الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 84، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أهمية معرفة غزوات وسرايا النبي صلى الله عليه وسلم، ويشرح الفرق بين الغزوة والسرية. كما يشير إلى اختلاف العلماء في عد الغزوات والسرايا.
تناول المقطع عدد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف العلماء في تحديد العدد، وتطرق إلى عدد البعوث والسرايا التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم.
غزوة الأبواء هي أول غزوة خرج فيها النبي محمد بنفسه، حدثت في صفر من السنة الثانية للهجرة، وشارك فيها سبعون مهاجريًا، ولم يلقوا مقاومة من قريش.
المقطع يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويُظهر الاعتراف بحدود العلم الإنساني مع التأكيد على العلم الإلهي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وغزوة الأبواء بعد في صفر هذا، وفي الثانية الغزو اشتهر إلى بواط، ثم بدر، ووجب تحول القبلة في نصف رجب. لا زال المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأبيات يتابع علينا بأهم الأحداث التي وقعت لنبينا عليه الصلاة والسلام إثر وصوله إلى دار هجرته إلى المدينة. وهنا بدأ المؤلف رحمه الله تعالى يذكر ما يتعلق بباب الغزوات وأبواب القتال التي خاضها عليه الصلاة والسلام. وهذا الباب من الأبواب المهمة المتعلقة بسيرته عليه الصلاة والسلام في معرفة غزواته وأيامه عليه الصلاة والسلام. قال: جاء عن إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص قال: قال كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا، يعلمهم المغازي ويعدها عليهم، قال: ويعدها علينا ويقول: يا بني، هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها. هذه المفاخر للأمة ترفع رأسًا بمغازي رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي به أظهر الله جل وعلا الدين وقمع به الكفر وأهله. قال: وجاء عن علي بن حسين بن علي قال: كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نعلم السورة من القرآن. فيدلك هذا على بدء نشأة السيرة النبوية، وأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان من أوائل العلوم التي بدأ يعلمونها لمن في أزمانهم مباحث السيرة، وخاصة ما يتعلق بأمر المغازي بذكر غزواته وسراياه عليه الصلاة والسلام. قال: كما نعلم السورة من القرآن أن يحفظونهم ويلقنونهم إياها حتى تبقى خالدة في الذهن ولا تتفلت عليهم. فكانوا يعلمونهم المغازي وهم في سن الصغر. فالشاهد إخواني في الله أن مبحث معرفة مغازي رسول الله عليه الصلاة والسلام يعتبر من المباحث المهمة. وهنا المؤلف رحمه الله تعالى سيشير إلى بعض الغزوات التي ابتدأها نبينا عليه الصلاة والسلام. ومما يذكر في هذا الباب إخواني في الله أن نعلم أن القتال والجهاد الذي فرض على الكفار في وقته عليه الصلاة والسلام كان على نوعين اثنين: قتال كان بحضوره عليه الصلاة والسلام معهم، بغض النظر حصل في هذه المسألة وفي هذه المقتلة حصل قتال أو لم يحصل قتال، تسمى هذه غزوة. اصطلح العلماء على تسميتها غزوة، أي قتال حضره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه يسمى غزوة. قد يكون فيه قتال كما سيأتي في بعضها، وقد لا يكون فيه قتال، لربما أن الكفار انهزموا أو أن الكفار وادعوا نبينا وصالحوه، تسمى كذلك غزوة لأن النبي حضرها بنفسه. وأما القتال الذي ما حضره عليه الصلاة والسلام فيسمى بعوثًا ويسمى سرايا، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ينتدب جماعة من أصحابه إلى الخروج فيخرجوا، لكنه ما حضر، فتسمى هذه بعثة وتسمى كذلك سرية. وهذه مسألة إخواني في الله في مسألة الغزوات والبعوث والسرايا اختلف العلماء في عدها وفي تحصيلها. أما الغزوات التي خرج نبينا صلى الله عليه وسلم بنفسه، فالخلاف فيها قريب في عدها. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي قال: قلت لزيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: قلت له كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أي كم عدد الغزوات التي غزاها؟ قال: تسعة عشرة غزوة. فقال أبو إسحاق: وكم غزوة أنت معه وأنت كم حضرت مع رسول الله؟ قال: سبع عشرة غزوة. وهذا يدلك على مدى ملازمة هذا الصحابي الجليل زيد بن الأرقم رضي الله تعالى عنه كان ملازمًا لجل غزواته عليه الصلاة والسلام. فنبينا غزا تسعة عشرة غزوة وهو حضر معه سبع عشرة غزوة. فالشاهد في هذا الحديث وهو في الأثر في الصحيحين فيه أن النبي غزا تسعة عشرة غزوة. لكن هذا يشكل إلى ما جاء من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه ذكر أن عدد غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام إحدى وعشرين غزوة. ذكر ذلك أهل العلم كالحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، ويرى أن هذا الأثر صحيح عن جابر، وأن جابر أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا إحدى وعشرين غزوة. فكيف الجمع؟ فزيد يقول تسعة عشرة غزوة، وجابر يقول إحدى وعشرين غزوة. فقال العلماء: يحمل إما أن زيدًا قد فاتته غزوتان ما حضرهما رضي الله تعالى عنه، أو يقال أن زيدًا رضي الله تعالى عنه قام إلى غزوتين فجعلهما غزوة واحدة، جعلهما غزوة واحدة فحينها يلتئم العدد. هذا ما يذكر إخواني في الله في غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام. ومنهم من توسع إلى أكثر من ذلك. هذا ما يتعلق بغزواته عليه الصلاة والسلام. أما إن جئنا إلى البعوث والسرايا فهي كذلك كثيرة جدًا. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن عدة البعوث والسرايا في وقته عليه الصلاة والسلام بلغت إلى ست وثلاثين سرية وبعثة خرجت بإمرته. وهذا القول مال إليه الإمام ابن إسحاق رحمه الله تعالى. ومنهم من ذهب إلى أنها ثمان وأربعين سرية. وقد قال بهذا الإمام الواقدي رحمه الله. ومنهم من ذهب إلى أنها ست وخمسين سرية. وقد صرح بهذا ابن الجوزي رحمه الله تعالى. ومنهم من أطال العدد كالعراقي وغيره، وجعلها أكثر من سبعين سرية. هي التي خرجت في وقته عليه الصلاة والسلام. وهذا يحمل على التفصيل، إذ أن من بعض السرايا ما تكون قليلة العدد، ومنها ما يكون أكثر من ذلك كتيبة. فمن أهل العلم من جعل الجميع فصلها من بعثة من سرية من كتيبة، قل عددها كثر عددها، حسب الجميع إلى أنها سبعين. ومنهم من جعل الكلام حول السرية التي تكون ذات عدد، فجعلها إلى ستة وثلاثين أو ثمان وأربعين. فالحاصل إخواني في الله هذا ما يتعلق بمجمل ما يذكر عن القتال في الإسلام في مسألة الغزوات التي خرج بها نبينا، وبين البعوث والسرايا والتي انتدب نبينا غيره من أصحابه أن يخرجوا فيها. وهنا قال الناظم رحمه الله تعالى: وغزوة الأبواء بعد في صفر هذا، وفي الثانية الغزو اشتهر. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أول غزوة غزاها نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ أنه خرج بنفسه مع أصحابه هي غزوة الأبواء. غزوة الأبواء وقد تمت هذه في شهر صفر في السنة الثانية من الهجرة. وعبر عن هذا المؤلف بقوله: وغزوة الأبواء بعد في صفر، وفي الثانية الغزو اشتهر. أي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أنه في السنة الثانية من هجرته عليه الصلاة والسلام تتابعت مسألة الغزوات والبعوث والسرايا. بقي السؤال لماذا في السنة الثانية؟ لماذا ما جعل نبينا الغزو يبتدئ من السنة الأولى؟ الجواب ما سمعناه سلفًا أن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى إنما رتب الصف الإسلامي من الداخل، رتب الأمور، نظم هيئة، كون صلوات ربي وسلامه عليه ذكر ما يتعلق بعلاقة العباد مع الله، ببناء المساجد وإقامة الجمع وإتمام الصلاة في الحضر، وإشهروا تشريع الأذان. ورتب ما يتعلق بعلاقة العباد مع بعضهم بتشريع نظام المؤاخاة، فكان المسلم أخًا للمسلم حسًا ومعنى. فكان يتفانى الواحد منهم في التضحية لأخيه. وهكذا عدد يا عبد الله الترتيب للصف الداخلي. فلما شعر نبينا أن الكفة الداخلية قد التأمت وأصبح لهم شوكة وقوة، حينها بدأ عليه الصلاة والسلام بالغزو وذلك في السنة الثانية. فما تعجل نبينا عليه الصلاة والسلام في أمر الجهاد وإنما تأنى حتى يتربى الصحابة مع التربية التي كانت معهم في مكة، ثم تنظيم الأمور في المدينة، بعد ذلك شرع الله الجهاد لنبيه عليه الصلاة والسلام. فكانت هذه الغزوة غزوة الأبواء، ثم تتابعت بعده الغزوات. لأن الناظم رحمه الله تعالى قال: وغزوة الأبواء بعد في صفر هذا، في الثانية الغزو اشتهر إلى بواط وهي غزوة، ثم بدر، ووجب تحول القبلة في نصف رجب. نبدأ إخواني في الله فيما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى عن غزوة الأبواء، ما هي غزوة الأبواء؟ ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى نبذة يسيرة ونكتفي بها عن إشارة إلى هذه الغزوة. ما هي؟ قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في زاد المعاد قال: ثم غزى بنفسه غزوة الأبواء، وكما قلنا وأي مخرج الرسول يخرج معهم تسمى غزوة. قال: ثم غزى بنفسه غزوة الأبواء، ويقال لها ودان، ويقال لها ودان. ولهذا تجيء في كتب السير والمغازي منهم من يعبر بغزوة الأبواء، ومنهم من يعبر بغزوة ودان. ولماذا يقال عنها الأبواء ويقال عنها ودان؟ تارة الأبواء هي منطقة النبي خرج إليها. وهذه المنطقة يقدرها العلماء بأربع وعشرين ميلًا عن المدينة مسافة هذه المنطقة عن المدينة بأربع وعشرين ميلًا خرج إليها تسمى أبواء، وبقربها قرية تسمى ودان وهي قريبة جدًا تبعد ستة أميال. ولهذا لقربهما ولخروج النبي عندها تسمى تارة بغزوة الأبواء وتسمى تارة بغزوة ودان هذا وهذا وكلاهما غزوة واحدة هي هي. وإنما سمي هذا بهذا للتقارب إذ لم يكن بينهما سوى ستة أميال. قال ابن القيم رحمه الله: ويقال لها ودان، وهي أول غزوة غزاها بنفسه. وهذا على رأي جمهور العلماء، هذا ليس متفق عليه الخلاف حاصل، لكن أكثر أهل العلم من المؤرخين وأهل السير يميلون إلى أن هذه هي أول غزوة خرج نبينا بنفسه عليه الصلاة والسلام. قال: وكانت في صفر في شهر صفر وذلك في السنة الثانية من الهجرة. قال: وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب. اللواء وهي الراية الكبيرة أعطاها نبينا لحمزة وخرج بها، وكان أبيض أي هذه الراية لونها أبيض وهي أول راية دفعت لهذا الصحابي الجليل. وخرج بها نبينا. قال: واستخلف على المدينة سعد بن عبادة. إذا خرج نبينا في غزوة لابد أن يستخلف من يكون من بعده لأن الغزوة الله أعلم كم يتأخر فيها نبينا، فلا يترك الناس هملًا من بعده، فلابد من ولي أمر يكون من بعده يرتب أحوال الناس. فهذه الغزوة لما خرج نبينا وهكذا سيأتي معنا في كل غزوة لابد أن النبي يخلف من بعده من يخلفه. في هذه الغزوة الأولى خلف نبينا صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه. قال: وخرج في المهاجرين خاصة. ومما تميزت به هذه الغزوة أن الخروج كان خاصًا بالمهاجرين فقط، ما خرج أحد من الأنصار لأن النبي أراد هذا أراد عليه الصلاة والسلام من أهل الهجرة أن يخرجوا معه فقط، وما خرج أحد إلا مهاجري. ابن القيم ما ذكر كم عددهم، لكن جاء ذلك في باقي الكتب السنة والسيرة إلى أن عدتهم كانوا سبعين مهاجريًا. سبعين مهاجريًا إذن هذه هي غزوة الأبواء، سبعين مهاجريًا على رأسهم نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان حمزة حامل الراية البيضاء في هذا اليوم. قال ابن القيم رحمه الله: قال يعترضون عيرًا لقريش فلم يلق كيدًا. أي أن النبي خرج لاعتراض قافلة لقريش فما وجد هنالك وحينها قتالًا يذكر في اعتراضه عليه الصلاة والسلام. وهذا الخروج من نبينا والانتظار للعير ثم رجعه أخذ من نبينا خمسة عشرة ليلة. خمسة عشرة ليلة غاب فيها نبينا عن المدينة ثم رجع عليه الصلاة والسلام. هذا إخواني في الله ما يذكر من غزوة الأبواء التي أشار إليها الناظم رحمه الله تعالى بقوله: وغزوة الأبواء بعد في صفر هذا، وفي الثانية الغزو اشتهر. ثم ذكر إلى بواط ثم بدر إلى آخر هذه غزوات تتبع إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.