الدرس في كتاب الصلاة 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تطرق الشارح إلى أحاديث نبوية تشير إلى جواز جمع الصلوات في السفر، وناقش آراء الفقهاء حول الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر. واستدل على ذلك بأحاديث عن أنس ومعاذ وابن عباس رضي الله عنهم.
استدل الجمهور بأثر ابن عباس وابن عمر على أن مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة هي أربعة برد. لكن الصحيح أن مسافة السفر ترجع إلى العرف ولم يحددها الشرع بمسافة معينة.
يشرح كيفية صلاة المريض، حيث يصلي قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع فجالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن، ويومئ بالركوع والسجود برأسه. ويجعل السجود أخفض من الركوع.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث الثاني والأربعون بعد الخمسمائة. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب. متفق عليه. قالوا: في رواية للحاكم في الأربعين، بإسناد صحيح: صلى الظهر والعصر، ثم ركب. يعني إذا ارتحل إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، يدخل وقت الظهر قبل أن يسافر، صلى الظهر والعصر. في رواية الحاكم قال: وليس أبي نعيم في مستخرج مسلم: كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم ارتحل. قال: الحديث الثالث والأربعون بعد الخمسمائة. وعن معاذ رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان يصل الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا. يعني يجمع بينهما. قال: الحديث الرابع والأربعون بعد الخمسمائة. وعنه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصل الظهر والعصر جميعا، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب. رواه الترمذي، وقال الحاكم: حديث موضوع. والحاكم أعل الحديث بتفرد قتيبة بن سعيد، وهو ثقة. وخالفه جماعة من أهل العلم، فصحح الحديث كإمام من قيم رحمه الله. والحديث له شواهد، وقد صححه بها العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة. وفي هذه الأحاديث جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، ولو في غير عرفة ومزدلفة، جواز الجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. وهذا مذهب جمهور العلماء: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في كل سفر. وخالف الحنفية، وقالوا: المراد بهذا الجمع الجمع الصوري. الجمع الصوري يعني ما كان فيه صورة الجمع، وليس هو جمعا حقيقيا. بمعنى يؤخر الظهر مثلا إلى آخر وقتها، فيصليها، ثم يدخل وقت العصر، فيصلي العصر في أول وقتها، فيصير في الصورة كأنه جمع بين الصلاتين. وهكذا في المغرب والعشاء. لكن الصحيح أن المراد بهذا الجمع جمعا حقيقيا، يعني يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، فيصليها في وقت الأخرى، أو يقدم الصلاة قبل وقتها، فيصليها في وقت الأولى. وفيه أيضا جواز الجمع بين الصلاتين تأخيرا وتقديما، تأخيرا وتقديما. فيجوز تأخير الصلاة الحاضرة كالظهر مثلا إلى أن يأتي وقت العصر، فيصليها في وقت العصر. وهكذا المغرب مع العشاء. وهكذا العكس، يقدم صلاة العصر فيصليها في وقت الظهر، ويقدم صلاة العشاء فيصليها في وقت المغرب. وهذا بالنسبة للمسافر، ينظر إلى ما كان أيصر عليه. وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم مجافي الأحاديث هنا يدل على هذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، يعني إذا دخل وقت الظهر وهو لم يتحرك بعد، صلى الظهر والعصر جمع تقديم، ثم انطلق. هذا أيصر على المسافر، حتى لا يحتاج أن يتوقف بعد ذلك للصلاة وقت الصلاة. وإذا كان العكس قد سافر قبل الظهر، ودخل وقت الظهر وهو في السفر والسير، فالأرفق بالمسافر أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويصليها في وقت العصر. وهكذا يقال في المغرب والعشاء. فما كان أيصر على المسافر فعلا. وكل الأمرين جائز، يجوز جمع التقديم، ويجوز جمع التأخير. وأيضا في هذه الأحاديث دلالة على جواز الجمع في حال النزول، الجمع بين الصلاتين في حال النزول. وأن الجمع لا يختص يعني في السفر في حال السير فقط، بل يجوز لو كان المسافر نازلا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك نزل وجلس نحوا من عشرين يوما، فكان يدخل ويخرج في أوقات الصلوات، فيصلي ويقصر الصلاة. قال: الحديث الخامس والأربعون بعد الخمسمائة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. رواه مسلم. وفي لفظ له: في غير خوف ولا سفر. هذا الحديث اختلف أهل العلم في دلالة هذا الحديث على حكم الجمع بين الصلاتين في حال الحضر. منهم من قال: أن هذا الحديث منسوخ. هذا الحديث منسوخ. نعم، وجعلوا الناس والإجماع على خلافه. حتى قال الإمام الترمذي رحمه الله في آخر جامعه: ولم يقل به أحد من أهل العلم. وإن كان هذا يصح سنده. ومن أهل العلم من حمله على الجمع الصوري: أن المراد يجمع بين الصلاتين جمعا صوريا، كما ذكرنا قبل قليل. يؤخر مثلا المغرب إلى آخر وقتها، فيصليها، ثم يقدم العشاء في أول وقتها، فيصليها، فيصير في الصورة كأنه جمع بين الصلاتين. لكن الصحيح أن هذا جمع حقيقي. وهذا هو ظاهر هذا الحديث. وأيضا يدعى على هذا المعنى: أن ابن عباس كما في مسلم خطب الناس، وعظهم بعد العصر، حتى غابت الشمس، واستمر. فقال الناس: الصلاة الصلاة. حتى رأوا النجوم. فجاء يعني رجل من الأعراب بصوت قوي يقول: الصلاة الصلاة. فقال له ابن عباس: أتعلمني السنة؟ لا أم لك. لقد جمعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. فهذا حديث صريح. لأن هذا الجمع جمع حقيقي. أنه أخر صلاة المغرب، وصلاها مع العشاء. وذهب بعض أهل العلم، الإمام أحمد رحمه الله، وجماعة من أهل الحديث، إلى أن المراد بهذا الحديث هو الجمع بين الصلاتين لأجل المرض. لأنه قال هنا: من غير خوف ولا مطر. وفي الرواية الأخرى: من غير خوف ولا سفر. قالوا: بقي عذر المرض. وما كان بمعنى المرض. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الجمع بين الصلاتين لأجل الحاجة، إذا وجدت الحاجة والحرج، فيجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر. وإلى هذا ذهب ابن سيرين رحمه الله. وكذلك جماعة من أهل العلم. ومنهم من قال: يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر، ولو من غير حاجة وعذر، إذا كان هذا لم يتخذ عادة أنه يجمع بين الصلاتين. وهذا أيضا روي عن ابن سيرين، وأشهب من المالكية. والأظهر، والله أعلم: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر، إذا وجد الحرج، إذا كان هناك حرج بعدم الجمع، فلا بأس. لأن ابن عباس لما سئل: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. إذا يكون الجمع لوجود الحرج، إذا لم يجمع وجد الحرج والمشقة، فحينئذ لا بأس أن يجمع عند الحرج. ويكون هذا القول يعني أعدل الأقوال في دلالة هذا الحديث. فإذا وجد الحرج فلا بأس أن يجمع بين الصلاتين، كالمرض مثلا. ومثله إذا كان إنسان رفيق للمريض، وكان المريض في حالة يعني يخاف منها الموت، فيخاف إن ذهب أن يموت. وكذا نحو ذلك، فيبقى معه ويأخر الصلاة، لا بأس. كذلك أيضا كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله: إذا كان إنسان يعني يطبخ طعاما، إن ذهب وصلى يخشى أن يفسد الطعام ويحترق، أو نحو ذلك. أو من يخبز خبزا، يخشى إن ذهب كذلك أن يحترق، أو شيء من ذلك. أنه لا بأس أن يجمع بين الصلاتين. ونحو ذلك مما فيه رفعا للحرج، فهذا الحديث يدل على جواز الجمع في مثل هذه الحال. وقوله رضي الله عنه: من غير خوف ولا مطر. ومن غير خوف ولا سفر. يدل بمفهومه يعني مفهوم المخالفة: أنه يجوز الجمع عند الخوف، وعند المطر، وعند كذلك السفر. فهذا لا إشكال فيه. الجمع في السفر هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. وكذلك أيضا الجمع في الخوف كذلك يجوز. بداءة هذا الحديث أن قوله: جمع من غير خوف. معنى أنه كان يجمع في الخوف: أنه يجوز الجمع لأجل الخوف. وإذا جاز الجمع للمريض من أجل مرض، وهو عذر شخصي، وهو عذر شخصي، يجوز له أن يجمع بين الصلاتين. فكيف بعذر الخوف؟ قد يكون الخوف من عدو، ويترتب عليه مفاسد ونحو ذلك. فلا شك أن القول بجواز الجمع في الخوف أولى من القول بجواز الجمع في حال المرض. أو كذلك في حال المطر أيضا، جواز الجمع في حال المطر: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين، سواء كان بين العشائين أو بين الظهرين، يعني الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وإن كان في الظهر والعصر خلاف بين أهل العلم. والصواب أنه يجوز، لعموم هذا الحديث. يدل على جواز الجمع بين الصلاتين في الظهر، وكذلك في المغرب. وهذا من التيسير والتخفيف على هذه الأمة. قال: لكي لا يحرج أمته. حتى لا يحصل لهم الحرج، إذا لم يجمعوا. إذا كان عدم الجمع يوقع في الحرج، فلا بأس أن يجمعوا، ويحصل لهم التخفيف والتيسير، ورفع الحرج والمشقة عنهم. قال: الحديث السادس والأربعون بعد الخمسمائة. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان. رواه الدارقطني بإسناد ضعيف. والصحيح أنه موقوف. كذا أخرجه الشافعي بنحوه. نعم، المرفوع ضعيف جدا. في إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف. وفيه، عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف. كما قال البيهقي رحمه الله. والصحيح أنه موقوف من قول ابن عباس. وصح نحو عن ابن عمر: أنهما كان يريان القصر في السفر في أربعة برد. في أربعة برد. والبريد: اثنا عشر ميلا. فأربعة برد: ثمانية وأربعون ميلا. والميل طبعا عبارة عن كيلو وستمائة متر. فيضرب كيلو وستمائة في ثمانية وأربعين، سيكون الناتج: ستة وسبعون فاصل ثمانية. يعني نحو سبعة وسبعين كيلو. لهذا بعض الأهم يقول: ثمانين كيلو. هذا الذي يقدرون المسافة السفر بالمسافة، يحتجون بهذا الأثر، أثر ابن عباس، وابن عمر: أنهما قالا: تقصر الصلاة في أربعة برد. هو نحو ثمانين كيلو، يعني بزيادة. وهذا الأثر استدل به من قال بقصر الصلاة في هذه المسافة. هم جمهور أهل العلم. والبريد يعني سمي بذلك: قال أهل العلم: إنه كان بالسابق من أراد أن يرسل رسالة، أرسلها مع صاحب البريد. وصاحب البريد هذا يذهب بخيل، بفرس، ويمشي مسافة يعني يقطعها، فيصل إلى موضع آخر، يعني نحو نصف بريد، ويقف فيستريح، ثم يركب خيلا آخر، وينطلق، ويمشي نصف بريد آخر، فيجد موضعا فيه خيل، فيستريح، ثم يأخذ خيلا آخر، ويستمر حتى يصل إلى البلاد التي أراد. ثم في المرجع كذلك يفعل مثل ذلك. فسميت المسافة بالبريد؛ لأجل هذا؛ لأجل صاحب البريد الذي يسافر لإيصال الرسالة. وعلى كل، فقلنا: هذا الأثر استدل به الجمهور على أن هذه المسافة هي مسافة السفر. ومر معنا في الدرس الماضي: أن الصحيح أن مسافة السفر لا تحد بمسافة معينة، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف. ومن قال بهذا يعني ابن عباس، وابن عمر، قد صح عنهما خلاف ذلك. يعني مر معنا أن ابن عمر كان يقول: لو سافرت ميلا لقصرت. وقال: إذا سافرت ساعة من ليل أو نهار، قصرت الصلاة. فهذا يدل لأنه لم يأخذ يعني لم يجعل هذا حدا لمسافة السفر، لم يجعل الأربعة البرد حدا لمسافة السفر. ولهذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم في ذلك اختلافا كثيرا؛ لأنهم يعني يعلمون أن السفر أطلق في الشرع، فالمرجع فيه إلى العرف. فالمرجع فيه إلى العرف. وكل يذكر يعني شيئا من المسافة، ليس لقصد تحديد مسافة السفر، وإنما إخبار بأنه إذا سافر كذا وكذا، أو قطع مسافة كذا وكذا، أنه يقصر الصلاة. ثم الأربعة برد من أهل العلم من يقول: هي مسافة سفر يوم وليلة، بالسير يعني القوي المعتدل. ومنهم من يقول: بل هي مسافة يومين. الأربعة برد مسافة سفر يومين. والبريد نصف يوم، بالسير المعتدل، لا بالبطيء ولا بالسريع. وعلى كل، فالقول الراجح: أن السفر يرجع في تحديده إلى العرف. فما عد في العرف أنه سفر، فهو سفر. وما لم يعد سفرا، فليس بسفر. قال: حديث السابع والأربعون بعد الخمسمائة. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير أمتي الذين إذا أساءوا استغفروا، وإذا سافروا قصروا، وإذا سافروا قصروا وأفطروا. أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف. وهو في مرسل سعيد بن المسيب عند الشافعي مختصرا. نعم، هذا الحديث ضعيف. فيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ. وفيه عنعنة أبي الزبير. وأراد بهذا الحديث يعني بيان فضيلة القصر في السفر، وأنه أحب إلى الله، وأعظم أجرا. وهذا الحديث كان ضعيف، لكن معناه صحيح: أن السفر القصر في السفر أفضل، وأحب إلى الله؛ لأنه من الرخص التي رخصها الله سبحانه وتعالى. وقد مر معنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: أن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته. ولأن القصر في السفر هو السنة. قال: حديث الثامن والأربعون بعد الخمسمائة. وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير. بواسير جمع باسور. باسور يعني عبارة عن بثرة تكون في أسفل الدبر، يخرج منها دم. قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، قال: صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب. رواه البخاري. نعم، هذا الحديث فيه: أن المصلي إذا عجز عن الصلاة قائما، الأصل والواجب أن يصلي قائما. فإن عجز ما استطاع أن يصلي قائما، ولا أن يتكئ بشيء من غير ما شق عليه شديدة، فيصلي جالسا. إذا ما استطاع أن يصلي جالسا، فيصلي على جنب. قال أهل العلم: الأفضل أن يصلي على جنبه الأيمن، أن يصلي على جنبه الأيمن. أو نعم، جنب الأيمن. وتكون قدماه جهة القبلة، يكون فيها جهة الأيمن، وقدماه جهة القبلة، بحيث أنه إذا أومى بالصلاة، يكون إيماء بالسجود، وركوع إلى جهة القبلة. فإن كان يشق عليه الاتكاء على جانب الأيمن، واتكاء على جانب الأيسر، فإن كان لا يستطيع لا هذا ولا هذا، صلى مستلقيا على ظهره. صلى مستلقيا على ظهره. فإن استطاع أن يأتي بالأقوال، فيأتي بها. يعني يكبر، ويقرأ، ويركع. يعني يكبر الركوع، ويأتي بإذكار الرفع من الركوع، إلى آخره، مع الإيماء بالرأس. فإن عجز عن الأفعال، عن الإيماء بالرأس، فيأتي بالأقوال. فإن عجز عن الأقوال والأفعال، فمن أهل العلم من قال: تسقط عنه الصلاة. كشيخ الإسلام رحمه الله. ومنهم من قال: بل يصلي بقلبه، يصلي ينوي الصلاة بقلبه، ويكبر في قلبه، ويقرأ إلى آخره. وهذا القول أقرب؛ حتى لا تنقطع علاقته بربه سبحانه وتعالى. فما دام أنه حي، وبعقله، فيصلي ينوي الصلاة بقلبه، ويصلي. وهذا الذي يستطيعه. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. قال: حديث التاسع والأربعون بعد الخمسمائة. وعن جابر رضي الله عنه قال: عاد النبي صلى الله عليه وسلم مريضا، فرآه يصلي على وسادة، فرمى بها. يعني كان وضع مخدة تعرفون المخدة، وسادة معروفة، وضعها في الأرض، ويسجد عليها. قال: فرمى بها. وقال: صلي على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك. رواه البيهقي بسند قوي. وصحح أبو حاتم وقفه. نعم، كما في العلل، رجح وقف هذا الحديث. والحافظ ابن حجر رحمه الله يعني استدرك على أبي حاتم: بأنه قد روى هذا الحديث ثلاثة من الثقات مرفوعا، رووه مرفوعا. وبقيت علة أخرى: وهي عنعنة أبي الزبير؛ لأن هذا الحديث من طريق أبي الزبير عن جابر. أبي الزبير محمد بن مسلم، ثقة، إلا أنه مدلس، وقد عنعن. لكن ذكر الشيخ الألباني رحمه الله: أن الحديث شاهد من حديث عمر، وله طرق يصحح بها. وصححه رحمه الله في الصحيحة. هذا الحديث فيه: أن المريض إذا عجز عن السجود على الأرض، فإنه يومئ إيماء، يعني برأسه، يسجد ويركع برأسه. إذا كان يستطيع أن يركع، هذا لا إشكال: أنه يركع وهو قائم، إذا كان يستطيع. أما إذا كان عاجزا عن الركوع والسجود، فيركع ويسجد برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع. هذا الذي يجب عليه في مثل هذه الحال. إذا كان مريضا، وعاجزا عن الركوع والسجود. ولا يلزمه أن يأتي بمخدة أو وسادة، أو شيء مرتفع، ويسجد عليه. لا، هذا ليس من السنة. بل هذا يعتبر من التكلف. وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من فعل هذا، كما في هذا الحديث. قال: الحديث الخمسون بعد الخمسمائة. وعن الحسن عن أمه قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسجد على وسادة من أدم. أدم يعني من جلد. رمد بها. يعني في عينيها. قال: رواه الشافعي. أي: رواه الشافعي مسندا. وهو أخرجه الشافعي من طريق من يروي عنه، قال: أنبأنا الثقة، قال: أنبأنا الثقة، وذكر الحديث. والشافعي إذا قال: حدثني الثقة، وأنبأنا الثقة، يريد به إبراهيم بن يحيى، وهو ضعيف جدا. فهذا الحديث بهذا السند لا يصح. وروى البيهقي من طريق يونس بن عبيد عن الحسن عن أمه. وأمه هذه: مولاة أم سلمة. قال فيها الحافظ في التقريب: مقبولة. يعني مجهولة حال. نعم، فعلى هذا، فالأثر لا يصح. قال: الحديث الحادي والخمسون بعد الخمسمائة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا. رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة. نعم، في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا، فصلى متربعا. جلسة متربعا هكذا، هذه الجلسة. فهذا الحديث فيه استحباب لمن صلى جالسا أن يصلي متربعا. هذا المستحب، مع جواز أن يجلس غير هذه الجلسة. يجوز أن يفترش قدميه، أو يمد قدميه، فيفعل الذي يراه أيصر عليه. وإن استطاع أن يتربع، فهذا أفضل؛ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. هذا آخر حديث يتعلق بهذا الباب: باب المصليات، المسافرين والمريض. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين. صلى الله عليه وسلم.