الدرس في كتاب الصلاة 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل شرح الأحاديث المتعلقة بالإمامة في الصلاة، ويبين أحكامها وشروطها مثل تقديم الأكثر حفظا للقرآن. كما يشير إلى أحقيّة صاحب البيت أو السلطان بالإمامة وعدم جواز إمامة المرأة للرجال.
يشرح هذا الفصل أحكام الصلاة خلف الإمام الفاسق والمبتدع، ويبين جواز الصلاة خلفه إذا لم يكن فسقه أو بدعته مكفرة. كما يؤكد على أهمية تسوية الصفوف في الصلاة وتراصها وسد الفرج بين المصلين.
يتناول هذا الفصل بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة مع الجماعة، مثل ترتيب المصلين خلف الإمام وتفضيل الصفوف الأولى للرجال وآخرها للنساء عند الصلاة مختلطة. كما يشير إلى أهمية ابتعاد النساء عن الرجال لتجنب الفتنة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف: الحديث الثامن بعد المائة. عن عمر بن سلمة رضي الله عنه قال: قال أبي: جيتكم من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقا، قال: فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليأمكم أكثركم قرآنا. قال: فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، فقَدَّموني وأنا ابن ست أو سبع سنين. رواه البخاري. نعم، هذا الحديث حديث عمر بن سلمة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبيه: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم. وهذا فيه وجوب الأذان على الجماعة، اثنان فأكثر. إذا حضرت الصلاة، فوجب أن يؤذن أحد المصلين، وهو فرض كفاية كما مر معنا. فالأذان فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. وهكذا الإقامة. قال: وليأمكم أكثركم قرآنا. فيه أن الأولى بالإمامة الأحفظ لكتاب الله، فليأمكم أكثركم قرآنا. قال: فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، فقَدَّموني، وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين. وهذا فيه أن الأحفظ والأكثر قرآنا يقدم، ولو كان أصغر من غيره، بل ولو كان دون سن البلوغ، ولو كان صبيا، وهو يحفظ القرآن ويجيد القراءة، فهو أولى بالإمامة. وفي هذا دليل على صحة إمامة الصبي على البالغين. نعم، وأما قول من قال: أنها لا تصح، فليس بصحيح. وهذا الحديث يرد على هذا القول. قال: الحديث التاسع بعد المائة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يأم الغلام حتى يحتلم. رواه البيهقي. وهكذا أيضا عبد الرزاق في مصنفه، ورواه ابن أبي شيبة عن الشعبي من قوله. وهذا الأثر موقوف من قول ابن عباس. والحجة فيما حصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم. عمر بن الخطاب صلى بقومه، وابنه ست أو سبع سنين. هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فيدل هذا على جواز مثل ذلك. قال: حديث العاشر بعد المائة. وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلما. وفي رواية: سنا. ولا يأمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكريمته إلا بإذنه. رواه مسلم. هذا الحديث فيه أن الأولى بالإمامة الأقرأ، والمراد بالأقرأ الأحفظ لكتاب الله، والمجيد لتلاوته وقراءته. نعم، فإذا كان عندنا اثنان مثلا، أحدهما يحفظ عشرة أجزاء، والآخر يحفظ اثني عشر جزءا، فالأولى صاحب الاثني عشر جزءا؛ لأنه أحفظ، أكثر حفظا. فإن كانوا في القراءة سواء، حفظهم سواء، هذا يحفظ عشرة أجزاء، وهذا يحفظ عشرة أجزاء، وكل منهما يجيد القراءة والتلاوة. قال: فأعلمهم بالسنة. ننظر من هو أعلم بالسنة. النبي صلى الله عليه وسلم وقاصده ما يتعلق بسنة الصلاة وأحكامها، فيقدم للإمامة. قال: فإن كانوا في السنة سواء، كذلك هم في السنة سواء في منزل واحدة. قال: فأقدمهم هجرة. يعني من هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، إذا كان كلاهما مهاجران، فالذي تقدم في الهجرة أولى بالإمامة؛ لأنه سبق إلى هذا الخير، ولأن من سبق إلى الهجرة فقد عرف من أحكام الإسلام ما لم يعرفه الذي بعده، والذي تأخر حينئذ يكون أولى بالإمامة. طيب إذا كانوا في الهجرة سواء، هاجروا سويا. قال: فأقدمهم سلما، يعني إسلاما، أو في رواية: سنا، يعني أكبرهم سنا، فيقدم للإمامة. وهذا عند المشاحة، يعني عند حصول المشاحة في الإمامة، هذا يريد أن يأم، وهذا يريد أن يأم، وما عندنا إمام راتب، فننظر إلى هذه المراتب. أما إذا كان عندنا إمام راتب، فهو أولى بالإمامة. لهذا قال هنا: فإن قال: ولا يأمن الرجل الرجل في سلطانه. نعم، لا يأمن الرجل الرجل في سلطانه، ولو كان صاحب السلطان أقل حفظا ممن خلفه. ومن ذلك مثلا صاحب البيت، صاحب البيت هو السلطان، البيت هو أولى بالإمامة إذا صلوا جماعة مثلا لعذر في البيت، فالأولى بالإمامة هو صاحب البيت. كذلك أيضا إمام المسجد هو السلطان، المسجد هو الأولى بالإمامة، فلا يتقدم أحد من المصلين إلا بإذنه، ولو كان دونهم في الحفظ، لكنه هو الأولى بالإمامة. وهكذا السلطان العام، يعني حاكم البلاد، إذا جاء مثلا وحضر هو أولى بالإمامة؛ لأنه هو السلطان العام للناس في تلك البلاد. قال: ولا يقعد في بيته على تكريمته إلا بإذنه. يعني لا يجزئ الإنسان في ضيافة صاحب البيت فيما هو من قصائصه، يعني على تكريمته، يعني الأشياء ليختص بها كالفراش ووسائده ونحو ذلك، إلا بإذن صاحب البيت، إلا إذا أذن له باستعمالها. نعم، فالشاهد من هذا الحديث أن الأولى بالإمامة الأكثر حفظا، ثم من كان دون ذلك على حسب هذه المراتب في تقديم الأولى فالأولى في الإمامة. قال: الحديث الحادي عشر بعد المائة. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا لا تأم امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجرا، ولا فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه. رواه ابن ماجه بإسناد واه. نعم، إسناده واه، أي ضعيف جدا. ففيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وفيه كذلك عبد الله بن محمد العدوي، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: حديث منكر. وقال الدارقطني: غير ثابت. وقال ابن عبد البر: أسانيده واهية. فهذا الحديث لا يصح. وهذا الحديث دل على أحكام منها أن المرأة لا تأم الرجل. وهذا وإن كان الحديث ضعيفا، لكنه من معنى صحيح، ويدل عليه حديث أبي بكرة في الصحيح، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة. فالمرأة لا تكون إماما للرجال، لا تكون إماما للرجال. بل الثابت كما سيأتي معنا في الأحاديث أن المرأة تصلي خلف الرجال، ولا تتقدمهم، ولا تتقدمهم. مع ما في ذلك يعني من أولا نقصان المرأة عن الرجل، وحصول الفتنة بإمامتها للرجال. وقول: ولا أعرابي مهاجرا. هذا لا يصح، الحديث لا يصح. ولهذا فيصح أن يتقدم الأعرابي ويصلي بالمهاجر، ولا مانع من ذلك. قال: ولا فاجر مؤمنا. يعني لا يكون الإمام فاجرا، والمصلي من أهل الخير والصلاح. وهذا أيضا الحديث كما علمنا ضعيف. والصيح أنه يجوز، وأن كان هذا خلاف الأولى والأفضل والأكمل، لكن من حيث الجواز يجوز. ومن ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من وجود أو حصول أئمة الجور في الزمن الذي بعده، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلفهم. قال: صلوا، فإن أصابوا فلهم ولنا، وإن أخطأوا فلهم علينا. نعم، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك الصلاة خلف أئمة الجور، بل أمر بالصلاة خلفهم، حتى لو أخروا الصلاة عن وقتها، أمر أن يصلي الرجل في بيته، ثم يأتي ويصلي معهم، درءا للفتنة. فكيف إذا كان يصلي الصلاة في وقتها، أو يؤخر الصلاة عن وقتها، الفاضل مع ذلك يصلي خلفهم؟ نعم، الحديث الصحيح في البخاري، وفي الصحيحين عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم. وعلى هذا فيجوز أن يصلي المؤمن خلف الإمام الفاسق، إذا كان فسقه لا يخرجه عن الإسلام، لا يخرجه عن الإسلام. وهكذا أيضا تجوز الصلاة خلف المبتدع، إذا كانت بدعته غير مكفرة، كبدعة الجهمية والرافضة. أما إذا كانت بدعة مفسقة، فيجوز الصلاة خلفه، هو يعتبر مسلما عاصيا. نعم، هذه خلاصة حكم الصلاة خلفه المبتدع والفاسق، أنه إذا كان فسقه وبدعته غير مكفرة، فيجوز الصلاة خلفه. وأما إن كانت مكفرة، فلا يصلى خلفه. وذكر البخاري في التاريخ بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال: أدركت عشرة من أصحابي النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يصلي خلف أئمة الجور، كلهم يصلي خلف أئمة الجور. وصلى أنس رضي الله عنه خلف الحجاج، مع ما كان عليه الحجاج من ظلم وسفك للدماء. نعم، فصلى الصحابة رضي الله عنهم خلف أئمة الجور. وسئل الحسن البصري رحمه الله عن الصلاة خلف المبتدع، فقال: صلي، وعليه بدعته. قال: صلي، وعليه بدعته. هذا إذا يعني لم يوجد إماما سنيا. ولذا وجد الإمام السني، فهو الأفضل، هو الأفضل أن تصلي خلف السني. لكن إذا لم يوجد، فلا تترك الجماعة بزعم أن هذا الإمام مبتدع، وعنده شيء من الفسق، بل صلي معه. قال: الحديث الثاني عشر بعد المائة. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة. متفق عليه، ولفظ مسلم: من إقامة الصلاة. نعم، هذا الحديث فيه الأمر بتسوية الصفوف. سووا صفوفكم، بأن تكون الصفوف مستوية، ليس فيها تقدم ولا تأخر، ما يكون أحد متقدما، ولا أحد متأخرا، بل كلها على مستوى واحد، كالبنيان المرصوص. ويحصل ذلك يعني تستوي الصفوف بمساواة الأقدام والعقبان بعضها ببعض، والمناكب. فبهذا تستقيم الصفوف وتعتدل. وتسوية الصفوف الصحيحة أنها واجبة؛ لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوعيد إذا ترك ذلك ما سيأتي. وأخبر أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، يعني من تمام الصلاة وإكمال الصلاة، أن تسوى صفوفها. وهذا معنى قوله: من تمام الصلاة، يعني من كمال الصلاة وإتمام الصلاة، أن تسوى الصفوف فيها. قال: حديث الثالث عشر بعد المائة. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح. قال: حتى رأى أن قد عقلنا عنه. قال: ثم خرج يوما، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلا باديا صدره. قال: عباد الله، لتسوّن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم. رواه مسلم. ورواه البخاري آخره: لتسوّن صفوفكم. قبل هذا، النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي الصفوف، يعني يهتم بتسويتها وتعديلها، وعدم حصول تقدم وتأخر، كأنما يسوي بها القداح، قداح السهم. وهذا دلنا على أهمية الاعتناء بتسوية الصفوف. وأن الواجب على المسلم أن يأخذ بسنة النبي عليه الصلاة والسلام في كل صغيرة وكبيرة، ولا يفرق بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: هذه أمور يسيرة، وأمور هينة، وأمور سهلة، ونحن نهتم بما هو أعظم من ذلك. كما يزهد بعض من عنده يعني لوثة حزبية، وكذلك فكر إخواني، فيقول: هذه أمور قشور، ما ينبغي الاهتمام بها. تسوية الصفوف، وتقصير الثوب، والسواك، وهذه الأشياء، هذه أمور سهلة، إنما تنمى أعظم من ذلك. وهذا من الجهل وتلبيس الشيطان، فلينبغي أخذ الشريعة خاملة. يا أيها الذين آمنوا، دخلوا في السلم كافة. أي: خذوا الدين من كل جوانبه، لا يأخذ الإنسان جانبا ويترك جوانبه، فيكون كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض. بل نأخذ الدين بكل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من صغير وكبير. فقول عليه الصلاة والسلام هنا: عباد الله، لتسوّن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم. هذا وعيد، أن الإخلال بتسوية الصفوف قد يؤدي إلى تفرق الوجوه، يعني حصول البغضاء والعداوة والشحناء بين المصلين. وهذا أمر محرم. وما أدى إلى محرم، كان تركه واجبا. تدل هذه على أن تسوية الصفوف واجبة، حتى أن تركها يؤدي إلى اختلاف القلوب. وإذا اختلفت القلوب، تفرقت الوجوه، تفرقت الوجوه. قال: حديث الرابع عشر بعد المائة. عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق. والذي نفسي بيده، إني لأرى الشيطان يدخل من خلال الصف، كأنه الحذف. رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. نعم، قال: رصوا صفوفكم. هذا أمر بتسوية الصفوف. رصوا صفوفكم، بمعنى: سووا صفوفكم، جعلوها مستوية معتدلة مرصوصة، يعني ليس فيها تقدم ولا تأخر. وقاربوا بينها، أي: بين الصفوف، لا تكون الصفوف بعضها بعيدة عن بعض، بل تكون متقاربة، كل صف خلف الآخر بقدر يعني ما يسع للركوع والسجود. وحاذوا بالأعناق، يعني يجعلوا الأعناق متقاربة محاذي بعضها لبعض، ومن ذلك التصاق المناكب بعضها ببعض. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: فوالذي نفسي بيده. وهذا قسم بصفة من صفات الله جل وعلا، وهو أن الأنفس بيد الله سبحانه وتعالى، يقبضها متى شاء، ويتصرف فيها كيف شاء. فالذي أنفسنا بيده هو الله سبحانه وتعالى. وهذا قسم من غير إقسام، وهذا يدعو على جواز القسم من غير إقسام، أي: من غير أن يؤمر الإنسان بالقسم، فيجوز إذا أراد تأكيد أمر أو تنبيه على عظم هذا الأمر، فيجوز أن يحلف ويقسم بالله. قال: إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف، يعني من الفجوات التي تكون في الصف بين المصلين، لما يصلي الإنسان ويبتعد عن أخيه المسلم الذي بجانبه، فيكون بينه وبينه فجوة، هذه الفجوة يدخل منها الشيطان. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنه يرى الشيطان يدخل من خلل الصف، من وجود هذه الفجوات والفتحات، كأنه الخذف، الخذف قيل: هو غنم صغيرة سود تكون باليمن، وقيل: غنم يعني صغيرة ليس لها آذان ولا أذناب، ليس لها آذان ولا أذناب. وقيل: غنم صغار حجازية. والمقصود أن الخذف هي عبارة عن غنم صغيرة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأن الشيطان يمر من خلل الصف كمرور هذه الغنم الصغيرة بين الصفوف. ففي هذا الحديث يعني كما مر وجود تسوية الصفوف والتراص فيها واعتدالها، وسد الفرج، وأن الشيطان يدخل من خلل الصفوف إذا وجدت الفرج والفتحات، فإن الشيطان يدخل منه. وإذا دخل الشيطان، فإما يوسوس للمصلين بصلاتهم، ويحرص على يعني إشغالهم وإبعاد الخشوع وتدبر عنهم في الصلاة. قال: الحديث الخامس عشر بعد المائة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها. رواه مسلم. هذا الحديث فيه الحث على الاهتمام بالصفوف الأولى، وأن خير صفوف الرجال أول الصفوف. خير صفوف الرجال أولها، وأول الصفوف هو الصف الذي يكون خلف الإمام، ثم الذي يليه. فالصف الذي خلف الإمام هو أول الصفوف التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على إدراكها والحرص عليها. وشرها آخرها، وشرها آخرها، أي: شر صفوف الرجال آخرها. وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها. يعني إذا كنا نصلي مع الرجال، فخير صفوف النساء آخرها؛ لبعدها عن الرجال. وشر صفوف النساء أولها؛ لقربها من الرجال. أما إذا صلينا وحدهم في مسجد مستقل عن الرجال، فحينئذ تكون خير الصفوف النساء أولها، وشرها آخرها كالرجال. لكن هذا لما كان النساء يصلين مع الرجال، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أنه كلما بعد الإنسان من النساء، كلما كان ذلك أفضل وأكمل وأحسن. وهكذا إذا ابتعدت النساء عن الرجال، فإن ذلك أبعد للفتنة. وكذلك أيضا أسلم من الوقوع في الشر. وفي هذا الحديث كذلك بيان أن اختلاط الرجال بالنساء فتنة عظيمة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء. ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على البعد بعد النساء عن الرجال، وبعد الرجال عن النساء. حتى إذا صلى النساء مع الرجال، فإنهن يصلين خلف الرجال، وحث على ابتعاد الصفوف من الرجال. وأنه خير صفوف النساء آخرها؛ لأنها بعيدة عن الرجال. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم أيضا وإذا صلى الله عليه وسلم يدخلنا ويخرجنا منه، حتى لا يخلطنا بالرجال. ولذلك أيضا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مصافحة النساء الأجانب، والخلوة بالمرأة الأجنبية، والسفر بالمرأة بلا محرم، والدخول على النساء الأجانب. كل ذلك لعظم الفتنة بالنساء، فسد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفتنة بإقامة هذه الذرائع التي تفضي إلى الوقوع بالفتنة بالنساء. قال: الحديث السادس عشر بعد المائة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قال: فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسي من ورائي، فأجعلني عن يمينه. متفق عليه. هذا الحديث في أن ابن عباس رضي الله عنهما صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام ذات ليلة، وكان ذلك عندما بات عند خالته ميمونة، زوج النبي عليه الصلاة والسلام. فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقام ابن عباس ليصلي معه، فقام عن يساره، قام عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه وأداره وقام عن يمينه. فدل هذا الحديث على أن ما قام الواحد مع الإمام يكون عن يمينه. إذا صلى الإمام مع مصل واحد مأموم، فإنه يقوم عن يمين الإمام، ولا يتأخر عنه، ما يتأخر عنه، بل يقف بجانبه بحذائه، كما في هذا الحديث. قال: فأقامني وأجعلني عن يمينه، يكون محاذيا له عن يمينه. هذه السنة. وإذا صلى عن يساره، هل تبطل الصلاة بذلك؟ الجواب: لا، الصلاة صحيحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر ابن عباس أن يستانف الصلاة من جديد، وإنما أداره وأوقفه عن يمينه. فلو صلى عن يساره واستمر حتى أكمل الصلاة، فالصلاة صحيحة. وإذا كان ذلك يعني عن عمد، فصحيحة مع الكراهة؛ لأن هذا خلاف السنة، السنة أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام. نعم، وإذا أدار الإمام من وقف عن يساره، ما يديره من أمامه، لكن من خلفه، حتى ما يقطع عليه صلاته. قال: حديث السابع عشر بعد المائة. وعن أنس رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا. متفق عليه، واللفظ للبخاري. قال: حديث العاشر بعد المائة. وعنه صلى الله عليه وسلم وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبامرأة، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. رواه مسلم. نعم، هذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأنس ويتيم معه، وامرأة. وفي بعض الروايات: والعجوز، هنا ذكر أنها أم سليم. وأم سليم هي أم أنس بن مالك رضي الله عنه. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام أنس واليتيم خلفه، والمرأة خلفهم. فهذا في أن مقام الاثنين خلف الإمام أو مع الإمام في الصلاة يكون خلف الإمام، فيتقدم الإمام، ويصلي الاثنان خلفه. وإذا كان معهم نساء، فالمرأة تقوم خلف الرجال، ولو وحدها، فالمرأة صف وحدها. نعم، فيكون الترتيب هكذا: الإمام، ثم الرجال، ثم النساء. فإن كان هناك صبيان، فالصبيان يصلون مع الرجال، يصلون مع الرجال. نعم، وإذا كان وحده ومعهم امرأة، فيقوم المأموم بجانب الإمام، والمرأة من خلفهم، كما في الرواية الأخرى. وهل يجوز أن يقوم من الاثنان عن يمين ويسار الإمام؟ الجواب: أنه يجوز. نعم، يجوز، ثبت هذا عن ابن مسعود أنه صلى بإبراهيم وعلقمة أو بالأسود، فقام أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وأنه قال: رأيته يفعل ذلك. وهذا يحمل على إذا كان المكان ضيقا، فلا بأس أن يصلي أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. وأما إذا كان واسعا، فيقومان خلفه. قال: حديث التاسع عشر بعد المائة. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثا. وإياكم وهَيشات الأسواق. رواه مسلم. نعم، في هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يليه خلفه من المأمومين أولو الأحلام والنهى، يعني أهل العقول والحجى والعلم والفضل. فالأولى أن يكون خلف الإمام من كان كبيرا في السن، من أهل العلم والفضل والصلاح، حتى إذا حصل للإمام شيء، أمكن أن ينيب من يقوم مقامه منهم. أو إذا سهى الإمام، فينبهونه، وحصل منه خطأ. نعم، أو كذلك أيضا يكتدون به في صلاته، وذلك المصالح الكثيرة. فالأولى بالمقام خلف الإمام هم أهل العلم، وأهل الأحلام والنهى. ثم الذين يلونهم، يعني ثم الذين هم أنزل منهم في الدرجة، وأقل منهم علما وفقها وهكذا. قال: وإياكم وهَيشات الأسواق. يعني إياكم أن ترفعوا أصواتكم في المسجد بالصياح واللغط ورفع الصوت، كما يفعل ذلك في الأسواق. أي: لا تجعلوا المساجد كالأسواق، ترفع فيها الأصوات، ويعني يحصل فيها اللغط ونحو ذلك، بل ينبغي أن تنزه المساجد من ذلك. نعم، فإذا تأخر أولو الأحلام والنهى، وقام غيرهم مقامهم، فحينئذ هم أولى بهذا المقام، ولا ينبغي لهم أن يبعدوهم؛ وقد تخلفوا عن مثل هذا الموضع.