التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 56

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 56

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في مسألة العمامة وتحريم التشبه بالكفار

يناقش موضوع العمامة وتحريم تشبه المسلمين بالكفار، حيث يشير إلى كراهية لبس العمامة بدون تحنيك أو ذؤابة تشبها باليهود والنصارى عند الإمام أحمد بن حنبل. يشير أيضًا إلى اختلاف طريقة لبس الصحابة والتابعين للعمائم عن الكفار.

تحليل الأحاديث والروايات المتعلقة بالتشبه بغير المسلمين

يتناول المقطع تحليل أحاديث وروايات تتعلق بالتشبه بغير المسلمين، حيث يشكك في صحة بعض الروايات لضعف الرواة أو الإسناد، ويشير إلى أن أحاديث ثابتة مثل 'من تشبه بقوم فهو منهم' تدعم المعنى العام للروايات الضعيفة.

أحكام التشبه بالكفار وتحريم اللباس المشابه

يناقش تحريم التشبه بالكفار وأهمية التفريق الظاهري بين المسلمين وغيرهم، ويبين عدم صحة حديث حول التفريق بين المسلمين والمشركين في اللباس، ويشير إلى تحريم التشبه بالكفار والمتشبهين بالجنس الآخر.

الأصل الأصيل في شرع الله وتأكيد أهميته

يشير إلى وجود أصل أصيل في شرع الله عز وجل وتعدد الأدلة عليه، ويبين أهمية هذا الأصل في الشرع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، ذكر هنا شيخ الإسلام بعض المسائل عن أحمد. قال الإمام أحمد في إنكار بعض الأشياء التي هي مشابهة للكفار. قال: وقال الميموني: رأيت عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك. وقال: العرب عمائمها تحت أذقانها. فنذكر مسألة العمامة، والمعروف عند العرب أن العمائم التي يلبسونها إما تحنيك وتكون لها ذؤابة، أو ذؤابة بدون تحنيك. تحنيك معناه: يضعها تحت حنكه، هذا يسمى تحنيك. وغالبًا يفعلونها في الحروب وغيرها، وصارت كالشعار للناس يلبسونها هكذا. فلهذا يقول الميموني -والميموني هو عبد الملك بن عبد الحميد من أصحاب أحمد، وله مسائل كثيرة عنه- قال الميموني: رأيت أبا عبد الله -أحمد بن حنبل- عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك. وقال: العرب عمائمها تحت أذقانها. وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد -والحسن بن محمد هو ابن صباح السعفراني، صاحب الشافعي، وهو من يروي المذهب القديم عن الشافعي، ورووا أيضًا مسائل عن أحمد- قال أحمد في رواية الحسن بن محمد: يكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك كراهية شديدة. وقال: إنما يتعمن بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس. ولهذا أيضًا كره أحمد لباس أشياء كانت شعار الظلم في وقته، من السواد ونحوه. وكره هو وغيره تغميض العين في الصلاة، وقال: هو من فعل اليهود. ألا مسألة العمامة، كما قلنا: أن العمامة العرب كانوا إما أن يجعلوها تحت الحنك وتكون لها ذؤابة، وأما العمامة التي ليست لها ذؤابة ولا تكون تحت الحنك، فهي ليست من عمائم العرب، وإنما كان يعمن بها اليهود. وألزمهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألزمهم بهذه العمائم، وهو ما يسمى بالاكتعاض. والاكتعاض: جاء حديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاكتعاض، لكنه لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. هو الاكتعاض: هو جعل العمامة بدون ذؤابة ولا تحنيك، أنا يكورها تكويرًا مثل ما يفعل بعض أهل التصوف وغيرهم، مثل ما يفعل أيضًا أهل التشيع. معنى: يجعلون عمامة مكورة فقط، بدون ما يخرجون شيئًا منها. فهذا كان دأب اليهود والنصارى في زمن عمر، ألزمهم بذلك، وألزمهم بالزنارتين. معنى: يخرجون شعرًا يسمى الزنارة، وبعض اليهود إلى الآن يفعلونها. وهذا لأجل يميزهم عن غيرهم، حتى يعرف أن هؤلاء من الكفار. فلهذا كره العلماء الاكتعاض، وهو كما قلنا: أن يعمم أو يجعل عمامة بدون حنك ولا أيضًا ذؤابة. قد كانت عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ذؤابة في خلفها أربعة أصابع. ومن الصحابة من كان يزيد في الذؤابة، حتى كان عبد الله بن الزبير كانت ذؤابته تعتبر دراعًا أو تقاس بالدراع. والذؤابة كما قلنا: هو ما يخرج من العمامة من الخلف. وأيضًا قد تخمر، قد يجعلها الإنسان خمارًا مثل ما يفعل الآن في الخليج. والعاصل: أن هذه الأشياء جائزة، لكن ما ميز به الكفار فأهل الإسلام لا يقلدونهم فيه. وقد كان أحمد رحمه الله يكره العمامة التي ليس فيها تحنيك، لأنها تشبه عمائم اليهود والنصارى. قال: وكره هو وغيره تغميض العين في الصلاة، وقال: هو من فعل اليهود. أي: أحمد كره تغميض العينين في الصلاة لأجل هذا، لأنه من فعل اليهود، يغمضون عينهم عند عبادتهم. ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من ذلك. ولهذا ذكرها الحنابلة في مكروهات الصلاة. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله: أنه إن كان الإنسان يحس بالخشوع إذا أغمض عينيه فلا بأس، وإلا فهي مكروهة. وأيضًا تقليد اليهود. قال: قد روى أبو حفص البرذئي بإسناده عن بلال بن أبي حدرت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تمعددوا واخشوشنوا وانتعلوا وامشوا حفاة». وبلال بن أبي حدرت ليس صحابيًا، وبعضهم سماه القعقاع بن أبي حدرت. ولعل أحد الرواة وهم فسماه بلال، وإنما هو القعقاع بن أبي حدرت. وهذا كما سيذكر شيخنا: أنه مشهور عن عمر، وليس عن ابن أبي حدرت. وهذا إسناده لا يصح. قال: وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كتب إلى المسلمين -وسيأتي ذكره إن شاء الله في كلام الخلفاء الراشدين- أنه كتب -كما جاء عن الظاهر عن أبي عثمان، وسيأتي أنه كتب إلى بعض عماله هذا الكلام أو نحوه- «تمعددوا واخشوشنوا» والمراد تمعددوا: أي لا تأكلوا كثيرًا لتشبعوا، «واخشوشنوا»: عن أنكم لا تلبسوا اللباس الذي فيه الزينة. «وانتعوا وامشوا حفاة». أنا افعلوا: انتعلوا، وكذلك امشوا حفاة. وهذا يوافق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم عن الرجل أنه كان قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالاحتفاء حينًا» -أي: أن نمشي حفاة بدون النعال. قال: وقال الترمذي: حدثنا قتيبة -هو ابن سعيد- قال: حدثنا ابن لهيعة -هو عبد الله بن لهيعة الحضرمي- وهو كما معروف أنه ضعيف، لكن بعضهم يقول: أن قتيبة روى عنه من كتبه، فلهذا الشيخ الألباني حسنا رواية قتيبة عن ابن لهيعة. لكن كما قلنا: صحيح أن ابن لهيعة حديثه ضعيف، سواء كان رواه العباد أو غيره، وإنما رواية العباد أحسن من غيرها. قال: حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن نبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف». قال: وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة ولم يرفعه. وهذا الحديث لا يصح، أولًا لضعف ابن لهيعة، وكذلك أيضًا أن ابن لهيعة لم يسمع من عمرو بن شعيب. وهذا الذي قاله جماعة من أصحابه. ولهذا قيل لابن لهيعة: أن عبد الله بن وهب المصري يقول: إنك لم تسمع من عمرو بن شعيب، فغضب وقال: قد سمعت منه قبل أن يجتمع بأمه. أنا يقول ابن لهيعة: قد سمعت من عمرو بن شعيب قبل أن يتزوج أبوه بأمه. لكن هذا قد يكون من وهمه، وإلا أكثر أهل العلم يجزمون على أنه لم يسمع من عمرو بن شعيب ولم يلقه. وظاهر أنه في آخر وقته كان ينسى كثيرًا، ولعل هذا من نسيانه. وقد أصابه أيضًا اختلاف في فترة من الفترات، قيل: لأجل أنها اختلطت كتب، احترقت كتبه. وقيل: لأنه أصيب بشيء في رأسه فنسي أشياء كثيرة. ولعل هذا منها: توهم له أنه سمع من عمرو بن شعيب وهو لم يسمع منه. وإنما سمع هذا الحديث من الصباح بن المثنى أو المثنى بن الصباح، والمثنى سمعها من محمد بن عبيد الله العرزمي، وكلهم ضعفاء. فلهذا فالحديث لا يصح. قال: وهذا وإن كان فيه ضعف، فقد تقدم الحديث المرفوع: «من تشبه بقوم فهو منهم». وهو محفوظ عن حذيفة بن اليمان أيضًا من قوله. وهذا يدل على أن الحديث ثابت: «من تشبه بقوم فهو منهم». وحديث ابن الله -يعني حديث عمرو بن شعيب- يصلح للاعتضاد. كذا كان يقول أحمد وغيره. قال: لكن من روايتي -يعني من روايتي رواها عن الثقات أو رواها عن من سمع منه- أما روايتي عن عمرو بن شعيب فهي ضعيفة جدًا. قال: وأيضًا ما روى أبو داود قال: حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي قال: حدثنا محمد بن ربيع -هو الكلابي الرؤاسي، وهو كوفي ابن عم وكيع بن الجراح- قال: حدثنا أبو الحسن العسقلاني. وأبو الحسن العسقلاني مجهول، وعسقلان معروف في فلسطين. قال: عن أبي جعفر محمد بن علي بن ركان. وكذلك أيضًا أبو جعفر هذا مجهول. قال: أو محمد بن علي بن ركان. ومحمد بن علي معروف، أخرج له أبو داود وغيره، وهو صدوق. أما أبو جعفر هذا فهو غير معروف. قال: عن نبيه أن ركان تصارع عن النبي عليه الصلاة والسلام فصرعه. قال ركان: وسمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس». ومصارعة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر أنها ثابتة. وركان هذا رجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصرع الناس، وكان لا يصرعه أحد، فلقيه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: «تصارع يا ركان؟» قال: أنت يا رسول الله؟ قال: نعم. فتصارع معه فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه المصارعة فيها ضعف -أي: الحديث- لكن كثرتها تدل على أن لها أصلًا. لكن هذا الحديث لا يصح، بل هو حديث ضعيف جدًا. فقوله: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس» ليس صحيحًا. قال: وهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود. ورواه الترمذي أيضًا عن قتيبة، لكن فيه كما قلنا: مجاهيل. قال: وقال: غريب، وليس إسناده بالقائم. ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة. أنا يريد ابن ركان هذا: محمد بن علي، أو هذا أبو جعفر بن محمد بن علي. قال: وهذا القدر لا يمنع أن يعترض بهذا الحديث ويستشهد به. وهذا بين في أن مفارقة المسلم للمشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع، كقولي: «فرق ما بين الحلال والحرام الدف والصوت». الدف: معنى هذه الآلة. والمراد بالصوت: هو إعلان النكاح. معنى: الفرق بين الحلال والحرام: أنه يجوز في الأعراس أن يضرب الدف ويرفع الصوت بالغناء -المراد الغناء الذي ليس فيه موسيقى، وكذلك ألفاظه صحيحة- وأما الغناء الذي فيه موسيقى فهو لا يجوز، وكذلك إذا كانت ألفاظه فاحشة أو فيها محرم فهذا لا يجوز. وأما الغناء الذي ليس فيه شيء من هذا فهو حلال، وخاصة في الأعراس وفي المناسبات كذلك الدف. أجازه النبي عليه الصلاة والسلام في المناسبات أو الأعراس للنساء. قال: فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر، إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون العمامة حاصل. فلولا أنه مطلوب بالظاهر أيضًا لم يكن فيه فائدة. لكن كما قلنا: الحديث لا يصح، ولا يستدل به. وإن صح مثلًا أصله، فمعنى مسألة وضع العمائم على القلانس هذا لم يثبت. قال: وهذا كما أن الفرق بين الرجال والنساء لما كان مطلوبًا ظاهرًا وباطنًا -يعني من باب الاعتقاد ومن باب الظاهر، وهو اللباس وما يكون نحوه- لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء. أخرجوهم من بيوتكم -أي: أخرجوا المتشبهين من النساء بالرجال- قال: ونفى المخنث. المخنث: ذاك الذي كان يدخل على أم سلمة، فكان يقول: مخنث -معنى: يتشبه بالنساء- وإذا قيل مخنث فقيل: أنه الذي يفعل به كما يفعل بالمرأة. لكن هنا المراد به: من يتشبه بالنساء. فهذا يسمى مخنثًا. ونفاه النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع من كلامه عند النساء، وقال: «لا يدخل عليكم هذا». كان رجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على النساء لأنه يظنونه من ذوي الإربة، لكن سمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فكان يقول لأم سلمة: «لو رأيت بني الأصفر، فإن إحداهن تقبل بأربع وتدبر بأربع». وهذا كلام خبيث، وكلام أيضًا رجل يصف النساء. فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا هذا، لا يدخل عليكم». ونفاه أيضًا، ونفاه بعد ذلك. قال: لما كان رجلًا متشبهًا في الظاهر بغير جنسه، فهذا أيضًا من المسائل التي فيها التشبه. وسيذكر أيضًا شيخ الإسلام عدة مسائل من هذا الباب جاءت في الشرع فيها أيضًا مخالفة اليهود. وهذا من توسعه رحمه الله في الاستدلال، وإلا ما ذكره كافيًا في الاستدلال بتحريم التشبه بالكفار. لكن أطال رحمه الله، وأراد أن يبين أن هذا أصل أصيل في شرع الله عز وجل، وقد تكاثرت فيه الأدلة.