الدرس في كتاب الإيمان 68، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
كان عبد الله بن عباس حبر الأمة وعالمها، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام أن يفقهه الله في الدين. سعى ابن عباس جاهدًا لتحصيل العلم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي صلى الله عليه وسلم صحح مفاهيم أصحابه حول الشهادة وأمر بإعلان أن الجنة للمؤمنين فقط، مشددا على خطورة الغلول. الحكم على الناس بالشهادة يحتاج إلى معرفة نياتهم.
المقطع يبين خطورة الغلول وأخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها، ويحذر من قتل النفس ويبين أنه كبيرة من كبائر الذنوب. كما يرد على الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، أبو النضر، مفخرة أهل بغداد، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني سماك الحنفي، أبو زميل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، حبر هذه الأمة وعالمها، دعا له النبي عليه الصلاة والسلام أن يفقهه الله في الدين، وعلمه التأويل، فكان من علماء الصحابة. في الحديث، وفي التفسير، وفي الفقه، وكان عمر رضي الله عنه يدخله مع أشياخ بدر، فقالوا لعمر رضي الله عنه: لماذا تدخل هذا الغلام، ولنا غلمان مثله؟ فقال عمر رضي الله عنه: ومن حيث علمتم. ثم دعاهم مرة، ودعا ابن عباس، قال ابن عباس: فعلمت أنه لم يدعني إلا ليريهم. فسألهم عن قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، فسأل عمر رضي الله عنه أشياخ بدر عن هذه السورة، وكل يجعل يأتي بما يعنيه، أو يراه في معنى هذه السورة، حتى سأل ابن عباس، فقال رضي الله عنه: هو أجل رسول الله، أعلمه الله إياه. فقال عمر رضي الله عنه: لا أعلم منها إلا ما ذكرت. فبين لهم عمر رضي الله عنه غزارة علم ابن عباس، وقوة فهمه، وفقهه. لأجل ذلك كان يدخله معهم، مع صغر سنه، لكنه كان كبيرا في العلم. وهذه الدرجة التي نالها ابن عباس، مع دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، كانت لها أسباب، ومنها همته العالية في طلب العلم، وحرصه على طلب العلم. كان حريصا على طلب العلم، وطلب الحديث. ومن ذلك قصة ابن عباس مع الأنصار، لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وجالس الصحابة رضوان الله عليهم، مدرسون ويعلمون، فقال لصاحبي الأنصار: لنذهب نأخذ العلم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له صاحبه: أو تظن أن الناس يحتاجون إليك؟ قال: فترك، وأقبلت على مجالس العلم، فأمرت الأيام، فنظر صاحبه الأنصاري، وإذا بالناس ملتفين حول ابن عباس، قد احتاجوا له، وإلى علمه، فقال: لقد كان هذا الفتى أعقل مني. كان ربما يأتي إلى بيت الصحابة في وقت القيلولة، فيقيل تحت باب بيته، ينتظر خروجه، حتى يسأله عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام. هذا من شدة حرصه. فنال علما كثيرا، وعلما غزيرا، شهد له بذلك الصحابة رضوان الله عليهم، كما سمعنا في أثر عمر رضي الله عنه. وابن مسعود رضي الله عنه يقول في ابن عباس: ترجمان القرآن. ومات ابن مسعود، وعاش ابن عباس بعده ثلاثين سنة. فماذا عسى أن يقول ابن مسعود إذا أدركه في ذلك الوقت؟ هذا يدل على سعة ما كان عليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من العلم، وقوة الفهم. كان عمر رضي الله عنه يقول فيه: «ذاك الفتى السؤول، ذاك الفتى العقول، ذاك لسان سؤول»، يعني كان ذا عقل وفهم، مع حرص على السؤال، والسؤال باب من أبواب العلم. الإمام الزهري رحمه الله يقول: «العلم كنوز، مفاتيحها السؤال». فالسؤال عن العلم هذا من طرق تحصيل العلم، أن تسأل عن أمور دينك. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا، إني رأيته في النار، في بردة غلها، أو عباءة». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ابن الخطاب، اذهب فنادِ في الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». قال: فخرجت، فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. هذا الحديث حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أخبر بأمر حصل في يوم خيبر. قال: أقبل نفر من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: فلان شهيد، يعني الذين قتلوا في غزوة خيبر، فجعلوا يذكرون بعض الذين قتلوا في تلك الغزوة، ويقولون: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلا»، أي: ليس كذلك. إني رأيته في النار، في بردة غلها، أو عباءة. فهذا يدل على أنه لا يجزم للإنسان بالشهادة، وإن مات في أرض المعركة، أو في قتال العدو. لأن الجزم له بالشهادة معنى أنه من أهل الجنة، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك. فالله عز وجل أعلم بمن يجاهد في سبيله. والنبي صلى الله عليه وسلم سئل: «الرجل يقاتل رياء، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». فالذي يعلم ما في قلب العبد، والله سبحانه وتعالى، قد يقاتل الإنسان، وهو في الظاهر أنه يجاهد في سبيل الله، لكن نيته أخرى. فلذلك لا يجزم له بالشهادة، لكن يقال: نرجو له الشهادة. فالنبي عليه الصلاة والسلام، لما قالوا: فلان شهيد، قال: «كلا»، أي: ليس كذلك. من يعلم هذا الأمر، أنه ليس بشهيد. هم حكموا على الظاهر، لكن الله عز وجل أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام بشيء حصل منه، منع أن يطلق عليه لفظ الشهادة. فقال: «إني رأيته في النار، في بردة غلها». الغلول: الأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم. والغلول محرم، وما كان لنبي أن يغل، ومن يغل يأت بما غل يوم القيامة. فالغلول أخذ للمال بغير حق. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»، يعني من المال الذي أخذه الإنسان بغير حق. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام عمر بن الخطاب أن ينادي في الناس: «إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»، يعني حقا المؤمنون. أما أهل النفاق الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، هؤلاء ليسوا من أهل الجنة. وإن أظهروا عمل أهل الجنة، إن قاتلوا وجاهدوا، لكن لم يكونوا من أهل الإيمان، فإنهم لا يدخلون الجنة. فقول عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»، يعني الكامل الإيمان، يدخلون الجنة دخولا أوليا. ومن كان عنده ذنوب ومعاصي وكبائر، فهذا قد يؤخر دخوله للجنة، بعد أن ينقى من ذنوبه ومن معاصيه، إذا شاء الله عز وجل أن يعذبه، ثم يكون بعد ذلك مصيره إلى الجنة. قال: وحدثني أبو الطاهر، قال: أخبرني ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن ثور بن زيد الديلمي، عن سالم أبي الغيث، مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا -يعني فضة- غنمنا المتاع والطعام والثياب. ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له، وهبه له رجل من جذام، يدعى رفاعة بن زيد، من بني الضبيب. فلما نزلنا الوادي، قام عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحله -يعني يرفع ما يوضع على الرحل- قال: فرمي بسهم، فكان فيه حتفه -يعني مات-. قال: فقلنا: هنيئا له الشهادة، يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم». والشملة هي البردة، الكساء المخطط. قال: أخذها من الغنيمة قبل أن تقسم، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن تشتعل عليه نارا. وهذا دليل على خطورة الغلول. فلما ذكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، جاء رجل بشراك أو شراكين -يعني من نعل- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شراك من نار، أو شراكان من نار»، يعني: حتى ولو كان الغلول قدر الشراك، إذا أخذ الإنسان نعلا غلولا، أخذها قبل أن تقسم الغنيمة، يعذب بسببها. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، جميعا عن سليمان، قال أبو بكر: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر، أن الطفيل بن عمر الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ قال: حصن كان لدوس في الجاهلية. فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار. يعني أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب مع الطفيل إلى دوس، ودوس من بلاد اليمن، والطفيل من بني الدوس، من أهل اليمن. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمر، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض -يعني صاحب الطفيل- فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه -أخذ سهم حاد، وقطع به أطراف أصابعه- فشخبت يداه -يعني سال الدم- حتى مات. قال: فرآه الطفيل بن عمر في منامه، فرآه في هيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، قال له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم وليديه فاغفر». هذا الحديث يدلنا على أن قتل النفس معصية، وذنب، وكبيرة من كبائر الذنوب، لكن يدل هذا الحديث على أن من قتل نفسه ليس بكافر. فصاحب الطفيل قتل نفسه، بما فعل من قطعه لبراجمه، وسيلان الدم حتى مات. فرآه الطفيل، وهو في صورة حسنة، في هيئة حسنة، إلا أن يديه مغطاة. فلما سأله عن ذلك، أخبر أنه قيل له: لن نصلح منك ما أفسدت. فقص على النبي عليه الصلاة والسلام، وأقر النبي عليه الصلاة والسلام هذه الرؤية، ودعا له أن يغفر الله عز وجل ليديه. فأدل هذا على أن من قتل نفسه ليس بكافر، وإن كنا نحكم حكما عاما أن من فعل ذلك فهو آثم، ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ومعرض لدخول النار. هذا الحكم عام، أما الأشخاص، وأمرهم إلى الله، يعني ما نجزم لشخص فعل ذلك أنه من أهل النار. نقول: نخاف عليه ذلك، نخاف عليه دخول النار، لأن فعله هذا محرم، وكبير من كبائر الذنوب، وقد أوعد فاعله بدخول النار. مع ذلك لا نجزم كما أننا نجزم للمؤمن والطائع والصالح بدخول الجنة، لكن نرجو له ذلك. كذلك لا نجزم لصاحب المعصية بدخول النار. وهذا الحديث يدل على أن فاعل الكبيرة، ومن قتل النفس، أنه لا يكفر بذلك. وفي هذا رد على الخوارج الذين يكثيرون بالكبائر. فهذا كبيرة، ومع ذلك غفر الله سبحانه وتعالى له، ولم يكن بفعله لها كافرا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.