التعليقات على كتاب الأدب المفرد 311

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 311، ألقاها

التثاؤب وأحكام متعلقة به

المقطع الأول يتناول موضوع التثاؤب وعلاقته بالشيطان، ويشرح كيفية التعامل معه وفق السنة النبوية. يبدأ الحديث عن التثاؤب وأنه من الشيطان.

حق الله على العباد وخطورة الشرك

شرح حديث النبي مع معاذ بن جبل حول حق الله على العباد، وهو عبادته وحده دون إشراك أحد معه، وخطورة الشرك بالله وتأثيره على بطلان الأعمال. يبدأ هذا الفصل بسؤال النبي لمعاذ.

أثر تحقيق التوحيد على النجاة

تحقيق التوحيد وعبادة الله يوجب النجاة من العذاب ودخول الجنة، ويختلف باختلاف كمال الإيمان والتوحيد. يبدأ هذا الجزء بتوضيح أهمية تحقيق التوحيد.

ختام الحديث عن مصير الناس يوم القيامة

المقطع الأخير يشير إلى مصير الناس يوم القيامة حيث يدخل الكفار النار ثم يصل المؤمنون إلى الجنة في النهاية. يختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب التثاؤب، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع». والحديث صحيح، وقد ثبت في صحيح الإمام مسلم، وهكذا في البخاري، من حيث أبي هريرة، ومن حيث أبي سعيد الخدري، وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ومر ذكر هذا الحديث في الأبواب التي قد مضت، وكذلك مر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع، فإن الشيطان يدخل». وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم إذا تثاءب فقالها ضحك منه الشيطان». فالتثاؤب من الشيطان، أي بسبب الخمول والكسل الذي يحبه الشيطان ويرضاه، فلأجل ذلك نصيبه وأضيف التثاؤب إليه. ولأن الشيطان يدعو إلى الشهوات، يدعو إلى الشهوات والانهماك في الشهوات، والإكثار من المآكل وملذات الدنيا سبب لحصول الكسل والخمول، سبب لحصول الكسل والخمول الذي يترتب ويظهر منه التثاؤب. فالتثاؤب، كما يقول أهل العلم، هو من خمول الجسم وكسله وثقله، الذي يكون سببًا في تكاسله عن العبادة والطاعة. فلأجل ذلك كره الله سبحانه وتعالى التثاؤب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب». وفي هذا الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع»، يكظم بمعنى يمسك على فمه، يمسك على فمه حتى لا يظهر مظهره وهو يتثاءب بمظهر غير حسن، وذلك مما يفرح الشيطان. فإن الإنسان إذا تثاءب وفتح فمه ظهر بمظهر غير حسن، وحينئذ يضحك الشيطان ويفرح بذلك. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يكظم أحدنا إذا تثاءب ما استطاع، يمسك فمه أو يضع يده على فيه، حتى لا يحصل للشيطان مراده بتغيير صورة هذا الإنسان وفرحه بذلك بحصول له الكسل والخمول. قال: باب من يقول لبيك عند الجواب. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو التبوذكي، قال: حدثنا همام، ومن بن منبه، عن قتادة، ومن دعامة، أبو الخطاب السدوسي، عن أنس، ومن مالك، رضي الله تعالى عنه، عن معاذ، ومن جبل، رضي الله عنه، قال: أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض الروايات: بينما أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا معاذ، قلت: لبيك وسعديك. ثم قال مثله ثلاثًا: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: لا، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. ثم سار ساعة، فقال: يا معاذ، قلت: لبيك وسعديك، قال: هل تدري ما حق العباد على الله عز وجل إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم. وهذا الحديث صحيح، هو في الصحيحين. وقوله رضي الله عنه: بينما أنا رديف النبي عليه الصلاة والسلام، والرديف والردف هو الراكب خلف الراكب، الذي يركب خلف الراكب. وعلى الراكب يقال: هو عز وجل، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا معاذ، فقال: قلت لبيك وسعديك. ولبيك ذكر في معناها عدة أقوال، كما ذكر النووي رحمه الله، قال: وأظهرها أن معناها إجابة لك بعد إجابة، إجابة لك بعد إجابة، يعني تأكيد للإجابة. وسعديك، أي ساعد الطاعتك مساعدة بعد مساعدة. ومعنى ذلك أن في الاستجابة لك حصول السعادة، في الاستجابة لك حصول السعادة. ثم قال مثله ثلاثًا، يعني ثلاث مرات يناديه النبي عليه الصلاة والسلام، هو يقول: لبيك وسعديك. وذاك لأجل أن يهتم رضي الله تعالى عنه بما سيلقي عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فإن تكرار مثل ذلك مما يؤكد أهمية ما سيلقى عليه، وحينئذ ينتبه ويصغي سمعه لما سيلقى عليه. لذلك كررها النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثًا. ثم قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت لا. وحق الله على العباد بمعنى الأمر المتحقق الذي يجب أن يوجد. وهذا الحق حق واجب على كل عبد تجاه ربه سبحانه وتعالى أن يؤديه، وهو عبادته جل وعلا. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. هذا الحق واجب على كل عبد أن يعبد الله سبحانه وتعالى وحده، وهو أعظم الحقوق وأعظم الواجبات التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على العباد على وجه الإطلاق. وهو لأجله خلق الله عز وجل الجن والإنس، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. وهكذا أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل لتحقيق هذا الواجب العظيم. ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. فهذا أعظم الحقوق التي على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، يطيع الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والحذر من الشرك، الحذر من الشرك بالله. ولا يشركوا به شيئًا، وشيئًا نكرة في سياق النهي، وهي تفيد العموم، أي أي شيء، لا شجر ولا حجر ولا نبي ولا ملك ولا غير ذلك من المخلوقات، صغرت أم كبرت. وأن المساجد لله، فلا تدعوا مع الله أحدًا، فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون. فلا تصح العبادة مع الشرك، الشرك ينقض العبادة ويبطلها، كما أن الحدث يبطل الطهارة. هل تصح الصلاة مع وجود الحدث؟ الجواب: لا. وهكذا العبادة لا تصح مع وجود الشرك، فهو يبطل العبادة ويفسدها. وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا. ولئن أشركت لا يحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين. فالشرك يبطل العبادة ويجعلها كأنها لم تكن. فما ينفع عبادة العبد من صلاة أو زكاة أو حج أو صيام أو صدقة أو غيرها من الطاعات مع وجود الشرك، لا تنفع، بل تكون فاسدة وباطلة. فالشرك يبطل العبادة، لذلك كان من أعظم الذنوب على وجه الإطلاق هو الشرك بالله سبحانه وتعالى. إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار. فالشرك أعظم الذنوب، فلا تتحقق العبادة إلا باجتناب الشرك، إلا باجتناب الشرك. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. ثم سار ساعة، فقال: يا معاذ، قلت: لبيك وسعديك، قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ يعني إذا حققوا العباد فعبدوا الله سبحانه وتعالى ولم يشركوا به شيئًا، قال: أن لا يعذبهم. وهذا الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالى للعباد هو مما تفضل به سبحانه، مما تفضل الله سبحانه وتعالى به على عباده، بما وعدهم به من الجزاء والثواب إذا قاموا بطاعته واجتنبوا معصيته. وليس ذلك مما أمر الله سبحانه وتعالى به أو صار واجبًا عليه، فإن الله سبحانه وتعالى هو الآمر، ولا أحد يأمره سبحانه، بل هذا مما تفضل الله سبحانه وتعالى به على عباده، خلافًا للمعتزلة الذين أوجبوا هذا الحق على الله، وهذا باطل. قال: إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم، يعني إذا حققوا التوحيد وقاموا بعبادة الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك يوجب لهم النجاة بدخول الجنة والسلامة من النار. وذلك يختلف باختلاف تحقيق العبد لهذا الإيمان والعبادة والتوحيد. فإذا كمل توحيد العبد، فقام بعبادة ربه وطاعته واجتناب معاصيه، فهذا مما يسلم من العذاب ويفوز بالجنة، كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. وهذا الأمن والهداية هي كما قلنا بكمال الإيمان وكمال التوحيد، يحصل له كمال الأمن والهداية. وفي حديث ابن عباس في الصحيح، حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم ذكر من صفاتهم أنهم لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون. هؤلاء حققوا كمال التوحيد، كمال التوكل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى، فكان ذلك سببًا في دخولهم الجنة بغير حساب ولا عذاب، من غير أن يحاسبوا، مباشرة يدخلون الجنة. وهكذا قد ينقص، قد ينقص، قد ينقص إيمان العبد وتوحيده بارتكاب بعض المعاصي، وهذا لا شك أنه مما ينقص التوحيد، إلا أنه لا يخرجه من دائرة الإسلام ولا يخرجه من دائرة الإيمان، بل ينقص من إيمانه بقدر معصيته. فإذا كان ذلك دون شيء، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، لقوله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. ويغفر ما دون ذلك، أي ما دون الشرك. أما صاحب الشرك إذا مات على الشرك، ليس له مغفرة. وأما إن كانت معصيته دون الشرك، فهو تحت مشيئة الله، لقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، أي لمن شاء سبحانه وتعالى من عباده. فإذا عذبه ودخل النار، فإنه يطهر بما يحصل له من العذاب، إن كان عنده التوحيد، فإن مصيره بعد ذلك إلى الجنة، لا يخلد في النار إلا الكافر. وأما المسلم، وإن دخل النار وعذب فيها، فإن مآله إلى الجنة. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين كفروا صاحب الكبيرة وأوجبوا دخول النار والخلود فيها. فحينئذ يحصل للعبد كمال النجاة أو أصل النجاة، وإن حصل له شيء من النقص في توحيده وإيمانه، لكن إذا كان عنده أصل التوحيد، فإن مآله إلى الجنة ومصيره إلى الجنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث الشفاعة المروية في الصحيحين وخارج الصحيحين، في شفاعته عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر، وهكذا شفاعة رب العالمين والأنبياء والصالحين لهم، فإنهم يخرجون من النار، ثم يكون مآلهم إلى الجنة. طيب، ننتهي بهذا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على