء، تحول إلى ماذا؟ ماذا تسميه؟ تسميه حليبًا، فيه ماء. نعم، فيه ماء، لكن هل نسميه ماء؟ لا نسميه ماء، نسميه حليبًا. فهل يجوز التوضؤ بالحليب؟ لا، لا يجوز التوضؤ بالحليب. ولو قال قائل: فيه ماء، نقول: نعم، فيه ماء، لكن الآن ليس اسمه ماء، الآن اسمه حليب. إذن لا يجوز التوضؤ بالحليب. لكن ماء سقط فيه شيء يسير من الحليب، صار مغبرًا. هل نسميه ماء أو نسميه حليبًا؟ نسميه ماء، فيه غبرة حليب. يجوز التوضؤ به أم لا؟ يجوز التوضؤ به، لأن اسم الماء ما زال باقيًا. فإذا ذهب اسم الماء، فإذا هو ليس ماء، فلا يجوز التطهر به. وهذا هو الصحيح. إذن الماء ينقسم إلى قسمين: إما ماء طاهر، فهو إذا مطهر، أو ماء نجس. فالأول يجوز التطهر به، والثاني لا يجوز التطهر به. وما خالطه أي خالط الماء من الطاهرات ينقسم إلى قسمين: إما أن ينزع منه اسم الماء، فإذا انتزع منه اسم الماء فهو، بحسبه، ليس بماء. ولو كان به ماء كالحليب على سبيل المثال. وإن كان لم ينتزع منه اسم الماء، فإذا هو ماء على أصله، ويجوز التطهر به. كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال، رحمه الله تعالى: "وهذا المذهب هو أرجح المذاهب وأقواها". والدليل عليه ما أخرج أحمد، وصححه، وأبو داود، والترمذي، وحسنه، والنسائي، وابن ماجة، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وصححه، وصححه أيضًا يحيى بن معين، وابن حزم، حديث أبي سعيد قال: "قيل: يا رسول الله، نتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض -يعني خرق الحيض التي استخدمها النساء- ولحوم الكلاب، ونتانة؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء". وقد علل ابن القطان باختلاف الرواة باسم الراوي له عن أبي سعيد، واسم أبه. وليس ذلك بعلة، فقد اختلف في أسماء كثير من الصحابة، رضي الله عنهم، والتابعين على أقوال، ولم يكن ذلك موجبًا للجهالة. على أن ابن القطان نفسه قال بعد ذلك الإعلال: "وله طريق أحسن من هذه". ثم ساقها عن أبي سعيد. وقد قامت الحجة بتصحيح من صححها من أولئك الأئمة. وله شواهد منها: من حديث سهل بن سعد عند الدارقطني، ومن حديث ابن عباس عند أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، ومن حديث عائشة عند الطبراني في "الأوسط"، وأبي الشيخ، والبزار، وابن السكن. كلها نحو حديث أبي سعيد. وأخرجه بزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه". وأخرجوا أيضًا مع الزيادة ابن ماجة، والطبراني من حديث أمامة بلفظ: "إن الماء طهور إلا أن يغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه". وفي إسنادهما من لا يحتج به. وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة، لكن قد وقع الإجماع على مضمونها، كما نقله ابن المنذر، وابن الملقن في "البدر المنير"، والمهدي في "البحر". فمن كان يقول بحجية الإجماع، كان الدليل عنده على ما أفادت تلك الزيادة هو الإجماع. ومن كان لا يقول بحجية الإجماع، كان هذا الإجماع مفيدًا لصحة تلك الزيادة لكونها قد صارت مما أجمع على معناه، وتلقى بالقبول. فالاستدلال بها لا بالإجماع. ذكر المؤلف، رحمه الله، عدة مباحث. أولها: استدل بحديث بئر بضاعة. وعلى هذه المسألة، وهي أن الماء لا يخرج عن كونه ماء طاهرًا مطهرًا ما دام أنه لم يتغير هذا الماء بمخالطة النجاسة أو مخالطة الطاهرات التي لا تنتزع منه اسم الماء، كما تقدم معنا التوضيح. وحديث بئر بضاعة أولًا أشار إلى أنه قد أخرج عند عدد من رواة الحديث، وعن عدد من الصحابة. والحديث كما رأينا لا يخلو طريق منه من ضعف، لكن جماع من أهل العلم حسنه بمجموع طرقه، لأن له طرقًا كثيرة. وقد أشار في التعليق كما ترون إلى ضعف تلك الطرق، لكن من نظر في هذه الطرق وتأمل فيها وبحث فيها يجد أنها ليست كلها طرق شديدة في الضعف، بل بعض هذه الطرق ليست بشديدة في الضعف، مما يدل أن للحديث أصلًا. والحديث إذا روي من طرق يشد بعضها بعضًا ترتقي إلى الدرجة الأعلى. فأحاديث هذا أو طرق وشواهد هذا الحديث ليست كلها شديدة الضعف، فلذلك حسن الحديث جماع من أهل العلم، كما أشار الإمام الشوكاني، رحمه الله، إلى ذلك. وممن حسنه من المعاصرين الشيخ الألباني، رحمه الله، في عدد من كتبه. والشاهد قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء". والمعنى ما دام أن أثر ما خالطه لم تظهر فيه أثر النجاسة أو ما خالطه لم ينتزع منه اسم الماء. وهذا هو الذي يفهم مع الأحاديث الأخرى التي ستأتي معنا إن شاء الله تعالى. أما المسألة الثانية، فهي الزيادة المروية في هذا الحديث. وقد مر معنا أن الحديث روي من عدة طرق، وعن عدد من الصحابة. ومن تلك الطرق أنه جاء في بعضها زيادة: "لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه". وقد رويت هذه الزيادة من حديث أبي أمامة، لكن بإسناد ضعيف، كما أشار إلى ذلك المؤلف، رحمه الله. وفي التعليق توضيح إلى وجه الضعف. فهذه الزيادة التي جاءت في حديث ثوبان أولًا، جاءت في حديث أبي سعيد، وهي ضعيفة، كما أشار في التعليق: فيها شريك القاضي. وكذلك في حديث ثوبان كذلك هي ضعيفة. وكذلك في حديث أبي أمامة. فما من واحد من هذه الروايات إلا وفيها ضعيف. فحديث أبي أمامة وهو أشهرها وأظهرها في ذكر اللفظ من طريق رجلين بن سعد المهري، وهو متروك. فهو حديث ضعيف بمرة. لكن كما قال، رحمه الله: نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن معنى هذه الزيادة صحيح. فإذا هذا الإجماع لا يأتي إلا من أصل. ولهذا يقولون: إن الإجماع أصلا هو يعتمد على دليل، ولكن دليل الإجماع خفي. دليل الإجماع خفي. فإذا تأملت معنى الحديث صحيح، ولكن إسناده ماذا؟ ضعيف. وقام الإجماع وروي الإجماع على ماذا؟ يعتمد هذا الإجماع. الجواب: اعتمد هذا الإجماع على أشياء أخرى: مفهوم، ومنطوق. فمن المفهوم: أصل حديث أبي سعيد: "الماء طهور لا ينجسه شيء". طيب، لا ينجسه شيء. ألا يدل بهذا المنطوق على مفهوم؟ الجواب: بلى، يدل. وهو أنه لا ينجسه شيء ما دام لم تخالطه ماذا؟ نجاسة. ولهذا لما سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن البحر، قال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". طهور ماؤه، لماذا؟ لأن الماء في البحر كثير، لا يمكن أن تغيره النجاسة. إذن معناه أن الماء القليل الذي تغيره النجاسة يلحق حكم ماذا؟ يلحق حكم التغيير. فإذا لا يصح التطهر به. ولهذا كذلك أحاديث أخرى تدل على أن هذا المعنى قد دار في عدة أحاديث. ومن ذلك حديث أنس، رضي الله عنه، في الصحيحين: لما بال الرجل في طائفة المسجد، دعا النبي، صلى الله عليه وسلم، بماذا؟ بذنوب من ماء. لماذا دعا بذنوب من ماء؟ ليذهب أثر النجاسة. هل النجاسة لما صب عليها الماء أخرجت من المسجد؟ الجواب: لا، ما أخرجت. طيب، كيف صب الماء وصار هذا الصب سببًا لتطهيره؟ معناه أنه إذا زال الأثر زال الحكم. صب الماء من الأعلى، فذهبت النجاسة إلى الأسفل. ذهبت النجاسة إلى الأسفل. إذن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فإذا ظهر أثر النجاسة بقي ماذا؟ الحكم. وإذا لم يظهر أثر النجاسة لا يبقى الحكم. واضح. هذا هو الشاهد. فإذا الإجماع لم يقم إلا على دليل، ولكن دليل الإجماع غير واضح. ولهذا استدل العلماء بهذا الإجماع. ثم أشار رابعًا إلى مسألة أخرى، وهي مسألة الاحتجاج بالإجماع. قبل هذا تنبيه: انظروا هنا نقل الإجماع عن ابن المنذر، وابن الملقن، وهو من أهل السنة، والمهدي. والمهدي هو عند الرافضة من أئمتهم، إمام من أئمة الشيعة. لماذا نقل عن المهدي في "البحر" مع أنه ألف كتاب "السير الجرار" ويرد على من على الرافضة في كتبهم؟ طيب، لماذا ينقل هنا؟ ينقل هنا ليستدل أن ما نقله من الإجماع ليس هو قول أهل السنة بل كذلك قول بعض الشيعة. نعم، فهو إذا ذكرها ذكرها ليستدل بها عليهم لا لهم. ليستدل بها عليهم لا لهم. هذا هو الغالب منه، رحمه الله. المسألة الرابعة، كما قلنا: قال: "فمن كان يقول بحجية الإجماع كان الدليل عنده على ما أفدته تلك الزيادة هو الإجماع". يعني وإن كانت الزيادة لم تصح، لكن الإجماع قد ماذا؟ قد صح. والإجماع الصحيح أنه يستدل به. وأدلة ذلك كثيرة، وهي مسألة من المسائل الأصولية المعروفة المشهورة. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:83]، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:100]، وآيات كثيرة استدل بها العلماء على حجية الإجماع. قال: "ومن كان لا يقول بحجية الإجماع كان هذا الإجماع مفيدًا لصحة تلك الزيادة لكونها قد صارت مما أجمع على معناه وتلقى بالقبول". فالاستدلال بها لا بالإجماع. يعني معناه: عندنا هنا حديث وإجماع. عندنا حديث وإجماع. فمن لا يقول بالإجماع، لماذا لا يقبل الإجماع؟ قالوا: لأن الإجماع ظني. الإجماع ظني. ولا يمكن أن نثبت الإجماع بمثل لا نثق أن نثبت الحكم بالإجماع الظني لأنه قد يكون أجمع على شيء صحيح، وقد يكون أجمع على شيء ليس بصحيح. لكن هو يقول: حتى من لا يقول بحجية الإجماع، عندنا مع هذا الإجماع حديث، معناه صحيح. حديث معناه صحيح. ولو كان في إسناده ضعف، لكن معناه قد أيد بنصوص أخرى كثيرة. إذن عندنا حديث معناه صحيح، ومؤيد هذا الحديث بالإجماع. هذا معنى كلامه، رحمه الله. قال، رحمه الله تعالى: "قوله عن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة". ومعنى "عن الثاني" أي ما سبق عن كونه طاهرًا ماذا؟ مطهرًا. قد تقدم معنى أنه لا يوجد على الصحيح شيء من الماء اسمه طاهر غير مطهر. فإذا لا يخرج اسم الماء عن الماء المطلق الطاهر المطهر لو خالطه شيء من الطاهرات التي تغير وصفه، ما دام اسم الماء موجود. نحن نعرف أن الماء لونه ماذا؟ ما هو لون الماء؟ صحيح. أبيض. ها توافقونه؟ ليس للماء لون. هذا هو. طيب، الماء ليس له لون. هذا هو لون الماء: أنه ليس له لون. طيب، فإذا كان كذلك، إذا كان كذلك، فإذا تغير لون الماء كماء السيول، ما زال يسمى ماء. تغير لونه لا يزول حكمه. ولو تغير هذا اللون، فتغير بعض الأوصاف في الماء بما يخالطه لا يضره. ولو تغير لونه أو تغير طعمه أو تغير كذلك ماذا؟ ريحه. أو تغير ريحه، لماذا؟ لأن اسم الماء باقي. لكن إذا زال اسم الماء، فهنا يزول حكم الماء. يزول حكم الماء. فيصير ليس بماء. فهو ليس طاهر ولا مطهر. ليس طاهر ولا مطهر. كما تقدم معنا: حليب بودرة الحليب تضيف إليها ماء، هذا صار بعد مخالطة للماء. هل يسمى ماء؟ لا يسمى حليبًا، فيه ماء. نعم، فيه ماء. صحيح، فيه ماء، لكن بعد مخالطة هذا الماء لهذه البودرة لم يسمى ماء، وإنما يسمى حليبًا. فإذا هو لا يصح التطهر به. لا نقول: أنه صار ماء طاهر غير مطهر. هذا ليس بالصحيح. لماذا؟ لأن اسم الماء انتزع. اسم الماء انتزع. بخلاف الماء الذي سقطت فيه بعض هذه البودرة من الحليب، فبقي اسم الماء. ولو تغير وتعكر لون الماء، ما زال اسم الماء موجودًا. فإذا لا يضر. هو طاهر مطهر. هل نقول مثل هذا في النجاسات؟ ها؟ لا، لا نقول هذا في النجاسات. فإذا خالطت النجاسة الماء فغيرت اللون أو غيرت الطعم أو غيرت الريح، فماذا؟ فالماء نجس. لكن يبقى إشكال، وهو أننا نجد في بعض المياه الكثيرة أثر النجاسة، أثر النجاسة وهي كثيرة. وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في البحر: "هو الطهور ماؤه". ومع ذلك قد نجد ريح النجاسة في البحر. قد نجد ريح النجاسة في البحر. فكيف نصنع؟ هل يصير البحر نجسًا؟ الجواب: هنا تأتي مسألة دقيقة ذكرها الفقهاء، وهي أن تغير الماء بالمخالطة ليس كتغيره بالمجاورة. إذا تغير الماء بالمخالطة، فإن المخالطة هذه تضر. فإذا تغير الماء بمخالطة النجاسة يصير الماء نجسًا. يصير الماء نجسًا لما تقدم من الإجماع مع الحديث. لكن إذا تغير بالمجاورة، فهنا لا يضر هذا الماء أثر هذه النجاسة، ما دام هذا الأثر جاء من ماذا؟ من المجاورة لا من المخالطة. طيب، كيف نفرق بين المجاورة والمخالطة؟ قال العلماء: نفرق بوجود عين النجاسة. بوجود عين النجاسة. أضرب لكم مثالًا واضحًا حتى ننتقل إلى المثال المشتبه. عندنا خزان كبير فيه ماء، سقط فيه طير فمات الطير. تغير طعم هذا الماء ولونه بماذا؟ بهذه الميتة والنجاسة. صار هذا الماء نجسًا لأنه خالطته نجاسة. خالطته نجاسة. فصار الماء نجسًا. طيب، أخرج الماء كاملًا. الطير ما يعلم أنه مات إلا بعد وقت. إذن تأخر الطير ربما يتحلل هذا الطير في هذا الماء. فالناس يجدون الماء متعكرًا. ذهبوا نظروا في الخزان، وجدوا فيه طيرًا ميتًا. أخرجوا الطير المتحلل. أخرجوا الماء، نظفوا الخزان، صبوا ماء جديد. الخزان مكتمل. صبوا الماء. إذا بالماء كذلك ما زال فيه ريحة النجاسة. الآن أين النجاسة موجودة؟ ليست موجودة. من أين جاءت الريحة؟ بالمجاورة. هل الماء الذي فيه ريحة النجاسة طاهر أم ليس بطاهر؟ الصحيح أنه طاهر. لأن هذا الطعم أو ذاك أو تلك الريحة هي بالمجاورة. ليست بالمخالطة. فالماء طاهر. وليس بنجس. واضح. ومثل هذا يحصل كذلك في الآبار، وفي بعض الجداول، وحتى البحار. حتى البحار. فمثلًا يوجد بئر سقط فيها كلب أو قط، فنزح هذا الكلب من هذا البئر. تعرفون البئر: الأبار تنزح منها الماء. ليست الأبار اليوم التي على غطاس ما تشوف الماء. إنما الأبار القديمة: يعني كان بعض الأبار القديمة الذي يعرفها بعض الآباء تنزل فيها وتسبح وتطلع. يوجد خشبة على أطراف البئر وتخرج منها وتطلع. فمثل هذه الأبار إذا سقط فيها حيوان ومات ينزح هذا الحيوان وينزح الماء. لكن كلما نزحت من الماء جاء ماء جديد. ليس كذلك الذي يعرف الأبار. كلما خرجت الماء يجي ماء جديد. فأنت تخرج قدر المستطاع فيزول أثر عين النجاسة. ما ترى للنجاسة عين. لكن مع ذلك يبقى ريح النجاسة في هذه البئر أيام. ما يزول بسهولة. ماذا نقول؟ لا يجوز استخدام هذه البئر. لا، استخدم هذا البئر. طيب، هذه الريحة الموجودة في البئر لمدة أيام وما زالت الريحة موجودة. هذه الريحة بسبب ماذا؟ المجاورة لا بسبب المخالطة. فلا يضر وجود هذه الريحة لأنها بسبب المجاورة لا بسبب المخالطة. مثال آخر: بعض البحار والأنهار تصب فيها أكرمكم الله المجاري. المكان الذي يصف فيه المجاري ذاك المكان يتعكر وتغير. فترى عين النجاسات. وهذا ظاهر لمن يعرف هذه الأماكن. وقد زارها. يجد مكان البحر ذاك أو النهر أو بحيرة أو نحوها متعكر. لكن أحيانًا حتى في الطرف الآخر من البحر تجد ريحة لهذا البحر. هذه الريحة ليست بالمخالطة ولكن بماذا؟ بالمجاورة. يعني ريحة النجاسة عكرت على المكان بأكمله. حتى النجاسة ما تصل إلى عندك. لأنك ترى الماء عندك نظيف. ما فيه شيء من أثر النجاسة. وأنت بعيد. بينك وبين موضع النجاسة مسافة بعيدة. ومع ذلك تجد ريح النجاسة موجود إلى المكان الآخر البعيد. هذا الريح جاء بسبب ماذا؟ المجاورة لا بسبب المخالطة. وهكذا قل. فالضابط إذن: وجود عين النجاسة. فإذا زال عين النجاسة وبقيت الريح أو بقية الطعم، فإن هذا يدل على أن الباقي من أثر المجاورة لا من أثر ماذا؟ لا من أثر المخالطة. نعم.