الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 45، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش تعريف الإجماع وحدوده، حيث يشترط عدم وجود خلاف سابق لاعتبار الاتفاق إجماعا. يُوضح أن الإجماع الحقيقي يتعذر مع وجود خلاف سابق.
يتناول آراء الفقهاء حول اعتبار إجماع التابعين وأهل المدينة، حيث يختلفون في حجية إجماع أهل المدينة، بينما يرى الجمهور أن إجماع التابعين يعتد به إذا بلغوا رتبة الاجتهاد.
يناقش آراء الفقهاء في اعتبار إجماع أهل كل عصر حجة، ويبين حكم اتفاق الخلفاء الراشدين وعدم اشتراط انقراض العصر في الإجماع عند الجمهور.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله: مسألة، إذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، اعتد به في الإجماع عند الجمهور، واختاره أبو الخطاب. فقال القاضي وبعض الشافعية: لا يعتد به. وأما أحمد رحمه الله، فإنه أشار إلى القولين. ووجه الاعتداد به، وهو الحق عند الجمهور، أنه مجتهد من علماء الأمة، فلا وجه لإلغائه. ووجه إلغائه أن الصحابة لما شاهدوا التنزيل، وكانوا أعلم بالتأويل، كان غيرهم من العلماء بالنسبة إليهم كالعامي بالنسبة إلى العلماء. فإن انعقد إجماع الصحابة قبل بلوغ التابع رتبة الاجتهاد، فلا عبرة بقوله؛ لأنه مسبوق بالإجماع. والصحيح قول الجمهور: أنه يعتد بقوله؛ لأنه يعتبر أحد العلماء، والإجماع لا بد فيه من اتفاق جميع العلماء. قال فصل: ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر، في قول الجمهور. وقال ابن جرير الطبري وأبو بكر الرازي: لا عبرة بمخالفة الواحد والإثنين، فلا تقدح مخالفتهما في الإجماع. وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله. وحجة الجمهور: أن العبرة بقول علماء جميع الأمة؛ لأن العصمة إنما هي للكل لا البعض. وحجة الآخر: اعتبار الأكثر وإلغاء الأقل. قال في المراقي: والكل واجب، وقيل: لا يضر لاثنان دون من عليهما كثر. والصواب: أنه لا ينعقد بقول الأكثرين، بل لا بد من اتفاق الجميع. لا بد من اتفاق الجميع، وهو قول الجمهور. لكن كما ذكرنا من قبل: أن قول أكثر العلماء قد يسمى اتفاقا، ولا يسمى إجماعا. قد يسمى اتفاقا، ولا يسمى إجماعا. والمخالف إن لم يكن معه دليل في مخالفته، فيكون قولهم مما يحتج به، والأخذ بما اتفق عليه، أو لا، من تركه. قال فصل: وإجماع أهل المدينة ليس بحجة. وقال مالك: هو حجة. أما حجة الجمهور على أنه غير حجة فواضحة؛ لأنهم بعض الأمة، والمعتبر إجماع الأمة كلها. وأما حجة مالك بالتحقيق: أنها قائمة أيضا؛ لأن الصحيح عنه أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان: أحدهما أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه، أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه، كالإخبار مثلا بأمر يقع في المستقبل، أو بحكم يعني ليس فيه مجال الرأي. والثاني أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع. فألحق بهم مالك التابعين من أهل المدينة فيما ليس فيه اجتهاد؛ لتعلمهم ذلك عن الصحابة. أما في مسائل الاجتهاد، فأهل المدينة عند مالك كغيرهم من الأمة؛ يعني لا يعتبر إجماعا. وحكي عنه الإطلاق؛ يعني من غير تقييد أن تكون المسألة من مسائل الاجتهاد أو غير مسائل الاجتهاد. فإذا أجمعوا على حكم أو أمر، فهو حجة. قالوا: على القول بالإطلاق يتوجه عليه اعتراض المؤلف: بأنهم بعض من الأمة كغيرهم. وإلى ما ذكرنا عن مالك أشار في المراقي، قال: وأوجبا حجية للمدني فيما على التوقيف أمره بني. وقيل: مطلقا. وما قد أجمع عليه أهل البيت مما منع. قالوا: معناه عند مالك اتفاق الصحابة والتابعين الذين في المدينة، واتفاق الخلفاء إلى آخره. وقول الجمهور أصح: أن أهل المدينة بعض الأمة، فليسوا الأمة كلها، والإجماع لا بد فيه من اتفاق جميع علماء العصر، جميع علماء الأمة على حكم شرعي. وأهل المدينة ليسوا جميع الأمة. قال فصل: واتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع عند الجمهور، والصحيح أنه حجة وليس بإجماع؛ لأن الإجماع لا يكون إلا من الجميع. فالإجماع إنما يكون من الكل إلى آخره. قال: الإجماع إنما يكون من الكل. وقيل: إجماع. وقيل: إجماع. وقيل: حجة لا إجماع، وهو أظهرها. وما نقل عن أحمد رحمه الله من أنه لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، لا يدل على أن قولهم إجماع؛ لأن الدليل قد يكون حجة وليس إجماعا. يعني أنه إذا اتفق الخلفاء الأربعة على مسألة، فإن الغالب أن يكون الصواب معهم. يكون الصواب معهم، فيحتج باتفاقهم على حكم هذه المسألة، وهذا هو الغالب. يعني إذا اجتمع الخلفاء الأربعة على حكم في مسألة من المسائل أن يكون الحق في قولهم. كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: أن الخلفاء الأربعة إذا اتفقوا، فترجح كفتهم على كفة الأخرى. وإذا اختلفوا، فكفة أبي بكر وعمر تكون أرجح على عثمان وعلي. وإذا اختلف أبو بكر وعمر، فقول أبي بكر هكذا بكر رحمه الله. وعلى كل، فاتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع، لكنه يحتج به. قال مسألة: ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قول بعض الشافعية. وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة، انعقد الإجماع، وهو قول الجمهور، واختاره أبو الخطاب. يعني هذه المسألة: مسألة انقراض العصر، هل يشترط في صحة الإجماع انقراض العصر؟ يعني انقراض عصر المجمعين، هؤلاء العلماء الذين أجمعوا على حكم، هل يشترط في صحة إجماعهم أن يكون لازم أن ينقرض هؤلاء العلماء؟ بمعنى أن يموتوا كلهم، فيكون إجماعهم حجة، أو بمجرد حصول الاتفاق والإجماع يكون حجة، ولا يشترط انقراض هؤلاء المجمعين؟ قول الجمهور: أنه لا يشترط، وهو صحيح. قال: ووجه هذا القول: أن حقيقة الإجماع المعصوم تحصل باتفاقهم، ولو في لحظة واحدة. والنصوص الدالة على حجة الإجماع ليس فيها القيد بانقراض العصر. ولأنه يؤدي إلى تعذر الإجماع؛ لأنه لا يكاد عصر ينقرض حتى يحدث من أولاده من يكون من علماء العصر، فيتسلسل. يعني يوجد من النشأ من يبلغ إلى رتبة الاجتهاد قبل أن يموت أهل الإجماع الأول. وإذا بلغ من جاء بعدهم إلى رتبة الاجتهاد، وقلنا بأنه يشترط انقراض العصر، جاز لهذا الجديد أن يخالف؛ لأن الإجماع لم ينعقد بعد؛ لأن أهله ما زالوا أحياء. وعلى هذا القول يحصل تسلسل، وحينئذ لا يمكن أن ينعقد إجماع. لا يمكن أن ينعقد إجماع. قال: وجه اشتراطه: احتمال رجوع البعض عن اجتهاده، فيؤول الأمر إلى الخلاف. وقد ذكر لإمام أحمد: أن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر، وخالفه علي بعد موته. أم الولد هي الأمة التي تلد لسيدها. يقال لها أم ولد. كان حكمها حكم الأمة بإجماع؛ يعني أنها تعتق بعد موت السيد. قال: ثم أعتقهن عمر؛ أي خالف هذا الحكم، وخالفه علي بعد موته. قال: وحد شارب الخمر كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه أربعين؛ يعني يجلد شارب الخمر أربعين جلدة. ثم جلد عمر ثمانين، ثم جلد علي أربعين. ولولا اشتراط انقراض العصر، لما جاز ذلك. يعني الآن يحتج بأن الإجماع لم ينعقد لعدم انقراض العصر. لكن يجاب عن هذا: بأن فعل عمر رضي الله عنه بجلد الثمانين من باب الاجتهاد. فعل ذلك اجتهادا؛ لما رأى أن من يشرب الخمر لا ينزجر بالأربعين، فاستشار الصحابة أن يزيد في الحد، فقالوا: أخف الحدود ثمانين، فجلد ثمانين. وعلي رضي الله عنه قال: إن جلد ثمانين فهو فعل عمر، وإن جلد أربعين فهو سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أحب إليه، فجلد أربعين. على أن هذا هو الأصل في جلد شارب الخمر: أنه يجلد أربعين، وليس في هذا تعرض إلى مسألة انقراض العصر. قال: وأشار في المراقي إلى أن مذهب الأكثر عدم اشتراط انقراض العصر، بقوله: ثم انقراض العصر والتواتر لغو على ما ينتحيه الأكثر. وهي في الحقيقة مسألة افتراضية؛ مسألة انقراض العصر مسألة افتراضية، لا وجود لها، ولا يمكن أن تتصور إلا كما قال بعضهم: أن يكون هؤلاء العلماء في سفينة، وبعد إجماعهم تغرق بهم السفينة، فيهلكون. هنا ينقرض عصرهم، وينعقد الإجماع. فيه مسألة افتراضية. قال مسألة: إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة، خلافا لداود؛ فعنده إجماع الصحابة لا غير هو المعتبر. وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى ذلك. وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا المبحث: أن الإجماع من الأمة معتبر في كل عصر. فالماضي لا يعتبر، والمستقبل لا ينتظر؛ يعني بمعنى أن يأتي إجماع وينتقض في العصر المستقبل. قال: وكلية الأمة حاصلة بالموجودين في كل عصر. وخالف الظاهرية في إجماع غير الصحابة. وأومأ إليه أحمد. ويعتبر في الإجماع الغائب للميت الغائب؛ يعني الحي لكنه غائب غير موجود. قوله: وأومأ إليه أحمد؛ يعني في اعتبار وعدم الاعتبار بإجماع غير الصحابة. كان يريد في قوله: من قال أجمع فقد كذب، ما يدريك لعل الناس اختلفوا. وإمام أحمد رحمه الله قال ذلك من باب الرد على من تساهل بنقل الإجماع، والاستدلال بالإجماع في مسائل الخلافية. قال ذلك من باب الرد على هؤلاء، وفي تساهلهم بنقل الإجماع. ومرة معنا أن ذكرنا أن الإجماع المعتبر على نوعين: الأول إجماع في القرون المفضلة. والثاني الإجماع المنقول الذي لا يعرف له مخالف؛ الذي لا يعرف له مخالف، فهو أيضا معتبر. قال فصل: إذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما؛ يعني على أحد القولين. فقال أبو الخطاب والحنفية: يكون إجماعا؛ لأنه اتفاق من جميع أهل العصر. وقال القاضي وبعض الشافعية: لا يكون إجماعا؛ لأن الذين ماتوا هم مخالفون، لا يسقط قولهم بموتهم. واضح: اختلف الصحابة على قولين في مسألة من المسائل، من ذهب إلى الوجوب، ومن ذهب مثلا إلى عدم الوجوب. قال: فأجمع التابعون على أحدهما؛ على أحد القولين. هل يعتبر هذا إجماع؟ من من قال: يعتبر إجماع. ومن من قال: ليس بإجماع؛ لأن موت المخالفين لا تموت به أقوالهم. هناك آخرون ذهبوا إلى عدم الوجوب، فإذا المسألة فيها خلاف، وكونهم ماتوا لا تموت بذلك أقوالهم. فعلى هذا: فالصحيح أنه ليس بإجماع؛ لوجود الخلاف. قال: أما إذا اختلف الصحابة ثم اتفقوا بعد الاختلاف، كاختلافهم في إمامة أبي بكر، ثم اتفاقهم عليها؛ بأن رجع بعضهم إلى قول الآخرين، فهو إجماع منهم؛ كما هو الحق، لا يوجد مخالف. لا يوجد مخالف. قال: وكذلك غير الصحابة من أهل كل عصر كذلك عند الجمهور؛ فإذا اختلفوا ثم اتفقوا، كان إجماعا. وإذا اتفق من بعدهم على أحد قوليهم، ففيه الخلاف المذكور. والراجح أنه إجماع. والصحيح أنه ليس بإجماع؛ إذا حصل خلاف على قولين، ثم أجمع على أحد القولين، فلا يكون إجماعا؛ لوجود الخلاف. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.