شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 29

شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 29

الدرس في شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 29، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

حكم تطهير الأرض من النجاسة وهل يشترط الماء أم تكفي الشمس والريح

يشرح المقطع حديث الأعرابي الذي بال في المسجد وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بوله، مبيناً معنى "الذنوب" بأنه الدلو الممتلئ ماءً. ثم يستعرض خلاف العلماء في اشتراط الماء لتطهير الأرض، حيث ذهب الجمهور للوجوب، بينما رأى أبو حنيفة وصاحباه وابن تيمية وابن القيم والعثيمين أن زوال عين النجاسة بالشمس أو الريح يكفي للطهارة.

طهارة الأرض من النجاسة وهل يشترط الحفر لإزالة البول

يوضح المقطع رأي ابن عثيمين في أن إزالة النجاسة لا تشترط النية وتكفي بالماء، ويناقش خلاف الفقهاء في اشتراط حفر الأرض الملوثة بالبول. الحنفية يشترطون الحفر مستدلين بحديث مرسل وضعيف، بينما الجمهور يرون كفاية صب الماء استناداً لحديث أنس الصحيح، مع بيان نجاسة بول الآدمي ووجوب المبادرة بإزالتها.

آداب المساجد والرفق في التعليم وقاعدة درء المفاسد

يشرح المقطع كيفية تطهير الأرض النجسة بكثرة الماء، ويؤكد على احترام المساجد وتنظيفها من القاذورات. كما يبرز رفق النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم الجاهل عبر قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث عامله باللين ولم يزجره، مستدلاً بقاعدة فقهية عظيمة هي ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما، وأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد.

الخاتمة والدعاء

يختتم المتحدث بالدعاء بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. كما يحمد الله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد: مرّ معنا في الدرس الماضي الكلام حول حديث من أحاديث بابٍ، أو باب في المذي وغيره، وهو من أبواب كتاب "عمدة الأحكام"، ألا وهو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد. الأعرابي: قلنا هو الذي يسكن البادية، هو الذي يسكن البادية. وجاء في بعض الروايات تعيين ذلكم المبهم، وأنه من نعم اليماني، ذو الخويصرة اليماني، لكنه مرسل من مراسيل سليمان بن يسار. وهكذا أشار الحافظ في "الفتح" أن في إسناده أيضًا مبهمًا بين محمد بن إسحاق وبين محمد بن عمر بن عطاء، فلا يصح، فلا يصح. قال: "فبال في طائفة المسجد"، أي في ناحية المسجد. فزجره الناس، وقلنا: الزجر هو النهي والمنع، والمقصود هاهنا أنهم نهروه. قال: "فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم"، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أبي داود: قال: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين"، ولم تبعثوا معسرين. "صبوا عليه سجلًا من ماء، أو قال: ذنوبًا من ماء". أكذا جاء في رواية أبي داود رحمه الله. قال: "فلما قضى بوله"، أي الأعرابي، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه. وقلنا: الذنوب هو عبارة عن الدلو. قال الشافعي: الدلو العظيم. وهكذا قال غيره. وذكر غير واحد من أهل اللغة أنه لا يسمى ذنوبًا إلا إذا كان مملوءًا بالماء، مملوءًا بالماء، إذا مملوءًا بالماء. وقوله: "فأهريق عليه"، أي صبًّا وسكبًا على ذلكم البول، على ذلكم البول. ومن مسائل هذا الحديث: هل يتعين الماء لتطهير الأرض، أم أنه يجوز أن تطهر بغير الماء؟ على سبيل المثال: بال شخص في ثوب، أو في سجاد، أو في مكان، هل لابد أن يؤتى بالماء فيصب عليه حتى يطهر، أو ممكن يطهر بغير الماء ك الشمس والرياح وغير ذلك؟ الجمهور من أهل العلم استدلوا بهذا الحديث على أنه يتعين لتطهير الأرض أن يكون بالماء، وقالوا: لو كان يحصل التطهير بالجفاف، بالجفاف، لما حصل التكليف بطلب الماء، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يأتوا بذنوب فيه ماء فيصب على بول ذلكم الأعرابي. وخالف في هذا جماعة من أهل العلم كأبي حنيفة وصاحبيه. من هما صاحبه؟ أبو حنيفة وصاحبيه. نعم: محمد بن الحسن الشيباني، القاضي أبو يوسف. أحسنت. يعقوب: هما صاحب أبي حنيفة. فذهبوا إلى أن النجاسة إذا أزيلت بالشمس، أو بالريح، أو بغيرهما، حتى ذهب أثرها، صار المحل الذي وقعت فيه النجاسة طاهرًا. وقد رجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهكذا جده أبو البركات ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم كما في كتابه "إغاثة اللهفان". وهكذا رجحه العلامة العثيمين، رحم الله الجميع. ابن عثيمين يقول: "وهذا هو الصواب، وهذا هو الصواب". ماذا الصواب؟ ما هو الصواب عندك؟ قال: "وهذا هو الصواب". ما هو... آه، أيش الصواب؟ هذا أن النجاسة إذا زالت بسبب... ماذا؟ الشمس أو الريح، فعندها يعتبر الموضع طاهرًا أو نجسًا؟ طاهرًا. أحسنت. فيعتبر الموضع طاهرًا. قال ابن عثيمين: "وهذا هو الصواب" لما يلي: أولًا: أولًا، قال: إن النجاسة عين خبيثة، نجاستها بذاتها، فإذا أزيلت، أو فإذا زالت، عاد الشيء إلى طهارته. ثانيًا: قال: إن إزالة النجاسة ليست من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل بأي سبب كان زال الحكم. قال: "ولهذا لا يشترط لإزالة النجاسة نية، لا يشترط لإزالة النجاسة نية، فلو نزل المطر على الأرض المتنجسة وزالت النجاسة طهرت". قال: "والجواب عما استدل به الحنابلة"، يعني الحنابلة والجمهور معهم، قال: "إنه لا ينكر أن الماء طهور، وأنه أيسر شيء تطهر به الأشياء، أسرع شيء ممكن تطهر به الأشياء هو الماء". قال: "لكن إثبات كونه مطهرًا لا يمنع أن يكون غيره مطهرًا، لا يمنع أن يكون غيره مطهرًا". قال: "وأما بالنسبة لحديث أنس، أي في قصة الأعرابي، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصب عليه الماء، أي على بول الأعرابي، الماء، قال: لأجل المبادرة بتطهيره، لأن الشمس لا... لا تأتي عليه مباشرة حتى تطهره، بل يحتاج ذلك إلى أيام، والماء يطهره في الحال. قال: والمسجد يحتاج إلى المبادرة بتطهيره لأنه مصلى الناس". انتهى كلام العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. وهذا القول هو ظاهر ترجيح شيخنا العلامة عبد الرحمن العدني رحمه الله تعالى. وهل يشترط في الأرض التي تصيبها النجاسة بالبول وغيره، هل يشترط حفر الأرض وأخذ التراب ويلقى في مكان بعيد لكي بعد ذلك نصب الماء ويطهر هذا الموضع؟ الحنفية ذهبوا إلى اشتراط ذلك إذا كانت الأرض صلبة، قالوا: لابد تأخذ هذه التراب، يحفر هذا الموضع ويرمى لكي يطهر هذا المكان. واستدلوا بما أخرجه أبو داود وغيره عن عبد الله بن معقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قصة الأعرابي: "خذوا ما بال عليه من التراب، فالقوه، وأهريقوا على مكانه ماء". لكن قال أبو داود رحمه الله تعالى عقبه: "هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم". والمرسل من قسم الصحيح والضعيف... المرسل، نعم، الضعيف. المرسل من قسم الضعيف، ولا يقبل إلا مراسيل الصحابة، إلا مراسيل الصحابة، فقد اتفقوا على قبولها والاحتجاج بها كمراسيل صغار الصحابة وغيرهم. أيضًا جاء الأمر بالحفر من حديث ابن مسعود، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، وكلها منكرة، لا يصح منها شيء كما في "التلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر. ولهذا ذهب الجمهور من أهل العلم إلى عدم اشتراط الحفر، سواء كانت الأرض صلبة أو كانت رخوة. قالوا: لا يشترط الحفر، بل يكفي ماذا؟ نضحوا الماء، وصبوا الماء عليه. واستدلوا على ذلك بحديث الباب، بحديث الباب، أي حديث أنس في قصة ذلكم الأعرابي. وهذا الحديث... هذا الحديث فيه دليل على نجاسة بول الآدمي، كبيرًا كان أم صغيرًا، ذكرًا كان أم أنثى. أيضًا في هذا الحديث: المبادرة إلى إزالة النجاسة، الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بذنوب فيه ماء وصب على بول الأعرابي مبادرة. ولهذا إذا جاء طفل صغير وبال في المسجد، فهذا البول نجس، وينبغي أن يطهر هذا الموضع، وأن يبادر إلى إزالة هذه النجاسة. وهكذا في هذا الحديث: إن تضخير الأرض النجسة يكون بمكاثرة الماء عليها، بأن يصب عليها الماء الكثير فتطهر عند ذلك. أيضًا في هذا الحديث: احترام المساجد، احترام المساجد وتطهيرها من القاذورات والنجاسات. أنت رأيت شيء مرمي في المسجد، قد يكون ماذا؟ يعني قطعة ورق مرمية في المسجد، خذها واخرجها خارج المسجد، أو ضعها في المكان المخصص لوضعها. وهكذا أيضًا غيرها من القاذورات. أحيانًا ترى بعض المساجد فيها أشياء... فيها أشياء لا تليق، فالبعض يراها ويمر كأنه... ماذا؟ لا يعنيه ذلك. يا إخوان: احترام المساجد وتطهيرها من القاذورات والنجاسات، تبخيرها، كنسها وتنظيفها، فهذا... ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. أيضًا في هذا الحديث: الرفق بتعليم الجاهل ما يحتاجه بالحسن من غير تعنيف. ولاحظوا كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الأعرابي، قال: "ما نهرني ولا كهرني"، قال: "ما رأيت معلمًا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم". ولهذا جاء في بعضها أنه قبل أن يبول، وفي بعضها أنه بعد أن بال دعا فقال: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا أبدًا". قال عليه الصلاة والسلام: "لقد حجرت واسعًا"، أي ضيقت. "ادعُ لإخوانك، ادعُ..." يعني: ادعُ لإخوانك. فالشاهد من هذا: الرفق بتعليم الجاهل. حتى الأطفال يأتي طفل أحيانًا يلعب في المسجد، طيب، انصحه برفق. بال في المسجد، لا تصيح، لا ترفع صوتك. بال الأعرابي، فكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم معه؟ وهكذا أيضًا فيه سماحة خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أرشد الأعرابي برفق ولين، قال له: "إن هذه المساجد لم تبنَ لهذا، إنما بنيت للصلاة والتسبيح وقراءة القرآن"، فأرشدَه إلى ما يصلح برفق ولين. وهذا فيه دليل يا إخوان على معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لطبائع البشر وما يصلحهم. وأخيرًا: هذا الحديث يا إخوان دليل لقاعدة من القواعد الفقهية، فما هي؟ هذا الحديث أصل ودليل لقاعدة فقهية، ما هي؟ نعم، أحسنت، أحسنت. النبي صلى الله عليه وسلم يا إخوان، لما بال الأعرابي، وهمّ الناس أن يزجروه، قال: "دعوه، لا تزرموه"، أي لا تقطعوا بول الرجل. ما الذي سيقع إذا قطعوا بوله؟ سيتضرر أولًا، ثم المكان قد تنجس، المكان قد تنجس، غاية ما في الأمر ستزيد رقعة النجاسة. لكن إذا زجروه ماذا سيفعله؟ سيجري، والبول يتناثر هنا وهنا وهنا وهناك. فماذا هنا؟ المفسدات ستكون أعظم. الرسول قال: "دعوه، لا تزرموه"، ليس إقرارًا للبول، ولكن دفعًا لأعظم الضررين وأعظم المفسدتين بأخفهما. وهذا... أو هذه قاعدة عظيمة تدخل ضمن القاعدة الكبرى: أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد. وفي هذا يقول العلامة السعدي رحمه الله تعالى في منظومته في القواعد الفقهية: "وتأولوا الدين مبني على المصالح في جلبها والدرء للمفاسد، أكمل. فإن تزاحم عدد المصالح قدم، أو يقدم الأعلى من المصالح. وضده تزاحم المفاسد، نعم، يرتكب الأدنى من المفاسد، يرتكب الأدنى من المفاسد". فنختم هذا المجلس بهذه المسائل، ونترك الحديث حول خصال الفطرة، وخاتمة هذا الباب في حديث أبي هريرة، في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. أفلح الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.