كتاب الصلاة 20

كتاب الصلاة 20

الدرس في كتاب الصلاة 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صلاة الاستخارة وأهميتها في اتخاذ القرارات

شرح كيفية أداء صلاة الاستخارة ودعائها وأهميتها في الأمور الهامة. يبين أهمية اللجوء إلى الله في اتخاذ القرارات.

أهمية صلاة الجماعة وفضلها

يشرح فضل صلاة الجماعة وأهميتها، ويبين مضاعفة الأجر فيها وتحذير النبي من التخلف عنها. يستدل بحديث يهدد فيه المتخلفين.

أدلة وجوب صلاة الجماعة وآدابها

يتناول أدلة من السنة على وجوب صلاة الجماعة وشرح شروط إدراكها مع الإمام، ويوضح أهمية متابعة المأموم للإمام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث التاسع والثمانون بعد الأربع مئة. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم قدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته. رواه البخاري. نعم، هذا الحديث فيه بيان مشروعية صلاة الاستخارة. صلاة الاستخارة هو إذا أراد الإنسان أن يقدم على أمر من الأمور، من تجارة أو سفر أو زواج أو نحو ذلك من الأعمال، فيصلي صلاة الاستخارة ويدعو الله عز وجل حتى يكتب الله عز وجل له الخير في هذا الأمر. فجابر رضي الله عنه يقول: كان نبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يعني أن أمر الاستخارة أمر مهم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إياها كما يعلمهم السورة من القرآن. ثم يقول: إذا هم أحدكم بالأمر، إذا هم أحدكم بالأمر، هم إنسان بأمر من الأمور، هم أن يسافر، هم أن يتزوج، هم بتجارة أو لا ذلك من الأعمال، فإنه يستحب له أن يصلي صلاة الاستخارة. قال: فيركع ركعتين من غير الفريضة، إذا صلاة الاستخارة عبارة عن ركعتين تصلى من غير الفريضة، يعني ممكن أن تصلى نافلة، فينوي بها الاستخارة، سواء كانت نافلة راتبة أو نافلة مطلقة، المهم أنها عبارة عن ركعتين من غير الفريضة. وقوله: من غير الفريضة، يعني أن تكون نافلة، سواء كما سمعتم نافلة مطلقة أو نافلة مقيدة. فيركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل. ثم ليقل، يعني هل يقول هذا قبل السلام أو يقوله بعد السلام، اختلف أهل العلم، لكن ظاهر قوله: ثم ليقل، أن الدعاء بعد السلام، لأن ثم تفيد الترتيب والتراخي، فظاهر ذلك أن الدعاء يكون بعد الفراغ من السلام. ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، اللهم أصلها يا الله، حذفت يا هاء النداء وعوض عنها بميم الجمع. إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم. أستخيرك بعلمك يعني أطلب منك الخير في هذا العمل، وأنت أعلم بالخير مني، هل في هذا العمل خير في الإقدام عليه أو ليس فيه خير، فأنا أستخيرك بعلمك. وأستقدرك بقدرتك، فأنت الذي تقدر، وأنت الذي على كل شيء قدير، وأنا الضعيف العاجز. وسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. وهذا إظهار للضعف والعجز وفقر العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي، هذا الأمر الذي يريد أن يقدم عليه، إن كان فيه خير له، خير لي في ديني ومعاشي، أي يعود علي بالخيرية والنفع في ديني أو في معاشي وحياتي. وعاقبة أمري، أي ما يتعلق بالمستقبل. أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. إذا كان فيه خير لي علمت يا رب أن هذا الأمر خير لي، فاقدره لي، يسر لي هذا الأمر، وسهله لي، وبارك لي فيه، اجعل فيه البركة والخير. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، يعني الإقدام عليه فيه شر وعدم خير، فاصرف هذا الأمر عني، وأبعده عني. قال: شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، اصرفني اصرفه عني واصرفني عنه، أي هذا الأمر اجعلني بعيدا منه، واجعله بعيدا مني، واجعل يعني حاجزا يحجز عني الوقوع في هذا الأمر أو فعل هذا الأمر. قال: وقدر لي الخير، قدر لي الخير حيث كان، يعني قدر لي الخير، سواء كان بالإقدام على هذا الأمر أو بالإحجام عنه. قال: ثم رضني به، أي اجعلني راضيا بهذا الخير الذي قدرته لي. قال: ويسمي حاجته، يعني يقول حاجة الفلانية، هذا الأمر، سفري، إقدامي على الزواج، إقدامي على التجارة، الأمر الذي يريد أن يقدم عليه. نعم، فهذا الحديث حديث عظيم في بيان صلاة الاستخارة. ثم ما الذي يترتب على ذلك؟ ما الذي يترتب على ذلك؟ هل يجد الإنسان شيئا في نفسه من أثر هذه الصلاة والدعاء؟ أو أنه يصلي صلاة الاستخارة ويدعو الله ثم يقدم على ما أراد أن يفعله؟ فإن كان فيه خير يسر الله له أموره، وإن كان فيه شر صرف الله عنه هذا الأمر، بوجود موانع وعواقب تقف في طريقه لتحقيق هذا الأمر. اختلف أهل العلم في هذا، منهم من قال: أنه ينظر إلى ما ينشرح إليه صدره، فيعمل به، إذا وجد راحة وطمانينة وانشراح صدر، أقدم، وإذا وجد ضيقا وحرجا فإنه يحجم عن هذا الأمر. ومنهم من قال: بل يصلي ويدعو ويقدم على هذا الأمر، فإن كان فيه خير يسره الله، وإن لم يكن فيه خير فيجعل الله عز وجل موانع تمنعه من فعل هذا الأمر. الثاني هذا هو الأظهر والله أعلم، أنه يصلي ويدعو ويدعو الله عز وجل ثم يقدم، لأنه قد هم على هذا الأمر، يقدم عليه، فإن كان فيه خير وفقه الله ويسر الله له أموره، وإن لم يكن فيه خير جعل الله عواقب وموانع تمنع من حصول هذا الأمر. مثال ذلك، مثلا لو أنه استخار الله في الإقدام على الزواج من امرأة معينة، ثم يقدم على خطبتها والزواج بها، فإن كان في ذلك خير يسر الله أمور الزواج، وإن لم يكن فيه خير جعل الله جل وعلا عواقب وموانع وعراقيل تعرقل إتمام هذا الزواج، ويكون هذا الخير له عدم الزواج بهذه المرأة، وكذا في بقية الأمور. والله الحمد لله، رسالة في شرح هذا الحديث وذكر فوائده، وأيضا طرقه وهي مطبوعة، سميناها الإنارة بشرح وتخريج حديثي وآثار الاستخارة. قال المصنف رحمه الله: باب صلاة الجماعة والإمامة. قال: حديث التسعون بعد الأربع مئة. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. متفق عليه. ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: بخمس وعشرين جزءا. قال: حديث الحادي والتسعون بعد الأربع مئة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ولا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظر الصلاة. متفق عليه. نعم، هذا الباب باب صلاة الجماعة والإمامة، سيذكر فيه الأحاديث المتعلقة بصلاة الجماعة، وكذلك أيضا بأحكام الإمامة. فذكر في هذا الباب حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: بخمس وعشرين ضعفا. ولا تعارض بين رواية حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي هريرة، فكون صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وفي حديث أبي هريرة: بخمس وعشرين درجة، فإن الأقل يدخل في الأكثر. فذكر السبع وعشرين تضمنها ذكر الخمس والعشرين، ففي السبع وعشرين زيادة، يعني تضاعف بخمس وعشرين وزيادة إلى سبع وعشرين ضعفا. فيحمل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أولا بأنها تضاعف بخمس وعشرين درجة، ثم أوحي إليه بالزيادة بأنها تضاعف عليها بسبع وعشرين درجة. ومن أهل العلم من قال: إن المضاعفة تختلف باختلاف حال المصلي من حيث الخشوع وحضور القلب، فقد يكون لهذا المصلي خمس وعشرين درجة، وللآخر لكثرة خشوعه وتدبره وحضور قلبه سبع وعشرين درجة. وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد، أفضل من صلاة المنفرد، لأنها تضاعف على صلاة الفذ. والمراد بالفذ أي المنفرد، بهذه بهذا العدد الكثير، سبع وعشرين ضعفا، بسبع وعشرين ضعفا. كذلك أيضا فيه دلالة على أن صلاة المنفرد صحيحة، أن صلاة المنفرد صحيحة، وأن الجماعة ليست شرطا لصحة الصلاة، كما يقول داود الظاهري، فداود الظاهري يقول: بأن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، والصحيح أنها ليست شرطا لصحة الصلاة، بل قد تصح، ولو ترك الجماعة بغير عذر، فيكون آثما، وصلاته صحيحة، بدلالة هذا الحديث. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الجماعة، الرجل في الجماعة، تضاعف على صلاة الفذ والمنفرد. معنى هذا أن صلاة الفذ صحيحة. وفي حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب مضاعفة الأجر، أن المصلي في جماعة إذا توضأ فأحسن الوضوء، أعطى كل عضو حقه من الغسل، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، يعني لا يريد ولا يقصد إلا الصلاة، ما يريد شيء من أمور الدنيا، وإنما قصد ونيته أن يذهب ليصلي، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة. فإذا كان المسجد بعيدا من بيته زادت الدرجات وزاد تكثير الخطايا والسيئات، وهذا لا يجده من صلى منفردا. قال: فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه - يعني تدعو له - ما دام في مصلاه: اللهم صلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. الملائكة تدعو لهذا المصلي، تدعو الله عز وجل أن يصلي عليه وأن يغفر له وأن يرحمه. ولا يزال أحدكم في صلاة - يعني إذا ذهب ليصلي الجماعة وجلس ينتظر الصلاة فهو كأنه في صلاة - كأنه في صلاة، ويؤجر على ذلك. فهذه أجور عظيمة لا يتحصل عليها من صلى منفردا. قال: الحديث الثاني والتسعون بعد الأربع مئة. وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيأم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء. متفق عليه. ومعنى عرق سمين: يعني العظم الذي فيه لحم. ومرماتين: قيل: هما ظلف الشاة، الذي يكون فيه لحم. وقيل: هما اسم للسهم الذي يتعلم به الرماية. ومعنى الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام هم أن يأمر بحطب فيحتطب - أي يجمع - ثم يأمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم يأمر رجلا فيأم الناس - أي يصلي بهم - ثم يخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة - يعني يتخلفون عن صلاة الجماعة - فيحرق عليهم بيوتهم بهذا الحطب الذي جمعه. ثم قال: والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء. أن هؤلاء المتخلفين عن صلاة الجماعة لو كان أحدهم يعلم أنه لو جاء لوجد هذا الطعام - العرق الشمين عظم مليء لحم - أو وجد ما يلهو به كالمرماتين حسنتين - يعني لو أنه يجد شيء من متاع الدنيا من طعام ولهو - لشهد العشاء وما تخلف عنها. وهذا معنى يعني أن هؤلاء المتخلفين عن الجماعة ما حملهم على ذلك إلا الكسل والخمول أو النفاق. ولهذا لوجد شيء من متاع الدنيا لا حضر وتعنى وتقصد شهود العشاء. وهذا الحديث يستدل به أهل العلم على وجوب صلاة الجماعة على وجوب صلاة الجماعة، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام هم أن يحرق بيوت المتخلفين، وهذا لا يكون في ترك مستحب، وإنما يكون في ترك واجب، إنما يكون في ترك واجب. والصحيح في حكم صلاة الجماعة أنها فرض عين، أنها فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ قادر، فيجب عليه صلاة الجماعة. وهذا قول إمام أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث. وذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، وهذا قول داود الظاهري كما ذكرنا، وليس بصحيح. ومنهم من ذهب إلى أنها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم على الآخرين. وهذا قول إمام الشافعي رحمه الله وبعض المالكية. ومنهم من ذهب إلى أنها سنة مؤكدة، وهذا قول الجمهور، قول الجمهور هو المشهور، المذهب مالك وأبي حنيفة، وقول الشافعية. والصحيح أنها فرض عين، لهذا الحديث وما سيأتي بعده من الأحاديث الدالة على وجوب صلاة الجماعة. قال: حديث الثالث والتسعون بعد الأربع مئة. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. متفق عليه. نعم، هذا الحديث أيضا مما يدل على وجوب صلاة الجماعة. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن صلاة العشاء وصلاة الفجر - يعني في جماعة - ثقيلة على المنافقين، ثقيلة على المنافقين. ولو يعلمون ما فيهما - أي من الأجر والثواب - لأتوهما ولو حبوا - أي على الركب - لحرصوا على شهودها وحضورها، ولو يحبون على ركبهم. فوصف من تخلف عن صلاة الجماعة في الفجر والعشاء بالنفاق، يدل على أن صلاة الجماعة واجبة، إذ لو كانت مستحبة أو فرض كفاية لما وصف المتخلف بالنفاق، لما وصف المتخلف عنها بالنفاق. قال: حديث الرابع والتسعون بعد الأربع مئة. وعنه رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخص له - يعني أن يصلي في بيته - فلما ولى دعاه، قال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب. رواه مسلم. نعم، هذا الحديث أيضا من أدلة وجوب صلاة الجماعة. هذا أعمى يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي في بيته، ليس له قائد يقوده - أي يأخذ بيده - إلى المسجد، فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، فلما ولى وذهب دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أتسمع النداء - تسمع النداء إلى الصلاة - الأذان؟ قال: نعم. قال: فأجب. أمره أن يجيب. فإذا كان هذا في حال الأعمى الذي لا يبصر ولا قائد يقوده، فكيف بالمبصر والمعافى الذي ما عنده مرض ولا عنده يعني سقم؟ فوجوب حضوره وشهوده لصلاة الجماعة من باب أولى. وهذا ظاهر في الدلالة على وجوب صلاة الجماعة. قال: الحديث الخامس والتسعون بعد الأربع مئة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر. رواه ابن ماجه وصححه ابن حبان، وإسناده على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه. نعم، بعضهم رجح وقفه على ابن عباس، وذلك أن غندر أوقف الحديث، وهكذا أكثر أصحاب شعبة. لكن الحديث له شواهد وطرق متعددة. من سمع النداء - أي الأذان - فلم يأت - أي لشهود صلاة الجماعة - فلا صلاة له إلا من عذر. وهذا النفي يحمل على نفي الكمال، أي لا صلاة له كاملة، وليس على نفي الصحة. لا صلاة له إلا من عذر، أي إذا كان معذورا فلا شيء عليه. ومن الأعذار: المرض والخوف والمطر ونحو ذلك مما فيه هذا المعنى، خوف الإنسان على ماله أو أهله أو شيء من ذلك. أو كذلك إذا حضرت الصلاة في وقت حضور الطعام أو مدافعة الأخبثين، فكل هذه أعذار تبيح للإنسان التخلف عن صلاة الجماعة. وهذا الحديث أيضا دليل من أدلة وجوب صلاة الجماعة. وأيضا من أدلة حديث مسعود في مسلم: لما قال: وقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، يعني كان من تخلف عن صلاة الجماعة اتهم بالنفاق، وكان ذلك علامة على أنه من أهل النفاق. وكما مر معنى أنه لا يتهم المرء بالنفاق بترك مستحب، وإنما بترك واجب. وأيضا استدل بهذا العلم من القرآن بقول الله جل وعلا: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. والراكعون يركعون في بيوت الله. واغذ في قولي جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية في صلاة الخوف، أمر الله جل وعلا أن تصلى جماعة. هذه كلها من الأدلة على وجوب صلاة الجماعة. قال: حديث السادس والتسعون بعد الأربع مئة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة. متفق عليه، واللفظ لمسلم. من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة، هذا الحديث فيه دلالة على أن إدراك الصلاة مع الإمام يكون بإدراك ركعة، يكون بإدراك ركعة، يعني ركعة كاملة، الركوع مع ما بعده من السجود إلى آخره. فمن أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للصلاة مع الإمام، يعني إذا فاتت الإنسان الركعات كلها ودخل معه بعد أن رفع من الركعة الأخيرة وما بعدها، فهنا فاتته يعني صلاة الجماعة، إلا إذا كان له عذر، فيرجى أن يكتب له الأجر، إلا فهو لا يكون مدركا لفضل الجماعة، لأنه لم يدرك معه ركعة من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة. وعلى هذا، فصلاة الجمعة مثلا تدرك بإدراك ركعة مع الإمام، لو أن إنسان جاء متأخرا بصلاة الجمعة فأدرك الركعة الأولى ودخل مع الإمام في الركعة الثانية، هنا يكون مدركا لصلاة الجمعة، فإذا انتهى الإمام من الصلاة يقوم ويأتي بركعة أخرى. لكن لو جاء وقد رفع الإمام من الركعة الثانية ودخل معه في الصلاة، فهنا لا يكون مدركا للجمعة، وإنما يصلي ظهرا، يصلي ظهرا، لأنه لم يدرك معه ركعة. وهذا قول يعني جمهور أهل العلم. قال: حديث السابع والتسعون بعد الأربع مئة. قالوا: عن يزيد بن الأسود رضي الله عنه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذاه برجلين لم يصليا، فدعا بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، قال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قال: قد صلينا في رحالنا - يعني في بيوتنا - قال: فلا تفعل، إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه، فإنها لكما نافلة. رواه الثلاثة وصححه ابن حبان. نعم، الحديث صحيح. النبي صلى الله عليه وسلم صلى مع أصحابه صلاة الصبح، فلما فرغ من الصلاة ذهب رجلان لم يصليا - أي معهم - فدعا بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فجيء بهما ترعد فرائصهما - يعني خوفا من النبي عليه الصلاة والسلام - فسألهما ما هو السبب والمانع الذي منعهما أن يصليا معهم؟ فأخبره أنهما صليا في رحالهما، والعلل ذلك لعذر، كالمطر أو شيء من ذلك. فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم إن فعل ذلك - إن صليا في رحالهما ثم جاء إلى المسجد وجد الإمام لم يصل أو ما زال في الصلاة - أن يصليا معه، أن يصليا معه، فتكون له لهذا المصلي الذي قد صلى في رحله تكون صلاته مع الجماعة نافلة مستحبة. وفيه أن الإنسان إذا صلى في رحله لعذر - كان مريضا مثلا - ثم وجد نشاطا وأراد أن يخرج إلى المسجد، أو صلى في رحله لوجود مطر أو نحو ذلك من الأعذار، ثم خرج إلى المسجد يريد أحدا في المسجد، فوجد الناس يصلون، فإنه يصلي معهم، ما يجلس من دون صلاة، لأن هذا سبب لماذا؟ لإساءة الظن به، لو رأاه الناس يقول: فلان ما يصلي، فلان ما صلى معنا، فيسيئون به الظن. صلي معهم وتكون لك نافلة، تكون لك نافلة، حتى لا يساء بك الظن. وفيه دلالة على أن الصلاة الأولى التي يصليها الإنسان هي الفريضة، وإذا عاد مرة أخرى لغرض، فإن تكون نافلة. قال: حديث ثامن والتسعون بعد الأربع مئة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمد، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين. رواه أبو داود، وهذا لفظه، وأصله في الصحيحين. هذا الحديث فيه وجوب متابعة المأموم للإمام، فإذا صلى المأموم خلف الإمام فيجب عليه أن يتابع الإمام، ولا يسبق الإمام، ولا يتأخر عنه، لا يسبقه في الأركان، ولا كذلك يتأخر عنه في المتابعة. فإنما جعل الإمام ليؤتم به - أي ليقتدى به - فإذا كبر فكبروا مباشرة، إذا كبر تكبيرة الإحرام، فنكبر بعده، لا نتأخر. ولا تكبروا حتى يكبر، لا يتعجل الإنسان فيكبر قبل الإمام، إذا فعل ذلك لم تنعقد صلاته، هو الآن يصلي مأموما، كيف يكبر قبل أن يكبر الإمام؟ فلا يكبر حتى يكبر الإمام. وهكذا إذا ركع فيركع بعد ركوع الإمام، ولا يركع قبله. وإذا رفع يرفع بعد أن يرفع الإمام. إذا قال: سمع الله لمن حمد، فنقول: ربنا لك الحمد. وهكذا إذا سجد فنسجد بعده، ولا نسجد حتى يسجد، ما نتعجل، يعني مثلا رفع من الركوع، سمع الله لمن حمد، وأطال القيام، ما نتعجل بالركوع بالسجود قبل أن يسجد، بل ننتظر حتى يسجد، فنسجد بعده. وإذا صلى قائما نصلي قياما، وإذا صلى جالسا نصلي جلوسا. قال: إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين، يعني تابعوه حتى في القيام والجلوس. نعم، هذا حديث كما سمعتم في وجوب متابعة الإمام. لكن في قوله: وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين، اختلف أهل العلم في متابعة الإمام في الجلوس إذا صلى جالسا لعذر، هل يصلي خلفه المأمومون جلوسا مع قدرتهم على القيام؟ فجمهور أهل العلم على أن هذا الحكم منسوخ، على أن هذا الحكم منسوخ. وستدرك بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الأمر، وسيأتي الحديث معنا، ولو كان ذكر بعده كان أفضل. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض، فصل أبو بكر بالناس، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فجلس بجانب أبي بكر، فجعل يصلي وأبو بكر يقتدي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر، فصل النبي صلى الله عليه وسلم جالسا، وصل الناس خلفه قياما، ولم يأمرهم بالقعود. فقالوا: هذا دليل على أن هذا الحكم منسوخ، الأمر بمتابعة الإمام في القعود، أنه نسخ بهذا الحديث، وهو آخر ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام. وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه ليس بمنسوخ، بل أن الجمع بين الحديثين: بأن الإمام إذا صلى ابتداء جالسا - إذا صلى ابتداء جالسا - فإنه يستحب أن نصلي خلفه جلوسا. وأما إذا ابتدأ الصلاة قائما ثم عرض له عارض فجلس، فنستمر في القيام، ولا نتابعه في الجلوس. وعلى هذا يحمل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الأمر جالسا، لأن أبا بكر بدأ بالصلاة قائما، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم وصل بهم جالسا، فاستمر أبو بكر والناس خلفه قياما. وأما إذا ابتدأ الصلاة جالسا، فعلى هذا الحديث، فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين. قال: حديث التاسع والتسعون بعد الأربع مئة. وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار؟ متفق عليه. هذا الحديث فيه نهي عن مسابقة الإمام، وتشبيه من فعل ذلك بالحمار، وذلك لبلادة هذا الحيوان. فالذي يسابق الإمام شبه بالحمار لبلادته، وذلك أن هذا المسابق للإمام هو في آخر الأمر ما سيخرج من الصلاة إلا بعد الإمام، إذن ما الداعي إلى المسابقة؟ ما الداعي إلى أن يسابق الإمام؟ هذا من غباوته وبلادته، لهذا شبه بالحمار. وهذا وعيد أيضا، وعيد أن الله قد يجعل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار، كثرة المسابقة للإمام، قد يجعل الله سبحانه وتعالى في صورته صورة حمار، عقوبة له على هذه المخالفة. فالحديث يدل على تحريم مسابقة الإمام في الصلاة. وهل تبطل الصلاة بذلك؟ إذا سابق المأموم الإمام، جمهور أهل العلم أنها لا تبطل، وإنما يأثم. وإنما يأثم. وذهب الإمام أحمد إلى أنه إذا سبقه بركن - يعني رفع قبل أن ينتقل الإمام إلى هذا الركن - أنها تبطل صلاته. وأما إذا سبقه وبقي حتى جاء الإمام إلى هذا الركن، ثم تابع الإمام، فلا تبطل صلاته بذلك، لأنه حينئذ يكون سبقه بشيء يسير، وتابعه في البقية. نقف هنا إن شاء الله. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.