الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ الإسلام حديثا عن الرهبانية التي ابتدعها بعض الناس، ويبين أن الإيمان بالرسول يقتضي مخالفة الرهبانية. من اتبع الرسول له أجران كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
يروي أبو أمامة بن سهل عن صلاة مكتوبة يؤديها النبي، ويحذر من التشدد في الدين، ويذكر قصة رهبانية النصارى الذين شددوا على أنفسهم. تم تضعيف الحديث بسبب وجود مجهول في سنده.
كان النبي يخفف في الصلاة حسب المصلحة، ويقرأ بأواسط المفصل في الظهر والعصر والعشاء، وبطوال المفصل في الفجر، وبقصار المفصل في المغرب. وكان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود.
ذكر ابن عدي أن عطاف بن خالد يروي حوالي مائة حديث، وأشار إلى أن روايته لا بأس بها إذا روى عنه ثقة. أئمة الحديث أكدوا على وجود أوهام في رواية عطاف بن خالد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكر الشيخ الإسلام بعض العوجة التي جاء فيها النهي عن التشبه، قال رحمه الله: لما نهى الله عن التشبه بهؤلاء اليهود الذين قست قلوبهم، وذكر أيضا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها، فعقبها بقوله: ﴿اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾، ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾. قال: فإن الإيمان بالرسول تصديقه وطاعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها. والرهبانية هي التعبد وترك الزواج. رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، أي: ما كتبها عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله عز وجل، ولم يكتب عليهم الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها. قال رحمه الله: وأخبر أن من اتبعه كان له أجران. وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن من اتبعه من أهل الكتاب، فله أجران، عن أجر إيمانه برسوله وأجر إيمانه بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيحصل على أجرين كما جاء في الحديث الصحيح. قالوا: قد صرح صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فيما رواه أبو داود في سننه من حديث ابن وهب، أي: عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمية -وهو الكناني المصري، وهو مجهول- قال الحافظ في التقريب: مقبول. طالع أن سهل بن أبي أمامة حدثه، وسهل بن أبي أمامة يعتبر من كبار التابعين، هو سهل بن حنيف أو سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، معنى: سهل تابعي، وأبوه صحابي، وأبوه صحابي صغير، وأمامة بن سهل وجده سهل بن حنيف صحابي أنصاري أوسي. قال: إن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه، أي: أبو أمامة بن سهل، على أنس بن مالك رضي الله عنه بالمدينة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم». قال: هذا الذي في رواية اللؤلؤي عن أبي داود. وفي رواية ابن داسة -وهي الرواية المشهورة في سنن أبي داود- ورواية اللؤلؤي ليست موجودة، لكن رواها بعض العلماء كالبيهقي وغيره. واللؤلؤي هو محمد بن أحمد بن عمر البصري اللؤلؤي، وهو من آخر من روى السنن عن أبي داود. لكن الرواية المشهورة هي رواية ابن داسة، وهو محمد بن أبي بكر التمار، وهو محمد بن عمر البصري، التي أيضا طبعها عزة الدعاس، وهي من أفضل الطبعات في سنن أبي داود. قال: إنه دخل -والتي أيضا اعتمد التي هي معنى تعتمد في تحفة الأشراف- وكذلك في المعجم المفهرس، قال: إنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة المسافر أو قريبا منها. وهذا الطول موجود في رواية بيعلى الطبراني وغيره، والظاهر أن بعض الرواة اختصر الرواية في سنن أبي داود، في رواية اللؤلؤي أو نفسه اللؤلؤي اختصرها. قال: فلما سلم، أي: أنس، قال: يرحمك الله. أرأيت هذه الصلاة؟ ما أنا يقول له أبو أمامة بن سهل: أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم»، أي: هؤلاء النصارى. قال: ثم غدا من الغد، فقال: لا تركب لتنظر ولا تعتبر. قال: نعم، فركبوا جميعا، فإذا بديار بعد أهلها، وانقضت وفنت بعد أهلها، أي: هلكت بعد أهلها، معنى: أنهم ماتوا من زمان. قال: خاوية على عروشها. قال: تعرف هذه الديار؟ فقال: نعم، ما عرفني بها وبأهلها. هؤلاء أهل ديار أهلكهم الله ببغيهم وحسدهم. إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه. والعين تزني، والكف والقدم والجسد واللسان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. قال المؤلف رحمه الله: فأما سهل بن أبي أمامة فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم وغيره. وأما ابن أبي العمياء، وهو سعيد بن عبد الرحمن، فمن أهل بيت المقدس، ما أعرف حاله. لكن رواية أبي داود للحديث وسكوته عنه يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في الصحيح. وهذا من الأمثلة المتكاثرة التي تبين أن أبا داود قد يسكت على الحديث الذي فيه مجاهيل. فهذا الحديث فيه هذا سعيد بن عبد الرحمن وهو مجهول لم يوثقه أحد. وأما رواية أحمد أو رواية أبي يعلى أو رواية غيره لا توثقه. والحديث جاء من طريق ذكرها البخاري في التاريخ، والطبراني من طريق أبي صالح أو عبد الله من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح المصري عن أبي شريح عن أبي أمامة بن سهل أو عن سهل بن أبي أمامة عن أبيه عن جده سهل بن حنيف، أن أجعله من حديث سهل بن حنيف ولم يجعله من حديث أنس، فلهذا فهذه القصة التي ذكرها قصة منكرة. وهذا الشيخ الألباني رحمه الله ذكر الحديث من سنن أبي داود فذكره في الضعيفة، ثم ذكره في الصحيحة ونسبه إلى البخاري في التاريخ، فالحديث حسن في رواية البخاري. وإن كان صالح أو عبد الله بن صالح المصري أيضا فيه ضعف في حفظه، لكن رواية البخاري عنه فيها قوة. وكذلك أيضا هي متابعة فيه متابعة أبي شريح لسعيد بن عبد الرحمن، وأبو شريح ثقة. فالمهم أن الحديث الصحيح فيه هذا: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار». وجاء في رواية: «ديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم». فهذا هو القدر الصحيح في الحديث. وأما القصة التي ذكرها عن أنس فهي غير صحيحة، فهي قصة منكرة. قال: فأما ما فيه من وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتخفيف، ففي الصحيحين عنه، أي: أنس، قال: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يوجز الصلاة ويكملها». وفي الصحيحين أيضا عنه أنه قال: «ما صليت وراء إمام قط أقصر صلاة ولا أتم من صلاة النبي عليه الصلاة والسلام». زاد البخاري: «وإن كان ليرى بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه»، أي: أن تفتتن في الصلاة. فلهذا قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بحكاية أنس أنه يحكي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخفف في الصلاة، وليس المراد هنا التخفيف الكثير، وإنما التخفيف بالنسبة لما كان يقرأه الناس في زمن بني أمية. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوجز في الصلاة ويخفف في بعض الصلوات كالمغرب والعشاء والعصر والظهر، ويطول في الفجر. قال: ما ذكره أنس بن مالك من التخفيف هو بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء. هذا الذي ذكره الشيخ أيضا هنا وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام زيادة على ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله في غالب الأوقات، ويخفف الركوع والسجود والاعتدال فيهما عما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله في غالب الأوقات. ولعل أكثر الأئمة أو كثيرا منهم كانوا قد صاروا يصلون كذلك في زمن بني أمية. ومنهم من كان يقرأ في الآخرتين مع الفاتحة السورة، وهذا كله قد صار مذاهب لبعض الفقهاء، معنى: قالوا بهذا. لكن الصحيح الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقرأ بأواسط المفصل في الظهر والعصر والعشاء، وفي الفجر بطوالها، وكذلك في المغرب بقصارها، هذا غالب السنة. لكن أحيانا يزيد في الفجر فيقرأ من ستين آية إلى مئة آية، وأحيانا أيضا في صلاة العشاء -أقصد في صلاة الظهر- يزيد. وأما العشاء فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقرأ غير أو أواصط المفصل. أنا غالبا كان يقرأ من أواصط المفصل. وقال لمعاذ: «اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى». وقال له: «اقرأ بالشمس وضحاها» وغيرها ونحوها من السور. جاء في حديث معاذ أنه قرأ «بالقمر». وجاء في رواية أنه قرأ «بالبقرة». لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يثبت عنه أنه قرأ أكثر من هذا. وأما قول الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن معاذ يطيل عندك»، أي: يطيل في مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس في صلاته. فلهذا فالغالب صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هكذا أيضا في المغرب، أحيانا يقرأ بطوال المفصل، أحيانا يقرأ بأكثر من هذا، يقرأ «بالشمس»، وقرأ «بسورة المؤمنون»، وقرأ «بالروم»، وغيرها من السور. قال: وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتدلة، كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود. وإن كان معنى القيام والقعود يريد: أي في القراءة، معنى: يخففها على المعتاد، وليس المراد أن الركوع والسجود أطول من القيام والقعود. قالوا: قد جاهد مفسرا عن أنس بن مالك نفسه. فروى النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم، والعطاف بن خالد فيه ضعف. قال زيد بن أسلم: دخلنا على أنس بن مالك، فقال: صليتم؟ قلنا: نعم. قال: يا جاري، هل لأمي وضوء؟ ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إمامكم هذا. قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود. قال: وهذا حديث صحيح. فإن العطاف بن خالد المخزومي -قال فيه يحيى المعين غير مرة- هو ثقة، لكنه عنده أوهام كثيرة. وقول يحيى أنه ثقة هذا بحسب ما ظهر له. وقال أحمد بن حنبل: هو من أهل مكة، ثقة صحيح الحديث، روي عنه مائة حديث. وقال ابن عدي: يروي قريبا من مائة حديث، ولم أر بحديثه بأسا إذا حدث عنه ثقة. وقد ذكر كثير من الأئمة أنه له أوهاما. ومما ذكر ذلك أبو زرعة الرازي، وكذلك أبو علي صالح بن أحمد جزرة -صالح بن أحمد جزرة إمامنا في الحديث- فقال: رواية عطاف بن خالد تنقض الوضوء وتبطل الصلاة، ويريد الأوهام التي تقع عندهم.