الدرس في كتاب الإيمان 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بحديث نبوي يشير إلى أن من رضي بالله ربا والإسلام دينا ومحمدا رسولا فقد ذاق طعم الإيمان، ويوضح أهمية الرضا بالله والإسلام والنبي.
يفسر المقطع مفهوم طعم الإيمان وعلاقته برضا الإنسان بربه ودينه ونبيه، ويبين أن هذا الرضا يؤدي إلى لذة الإيمان وانشراح الصدر.
يناقش كيف أن ضعف الإيمان قد يؤثر على مواقف المسلمين من غيرهم، ويبين أهمية التمسك بالإسلام للعزة والرفعة مستشهدًا بآثار الصحابة والتوجيهات النبوية.
يشرح كيف أن الإيمان إذا دخل القلب يمنع العبد من الارتداد عن الإسلام، ويؤكد على أن من ذاق طعم الإيمان رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، ابن الحجاج أبو الحسين، إني سابوري القشيري، رحمه الله: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي، وهو العَدَنِيُّ نزيل مكة، أبو عبد الله الحافظ، وبشر بن الحكم، وهو ابن حبيب، أبو عبد الرحمن النيسابوري، روى عنه البخاري ومسلم والنسائي. قال: حدثنا عبد العزيز، وهو ابن محمد الدراوردي. وهو الصدوق، كما قال الحافظ رحمه الله في التقريب، وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب غيره فهو واهٍ، وحديثه عن عبيد الله العُمَرِيِّ منكر، كما قال النسائي رحمه الله. والإمام البخاري أخرج له في صحيحه مقرونًا بغيره. عن يزيد بن الهاد، وهو يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، وهو ابن أبي وقاص، قال: عن العباس بن عبد المطلب، العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، عم رسول الله ﷺ، وكان أسن من رسول الله ﷺ بثلاث سنين، أسلم رضي الله عنه بعد خيبر. قال: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا». الإمام النووي رحمه الله، باب على هذا الحديث: باب الدليل على أن من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا، فهو مؤمن، وإن ارتكب المعاصي الكبائر. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن وقوع المؤمن والمسلم في شيء من الذنوب وكبائرها لا يخرجه من دائرة الإيمان، بل هو مؤمن بإيمانه، وفاسق بمعصيته وكبيرته. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، ليس معنى أنه كافر، لكن المعنى ليس بكامل الإيمان، بل إن في إيمانه نقصًا، ولو كان إيمانه كاملا لما ارتكب هذه الكبائر. فكون المؤمن يقع في شيء من كبائر الذنوب ليس معنى هذا أنه قد كفر وخرج من الإيمان، لكن هذا دليل على ضعف إيمانه وعلى نقص إيمانه. قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا»، وهذا خلافًا لعقيدة الخوارج وعقيدة المرجئة. فالخوارج عندهم من ارتكب الكبيرة فهو كافر، وعند المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب، مهما فعل من الذنوب والكبائر فهو مؤمن كامل الإيمان. وكلتا الطائفتين ضالتان، والصواب ما عليه أهل السنة، أن المؤمن إن ارتكب شيئًا من الذنوب والكبائر فهو مؤمن ناقص الإيمان، وضعيف الإيمان، فليس إيمانه إيمانًا كاملا، ولا يخرج عن الإيمان بارتكابه للكبائر والذنوب، وهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، أي ما دون الشرك يغفر الله عز وجل لمن عنده شيء من الذنوب والمعاصي ما دون الشرك لمن شاء جل وعلا أن يغفر له. ولا بد أن يذوق بعض أهل الكبائر العذاب، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بدخول جماعة من أهل الكبائر النار، وأنهم يعذبون فيها حتى يصيرون فحمًا، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين. قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربه، وبالإسلام دينا، وبمحمد الرسول»، ذاق طعم الإيمان، هذا فيه أن الإيمان له طعم، لكنه طعم معنوي، ليس طعمًا حسيا كما تطعم الطعام وتذوقه بلسانك وتجد حلاوته. فالإيمان له طعم معنوي تجد لذته في قلبك من انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، ولذة العبادة والطاعة، هذا من طعم الإيمان. «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربه، وبالإسلام دينا، وبمحمد الرسول»، رضي بالله ربا بمعنى اطمأنت قلبه ونفسه بالإيمان بالله جل وعلا، وأن الله عز وجل هو الرب الذي يستحق العبادة وحده، وهو الإله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، وهو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى. وكذلك أيضًا الذي يستحق أن يعبد وحده، ورضي بالإسلام دينا، فلا يبتغي دينًا غير دين الإسلام، يعلم ويؤمن أن دين الإسلام هو الدين الحق الذي يجب على كل عبد أن يؤمن به، وأن يعتنقه، وأن لا يبتغي عنه بديلا. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، نعم، لا يبتغي دينًا غيره، ولا يغتر بحضارات أهل الكفر وأهل الإلحاد، وما يعيشون فيه من رغد العيش وسعة الدنيا، وهو راضٍ بهذا الدين العظيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى من أهله، فيجد طعم الإيمان ولذة الإيمان. وبمحمد الرسول أيضًا رضي بمحمد عليه الصلاة والسلام رسولا، فيؤمن به ويصدقه بما أخبر، ويجتنب ما نهاه، ويعبد الله عز وجل بما شرعه عليه الصلاة والسلام، فبذلك يجد لذة الإيمان وطعم الإيمان. «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربه، وبالإسلام دينه، وبمحمد رسولا»، فكلما كمل إيمان العبد في قلبه، كلما وجد طعم الإيمان ولذته. وإذا اختل تحقيق هذا المقام العظيم، اختلت ماذا في قلبه منزلة الإيمان، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر به. وبقدر ذلك تجد ضعف كثير من الناس في إيمانهم بسبب ضعف إيمانهم، يعني ضعف طمأنينة التي يجدها المؤمن في قلبه إذا ضعف إيمانه ورضاه بالله عز وجل ربا، وبدينه وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، فإنه يضعف عنده ذوق طعم الإيمان، لأنه يبتغي غيره. فالذي مثلًا يقع في شيء من الشرك، ولا يحقق التوحيد لله جل وعلا، وإفراده بالعبادة، فإنه يحرم هذه اللذة، لأنه التفت إلى غير الله، وابتغى ربا غير الله جل وعلا. وهكذا أيضًا من ابتغى دينًا غير دين الإسلام، فتجده عنده شيء من التضجر والضيق من دين الإسلام، وأن دين الإسلام دين متأخر، وليس فيه حضارة، وليس فيه تقدم، وإلى آخره من تلك المقالات التي تصدر من بعض المسلمين، هذا في الحقيقة ما صدر منه هذا القول إلا لضعف إيمانه، وربما كان عنده شيء من النفاق. فتصدر منه مثل هذه الكلمات، وتجده يمدح الديانات الأخرى والدول الكافرة بأنها دول متقدمة، ودول متحضرة، ودول راقية، إلى آخر ذلك من مثل هذه الكلمات. أو كذلك أيضًا يكون عنده ضعف في الإيمان برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنها هي الرسالة الحق، والدين الحق الذي يجب الإيمان به والتمسك به. وكذلك أيضًا اعتقاد أن بالتمسك به وبما جاء به عليه الصلاة والسلام تكون الخيرية لهذه الأمة، ويكون لها الفضل والرفعة والشرف في الدنيا والآخرة، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. فما يصيب المسلمين اليوم من ضعف ومن خور هو بسبب أعمالهم وبسبب ذنوبهم، ليس بسبب هذا الدين، بل هذا الدين رفعة وعزة وشرف، إذا تمسك أهله به، واعتزوا به، وطبقوا أحكامه وشرائعه، لرفعهم الله سبحانه وتعالى، كما رفع الصحابة رضوان الله عليهم، لما عظموا هذا الدين وطبقوا أحكامه ملكوا أقطار الأرض، وصاروا أعزة، وصار أهل الكفر أذلة. نعم، وعمر رضي الله عنه كان يقول: إنا قومًا أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. لما ابتغى المسلمون اليوم العزة بغير الإسلام حصلت لهم الذلة، وحصلت لهم الضعة وعدم الرفعة. لو تمسكوا بهذا الدين لكانت لهم الرفعة والمكانة العالية. والنبي ﷺ يقول كما في حديث لعمر: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، صلى الله عليكم ذلا، لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم»، يعني لا ينزع هذا الذل ولا يرفع إلا بالرجوع إلى هذا الدين. معنى ذلك: إذا رجعوا إلى هذا الدين وتمسكوا به وبما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، لحصلت لهم العزة، وحصلت لهم الرفعة والمكانة العالية. فعلم من هذا الحديث أن الإيمان كما سمعنا له طعم، يجد لذته المؤمن، يجد انشراحًا في صدره، وطمأنينة في قلبه بإيمانه ويقينه، لذة الطاعة والعبادة والقرب لله جل وعلا. وبهذا كما يقول بعض السلف: كانوا يقولون: نعم، إنا في راحة، وفي لذة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف، لذة الطاعة والعبادة، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وهذا كله كما سمعنا هو من قوة الإيمان، فكلما قوي إيمان العبد، كلما قويت في قلبه لذة الطاعة، وذاق طعم الإيمان. ولهذا إذا خالط الإيمان بشاشة القلب لم يفارقه، كما قال هرقل لما خاطب العباس لما خاطب أبا سفيان: هل أحد يرتد منهم سخطة لدينه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، إذا خالط الإيمان القلب، فلا يمكن أن يرجع العبد للقهقرة، وأن يرتد عن دين الإسلام، أو يكره هذا الدين بعد أن اعتنقه ودخل الإيمان في قلبه. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الإيمان، ومن من ذاق طعم الإيمان، رضي بالله ربه، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.