التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 21

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 21

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فصول من قصة إبراهيم عليه السلام: دعوة التوحيد وكسر الأصنام

يستعرض المحاضر أبرز محطات قصة النبي إبراهيم عليه السلام كما ساقها الشيخ السعدي، بدءاً بدعوة قومه إلى التوحيد وتحطيم الأصنام ونجاته من النار، ثم هجرته مع زوجته سارة وابن أخيه لوط إلى أرض الشام ومصر، وما جرى لسارة مع ملك مصر الجبار الذي أرادها فدعا الله فكفاه شره، مع الإشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث كذبات إبراهيم بمعنى التورية.

توضيح مواضع المعاريض الثلاث في حديث إبراهيم عليه السلام

يشرح المحاضر مواضع المعاريض الثلاث التي وردت في حديث إبراهيم عليه السلام، وأولها قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ قاصداً سقم القلب من الشرك، وثانيها قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾ إلزاماً لقومه بالحجة، وثالثها قوله للملك عن سارة: «أختي» بمعنى الأخوة في الدين والإيمان.

قصة إبراهيم مع الجبار وسارة وهاجر وولادة إسماعيل

يروي المحاضر قصة دخول إبراهيم وسارة على جبار أراد السوء بسارة، فشلت يداه بدعاء سارة، فأهدى الجبار هاجر خادمة لها، فوهبت سارة هاجر لإبراهيم ليرزق منها بولد، فولدت إسماعيل، فغارَت سارة وحلفت ألا تساكنها، فهاجر إبراهيم بهاجر إلى موضع البيت الحرام بأمر الله.

إرجاء قصة هاجر للدرس القادم وختام الجلسة

أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية وقرر تأجيل سرد قصة هajar إلى الدرس المقبل لطولها، وختم بالقول: "إلى هنا والله تعالى أعلم".

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله، الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، يذكر لنا فصولاً وأحداث قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام. فذكر في أول قصته دعوة قومه إلى التوحيد، وإقامة الحجج والبراهين على ذلك، وما يتعلق بذلك من دعوة أبيه خاصة، وكذلك ما في ذلك من الرفق واللين بأبيه، ومخاطبة أبيه بأفضل وأحسن الألفاظ. وما ذكر أيضاً من تكسيره للأصنام، ومن انتقام قومه منه وذلك بوضعه في النار، ولكن الله عز وجل أوحى إلى هذا المخلوق الذي هو خلق من خلق الله أن يكون برداً وسلاماً على إبراهيم، فنصر الله عز وجل نبيه وخذل أعداءه. ثم قال المؤلف رحمه الله: فصل. لأن قصة إبراهيم قصة فيها من الفصول، وفيها كذلك من المواقف الكثيرة، فلذلك ذكر المؤلف فصولاً في قصته عليه السلام. قال: فصل. ثم خرج من بين أظهرهم مهاجراً وزوجته وابن أخيه لوط إلى الديار الشامية. لأن إبراهيم، كما ذكر أصحاب التاريخ عليه السلام، ولد بالعراق في مدينة بابل، ودعا قومه في هذه البلاد، فلما رفضوا دعوته وأصروا على ما هم عليه خاف على نفسه، فخرج من تلك البلاد العراق إلى أرض الشام، وبالخصوص إلى فلسطين. قال: وفي أثناء مدة إقامته بالشام ذهب إلى مصر بزوجته سارة، وكانت أحسن امرأة على الإطلاق. قيل إن السبب في ذهابه إلى مصر القحط والشدة التي كانت في أرض الشام. قال: فلما رآها ملك مصر، وكان جباراً عنيداً، لم يملك نفسه حتى أرادها على نفسها، يعني أراد أن يفعل بها الفاحشة. فدعت الله عليه، فكاد أن يموت، أي أن الله عز وجل أمسكه وجمد أعضاءه فلم يستطع أن يصل بيده إلى سارة عليها السلام. قال: فكاد أن يموت، ثم أطلق. كما أتى في الحديث أنه قال لسارة: «أرسلي، ادعي الله أن يرسل يدي»، أو بهذا المعنى، فأعاد الله عز وجل إليه الحركة. نعم، ثم أطلق، ثم أعاد ثانية، وكلما أرادها دعت عليه فصرع صرعاً وحبس في مكانه، ثم دعت له فأطلق، فكفاه الله شره، ووهب لها هاجر جارية قبطية. وهذا الحديث جاء في، أو هذه القصة قصة سارة مع هذا الملك الجبار جاءت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ذكر ذلك المعلق في حاشيته، ولا بأس من باب الفائدة أن نقرأ هذا الحديث. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات»، والمراد بالكذب هنا ليس الكذب الصريح، وإنما الكذب بمعنى التورية أو المعاريض، كما سيأتي معنا في هذه الثلاث. قال: «ثنتين منهن في ذات الله تعالى»، أي من أجل الله ومن أجل الدعوة إلى الله وإلى توحيد الله، وهو قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]، أي مريض، لما ذهب ومر معنا قومه إلى عيد من أعيادهم فتخلف عنهم، واعتذر لهم بأنه سقيم أي مريض، ويفسر هذا المرض بمرض القلب لما هم عليه من الشرك، والشرك من أعظم الأمراض القلبية، فيكون قصده ذلك. والمعاريض هي أن يأتي الشخص بلفظ يقصد معنى، ويقصد المخاطب أو المستمع معنى آخر، فقومه فهم من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني مريض البدن، وهو أراد بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي سقيم القلب، مريض القلب. قال: «وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾ [الأنبياء: 63]»، هذا لما كسر الأصنام وترك أكبر هذه الأصنام، فلما سألوه: «أَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ» [الأنبياء: 62]، قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾. أولاً: ما قال: أنا ما فعلته. هذا أمر. الأمر الثاني: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾، أي على ما يلزمهم من عبادتهم لهذه الأصنام، فإن المعبود ينبغي أن يكون قادراً، وأن يكون ناطقاً متكلماً. فكأنه يقول لهم: إذا أنتم تعتقدون أنه إله من دون الله وأنه معبود، فالمعبود يكون متكلماً، فخاطبه، وسيأتي لكم بالحقيقة: بل فعله كبيرهم، ماذا؟ فاسألوه. ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]. نعم، اسألوا هذا إن كانوا ينطقون. إن كانوا ينطقون. نعم، فهو من باب الإلزام، فهو من باب الإلزام والمناظرة، من باب الإلزام والمناظرة، فليس هو بالكذب الصريح، بل هو من باب المعاريض، والله أعلم. وأما الثالثة، فهذا الأمر الذي أورد المؤلف الحديث من أجله. قال: «بينا هو ذات يوم وسار، إذ أتى على جبار من الجبابرة»، أي في مصر لما ذهب إلى مصر، «فقيل له»، أي قيل لهذا الجبار: «إن هنا»، أو «إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، من أجمل الناس، فأرسل إليه، فاسأله عنها: من هذه التي معك؟» قال: «من هذه؟» قال: «أختي». يعني أرسل أولاً إلى إبراهيم: «ما هذه المرأة التي معك؟» فقال إبراهيم: «أختي». وسيأتي معنا أن هذا الجبار فهم من قوله «أختي» بالنسب، وأراد إبراهيم عليه السلام كما سيأتي في نفس الحديث أنها أخته برابطة الدين والإيمان، فلم يكن مؤمناً في، لم يكن مؤمن في ذلك الزمان إلا إبراهيم وسارة، فما سيأتي من قوله فهو من باب المعاريض. قال: «فأتى سارة»، أي إبراهيم، فقال لها: «إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك». إذا كان علم أنها امرأة إبراهيم وليست أخته أو أحد محارمه، فلربما يأخذها بالقوة. قال: «فإن سألك فأخبريه أنك أختي، أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك». فأرسل إليها، فأتي بها، وقام إبراهيم يصلي، يعني أخذوها قوة بالقوة إلى هذا الجبار، ولم يدخلوا إبراهيم معها. قال: «وقام إبراهيم يصلي، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده»، يعني أراد أن يمسها ويفعل بها القبيح، «فأخذ»، ومعنى «أخذ» يعني شُلَّ وأمسكت يده بإذن الله سبحانه وتعالى. فقال، أي هذا الجبار، لسارة: «ادعي الله لي ولا أضرك»، يعني ادعي الله يرد إلي حركتي ولا أضرك بعد ذلك. فدعت الله فأطلق، عاد كما كان من الحركة والصحة. قال: «ثم تناولها الثانية، ثم تناولها الثانية»، هي عاد مرة ثانية، أراد أن يمسكها، أراد أن يمسكها. «قالت أو قال: فأخذ مثلها أو أشد»، يعني أمسك أيضاً مثل الأولى أو أشد من الأولى. فقال هذا الجبار: «ادعي الله لي ولا أضره». فدعت، فدعت الله فأطلق. فدعا بعض حجبته فقال: «إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان، فأخدم ها هاجر»، يعني أعطها خادمة تخدمها. «أخدمها»، أي أعطها خادمة تخدمها. فأتته وهو قائم يصلي إبراهيم، فأومأ بيده: «مهيم»، و«مهيم» على اللغة العبرية بمعنى: ما شأنك وما خبرك؟ ما شأنك وما خبرك؟ فقالت: «أرد الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر»، أي أعطاني خادمة اسمها هاجر. قال أبو هريرة رضي الله عنه: «تلك أمكم يا بني ماء السماء»، يعني هاجر هي أمكم لأنها ولدت إسماعيل، وإنما العرب من ولد إسماعيل، من ولد إسماعيل. نعم. فهذا الحديث فيه هذه القصة، وفيها من العبر ما سيذكره المؤلف إن شاء الله في الفوائد والدروس المستفادة من هذه القصة. قال: وكانت سارة عاقراً منذ كانت شابة، فوهبت هذه الجارية لإبراهيم ليتسراها، يعني يجعلها، يعني مثل السَّرَاري، بمعنى الجواري أو المملوكات أو نحو ذلك، حتى يرزق إبراهيم منها، أي من هاجر، بولد، لعل الله يرزقه منها ولداً. فأتت هاجر بإسماعيل على كبر إبراهيم، يعني على كبر سن إبراهيم، ولدت هاجر بإسماعيل عليه السلام، نبي الله إسماعيل عليه السلام. قال: ففرح به فرحاً شديداً، ولكن سارة رضي الله عنها أدركتها الغيرة، فحلفت ألا يساكنها بها، وهذا من طبيعة النساء، فزوجات الأنبياء يعتريهن ما يعتري بقية النساء من طبيعة البشر، وهو الغيرة بين الضرات. فغارت سارة من هاجر، فحلفت ألا يساكنها بها، يعني لا يسكن في مكان واحد أو في بيت واحد. قال: وذلك لما يريده الله، وهذا من جملة الأسباب لذهابه بها إلى موضع البيت الحرام. يعني أخذ إبراهيم عليه السلام هاجر، هاجر، في موضع البيت، ولم يكن يومئذ هناك بيت ولا إنس ولا شجر ولا ماء ولا أحد، كما سيأتي في قصتها، وإلا فهو متقرر عنده ذلك عليه السلام. معنى «متقرر» يعني أوحي إليه أنه يأخذ زوجته هاجر إلى ذاك المكان، وأن الله سيحفظهما، ويبنى في ذاك المكان بيته الحرام، ويأتي الناس في ذلك الموضع، ويكون ما يكون من البناء والأنس ونحو ذلك. طيب، اليوم إن شاء الله نكتفي بهذا، لأنه ستأتي معنا قصة هاجر لما أخذها في ذاك المكان، وهي طويلة، نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.