الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 23، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المحور رؤيا النبي إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل، مبيناً أن رؤيا الأنبياء وحيٌ ملزم، وكيف واجه إبراهيم شدة محبة ابنه بتقديم طاعة الله تعالى عليها، مستدلاً بالآيات القرآنية التي تربط المحبة الحقيقية بالطاعة والانقياد.
يسرد المحور استجابة إبراهيم لأمر الذبح وعرضه على إسماعيل الذي أجاب بالطاعة والصبر، فاستسلما معاً لحكم الله، حتى جاء الفرج الإلهي بتصديق الرؤيا وفداء إسماعيل بذبح عظيم، محققين بذلك أعلى درجات التسليم والخضوع.
يبيّن المحور كيف شرع الله من هذه الواقعة سنة الأضحية والعقيقة إلى يوم القيامة، مع إبراز منزلة إسماعيل في البر والطاعة لوالده، مقرراً وجوب طاعة الوالدين في المعروف وعدم طاعتهما في معصية الله، مستنداً إلى الآيات والأحاديث النبوية.
يؤكد المحور الختامي أن الله قرن عبادته وحدانيته بالإحسان إلى الوالدين في مواضع متعددة من القرآن، مقدماً قصة إسماعيل عليه السلام كنموذج عملي لتربية الأبناء على البر والطاعة، ليختتم المتحدث الجلسة بهذا الربط التربوي العميق.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فنظراً لتغيب أخينا الشيخ أبي يوسف حفظه الله لسفره، أحببنا في مثل هذا الوقت أن نستمر في درس قصص الأنبياء حتى نقطع شوطاً طيباً إن شاء الله من هذا الكتاب. تغطي لهذا الدرس كذلك: وقفنا في قصص الأنبياء عند ذكر قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وما وقع من وضع أم إسماعيل مع ابنها في تلك الدوحة، وما وقع من تلك الأحداث التي منها ماء زمزم، ومجيء إبراهيم بعد فترة لتفقد ولده ونحو ذلك مما مر معنا. ثم كذلك في المرة الثالثة جاء إبراهيم عليه السلام ووجد ولده إسماعيل، وأخبره أن الله أمره أن يبني بيته، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام. ثم قال المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: «وفي هذه الأثناء حين تمكن حب إسماعيل من قلبه» أي من قلب إبراهيم، «وأراد الله أن يمتحن إبراهيم لتقديم محبة ربه وخلته التي لا تقبل المشاركة والمزاحمة». وكما تعلمون أن إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، والخلة هي أعلى مراتب المحبة، فأراد الله عز وجل أن يختبره وأن يبتليه، وأن ينظر: هل محبة إبراهيم لربه أعظم، أو محبته لولده إسماعيل أعظم؟ وهذا هو ميزان معرفة المحبة، ميزان معرفة المحبة الطاعة؛ فمن كان من أحب الناس إليك أو من أحب المحبوبين إليك، فهذا الذي تقدم طاعته على طاعة غيره من المحبوبات. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. فالله عز وجل أراد أن يمتحن نبيه إبراهيم عليه السلام، فأمره في المنام أن يذبح إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي من الله، فرؤيا الأنبياء حق، وهو نوع من أنواع الوحي، نوع من أنواع الوحي. فقال لإسماعيل، أي إبراهيم عليه السلام، قال لولده إسماعيل: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. بابتلاع عظيم: الولد الوحيد لإبراهيم، وقد رزقه الله عز وجل إياه في الكبر، وقد أقر الله عين إبراهيم بهذا الولد، فصار طائعاً لأبيه، يأتي ويقول لمرأته الأولى: «وقولي له يغير عتبة بابه»، فطلقها براً وطاعة لأبيه. يأتي ويقول له: «إن الله أمرني أن أبني البيت»، فبنى معه عليه السلام طاعة وبراً. فلا شك أن حب إسماعيل قد تمكن من قلب أبيه إبراهيم. فمع هذا الوصف، ومع هذه المحبة، يأتي الوحي من الله بأمر إبراهيم أن يذبح ولده، أن يذبح ولده. يشك أن هذا ابتلاع عظيم، هذا ابتلاع عظيم. فما كان من إبراهيم إلا الطاعة والاستجابة لأمر الله، فجاء إلى ولده إسماعيل وقال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. جعل الأمر إلى ولده: هل أنت مطيع؟ هل أنت مطيع وفاعل ما أمرني الله به؟ فماذا كان جواب إسماعيل عليه السلام؟ قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. انظر إلى البر والطاعة لله ثم لأبيه، قال له: طالما أن هذا الأمر جاء من ربك سبحانه وتعالى، فافعل ما تؤمر، ستجدني مطيعاً مقاداً صابراً، مطيعاً مقاداً صابراً، ﴿فَافْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾، الألف هنا ألف التثنية تعود على إبراهيم وإسماعيل، ومعنى ﴿أَسْلَمَا﴾ أي خضعا لأمر الله وانقادا لأمره واستسلما لأمر الله، لا مرد لأمر الله عز وجل. ﴿أَسْلَمَا﴾: استسلما، انقادا لأمر الله، ووطنا أنفسهما على هذا الأمر المزعجي الذي لا تكاد النفوس تصبر على عشر معشاره، يعني على جزء منه. أب يحب ولده البار المطيع ثم يذبحه، لا شك أن هذا شيء شديد على النفس، شديد على النفس. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: عزيمة صادقة لا تردد فيها. ومعنى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي قيل: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه. كبه على وجهه، وجعل قفاه في الأعلى حتى يذبحه من الخلف، ولا ينظر إلى وجهه حين ذبحه. قيل هذا، وقيل وهو قريب أيضاً: صرعه على الجبين، والجبين لكل إنسان جبينان بينهما الجبهة؛ هذه الجبهة، هذا جبين على اليمين، وهذا جبين على الشمال. فصرعه على جنبه أو على جبينه، على جبينه كي يذبحه من الخلف ولا ينظر إلى وجهه، وإنما ينظر إلى خلفه، ينظر إلى خلفه. قيل هذا، وهذا، وهذا، وكل المعنيين متقاربان. قال: نزل الفرج من الرحمن الرحيم قبل أن يذبح. وفي هذا، وفي هذه الحال، جاء، جاء، جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى، ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، يعني: كف عن هذا ولا تذبح، فقد صدقت الرؤية. وتصديق الرؤية هو بالفداء، تصديق الرؤية هو بالفداء، أي أن يفدى إسماعيل بكبش عظيم كما ذكر الله عز وجل بعد ذلك. فحصل توطين النفس على هذه المحنة والبلوى الشاقة المزعجة، وحصلت المقدمات والجزم المصمم، يعني أن هذا الفعل من إبراهيم وابنه دليل على صدقهما، ودليل على عزمهما على تنفيذ ما أمر الله عز وجل به، وتم لهم الأجر والثواب لأن الأعمال بالنيات، فقد نويا تنفيذ أمر الله عز وجل، وحصل لهم الشرف والقرب والزلفة من الله لأن الله علم صدقهما. ﴿وَمَا ذَلِكَ مِنْ أَطْوَارِ الرَّبِّ بِعَزِيزٍ﴾، أي أن الله لطيف بعباده، ولطفه سبحانه وتعالى بعباده تذهل منه العقول، فيأتي الفرج من الله عز وجل لأنبياء وأوليائه من أمور لا تخطر ببال، لا تخطر ببال، مثل ما جاء في هذه القصة. قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، وهذا هو تصديق الرؤيا. قال: أي ذبح أعظم من كونه حصل به مقصود هذه العبادة التي لا يشبهها عبادة، فصارت أو صارت ذبحاً لله عز وجل من النسك في حج بيت الله الحرام، وفي الأضحية، وفي العقيقة؛ فإن في هذه المواضع يذبح لله عز وجل تقرباً إليه، وهي سنة أول ما شرعت في هذا الموقف العظيم. قال: «وصار سنة في عقبه إلى يوم القيامة يتقرب به إلى الله، ويدرك به ثوابه ورضاه». ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. فهذه قصة عجيبة عظيمة، وأن الله عز وجل اتخذه خليلاً، كما اتخذ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خليلاً. وهكذا، وهكذا فيه منزلة إسماعيل عليه السلام، وأنه آية في البر والطاعة للوالد. انظر منزلة وطاعة أباه في هذا الموقف العظيم، في هذا الموقف العظيم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، ما قال: كيف يا أبي؟ كيف تذبحني وما ذنبي؟ وهذا أمر أنا ما أطيقه أبداً. لم يتردد ولم يتأخر عن تنفيذ أمر الله، وعن بر والده، عليهما السلام. فهكذا البر، فهكذا البر. فكيف بمن يأمره أبوه بأمر شرعي، أو بأمر قدري ما فيه معصية ولا فيه مخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى؟ فلا شك أن الطاعة أوجب، الطاعة أوجب. وإنما لا تجوز طاعة الوالدين في معصية الله، في معصية الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. نعم، لأن هذا فيه معصية لله. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة في المعروف»، شيء فيه معروف واجب على الابن أن يطيع والديه. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة»... قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، في معصية الخالق. وأما ما سوى ذلك فواجب على الأبناء طاعة الآباء، طاعة الآباء، وهو من أعظم القربات والعبادات. وقد قرن الله عز وجل بر الوالدين والإحسان إليهما بالأمر بعبادته: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وهكذا آيات كثيرة. فقصة نبي الله إسماعيل فيها تربية للأبناء في البر والطاعة والإحسان إلى الوالدين. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر